الخيارات العسكرية والأمنية والإلكترونية والتخريبية المتوفرة للرئيس بوتين
الخيارات العسكرية والأمنية والإلكترونية والتخريبية المتوفرة للرئيس بوتين

إعلان وزارة الخارجية يوم أمس (الأحد) عن سحبها لعائلات الديبلوماسيين العاملين في السفارة الأميركية في العاصمة الأوكرانية كييف، وكذلك سحب الموظفين غير الأساسيين بسبب الوضع الأمني المضطرب على الحدود الروسية-الأوكرانية "والذي يمكن أن يتدهور فجأة" هو آخر مؤشر بأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا، بما في ذلك الاجتماع الأخير بين وزيري الخارجية أنطوني بلينكن وسيرغي لافروف، قد وصلت أو أشرفت على الوصول إلى طريق مسدود. هذه الإجراءات، إضافة إلى التطورات الميدانية بمن فيها وصول الحشود الروسية إلى أكثر من 125 إلف عسكري على الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية لأوكرانيا تبين إن أصوات المدافع في المستقبل القريب، وفي غياب اختراق ديبلوماسي نوعي مفاجئ، قد تعلو وتطمس نهائيا الأصوات الديبلوماسية بادئة بذلك حربا ساخنة هي الأخطر في القارة الاوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

في الأيام الأخيرة شدد المسؤولون الأميركيون بمن فيهم الرئيس بايدن والوزير بلينكن في كل مناسبة على تحذير موسكو من أن لجوئها إلى القوة العسكرية، حتى ولو كان ذلك بشكل محدود للغاية، سوف يؤدي إلى استخدام سيف العقوبات المالية والاقتصادية والتقنية بشكل حاسم من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، ما يعني معاملة روسيا كدولة مارقة مثلما عوملت من قبلها إيران وفنزويلا. هذه هي الصورة القاتمة التي ترسمها واشنطن لأي اجتياح روسي لأوكرانيا ولمضاعفاته. هذه التحذيرات والتهديدات بدأت "بتوضيحات" من البيت الأبيض فور انتهاء الرئيس بايدن من مؤتمره الصحفي الرسمي الثاني والطويل منذ انتخابه بعد أن تمادى بايدن في تكهناته وتحليلاته النظرية العلنية لنوايا الرئيس الروسي بوتين، مثل إشارته المتهورة إلى الفرق بين اجتياح روسي كبير لأوكرانيا يستدعي ردا شاملا لا لبس فيه من حلف الناتو، وبين غزو "طفيف" أو محدود يتسبب ببروز خلافات بين أعضاء الحلف حول طبيعة الرد العقابي.  يوم الأحد، قال الوزير بلينكن، الذي شارك في مختلف البرامج الحوارية السياسية الرئيسية في شبكات التلفزيون، إن دخول جندي روسي واحد بشكل عدائي إلى أوكرانيا سوف يؤدي "إلى رد سريع وحازم وموحد من الولايات المتحدة وأوروبا".

اجتهادات الرئيس بايدن السياسية خلال مؤتمره الصحفي، ومن بينها الإشارة إلى أن عضوية أوكرانيا في حلف الناتو ليست واردة حاليا لأن كييف لم تتقدم بما فيه الكفاية على المسار الديموقراطي أو بسبب وجود معارضة أوروبية لضمها (في إشارة ضمنية إلى معارضة ألمانيا وفرنسا) أدت الى ردود فعل سلبية وسريعة من قبل المسؤولين الأوكرانيين البارزين الذين رأوا فيها – بشكل مجحف – دعوة من بايدن لبوتين لغزو أوكرانيا، ومن بعض قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس الذين وصفوها – أيضا بشكل مجحف - بمحاولة "استرضاء" بوتين.

الخيارات العسكرية والأمنية والإلكترونية والتخريبية المتوفرة للرئيس بوتين لإضعاف وزعزعة أوكرانيا، أو لاحتلالها أو لتحويلها، كما يقول الكثير من منتقديه إلى "دولة فاشلة"، كثيرة ويمكنه استخدام بعضها لإلحاق الأذى بأوكرانيا، ومحاولة تفادي استفزاز الغرب بشكل سافر لتفادي سيف العقوبات، ولتعميق الهوة بين الولايات المتحدة وبعض أبرز أعضاء الناتو وتحديدا المانيا وفرنسا والتي لا تريد استخدام العقوبات القصوى ضد روسيا بسبب اعتمادها على مصادر الطاقة الروسية، ولأنها تريد تفادي الاضرار التي ستلحق باقتصاداتها جراء فرض عقوبات مالية مثل منع موسكو من استخدام النظام المالي العالمي، ما يمكن أن يلحق الأضرار بالمصارف الأوروبية التي تتعامل مع المصارف الروسية. حتى الان لم تلزم ألمانيا نفسها بوقف العمل بخط الانابيب نورد ستريم-2 الذي سينقل اليها الغاز الروسي، كما أن فرنسا دعت مؤخرا الاتحاد الاوروبي إلى الدخول في مفاوضات منفصلة مع روسيا، في مؤشر آخر بان الحديث العام والعلني عن عقوبات غربية موحدة ضد موسكو في حال اجتياحها للأراضي الأوكرانية لا يخفي حقيقة وجود "اجتهادات"، لا بل خلافات بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية حول طبيعة العقوبات التي ستفرض على روسيا إذا دعت الضرورة. وبينما تقوم بريطانيا – بعد انسحابها من الاتحاد الاوروبي – بتسليح أوكرانيا بصواريخ مضادة للدروع والمروحيات، أمتنعت المانيا عن تقديم أي دعم عسكري الى أوكرانيا، على الرغم من أن الدول الصغيرة التي انضمت إلى الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مثل دول بحر البلطيق: ليثوانيا، وأستونيا ولاتفيا تقوم حاليا بتزويد أوكرانيا بالأسلحة، بدعم من واشنطن.

حتى الآن أخفق الرئيس بوتين بتهديداته وحشوده العسكرية بالحصول على التنازلات السياسية والاستراتيجية الكبيرة والنوعية التي يصر عليها من أوكرانيا ودول حلف الناتو. ولكن بوتين نجح في إرغام الغرب على مناقشة مطالبه التعجيزية، في الوقت الذي لا تزال فيه الولايات المتحدة تعاني من انقساماتها واستقطاباتها الداخلية السياسية العميقة والتي تبدو لبوتين على الأقل أنها أضعفت الرئيس بايدن، وفي الوقت الذي تعاني فيه أوروبا من أزمة في مصادر الطاقة، وحتى أزمة قيادة بعد تقاعد المستشارة الالمانية القوية أنغيلا ميركل، والدعوات المتزايدة في لندن لاستقالة رئيس الوزراء بوريس جونسون، بمن في ذلك أصوات من داخل حزبه. كما ساهم تصلب الرئيس الروسي في إبراز الشروخ بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين. ويعتقد أن هذه الانقسامات والخلافات بين حلفاء الناتو وداخل دوله، تفسر توقيت بوتين في تصعيد التوتر العسكري على الحدود الأوكرانية وفي طرحه لمطالبه التعجيزية.

ومع بداية السنة الثانية للرئيس بايدن في البيت الابيض، يمكن القول إن بوتين قد نجح حتى الان في إرغام الرئيس الأميركي على مواجهة تهديدات ومطالب دولة لا يرقى اقتصادها إلى مستوى معظم الدول الاوروبية، بدلا من التركيز، كما يريد على ما تعتبره واشنطن التحدي التاريخي الاقتصادي والاستراتيجي والسياسي الذي تمثله الصين، التي تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم ضد مصالح الولايات المتحدة ليس فقط في شرق آسيا، بل في العالم كله. الرئيس الروسي الذي يصر على استخدام أدوات الابتزاز والتهديد التي كانت سائدة بين الدول الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين، وأدت إلى حربين عالميتين في أقل من نصف قرن، أرغم الغرب في الأشهر الأخيرة على التفاوض معه وعرّض الأمن الاوروبي، ومصالح الولايات المتحدة ومكانتها لأخطر أزمة منذ عقود.

المفارقة هي أن قيام روسيا بغزو "تقليدي" لأوكرانيا لتحقيق أهداف مثل إقامة جسر بري يربط روسيا بشبه جزيرة القرم، أو ضم الأراضي الأوكرانية في الشرق التي توجد فيها حركات انفصالية تسلحها موسكو، قد ينقذ وحدة حلف الناتو ويرغم اعضائه على فرض عقوبات موجعة ضد روسيا. ولكن إذا قرر بوتين تعطيل نشاط مؤسسات الدولة الاوكرانية من خلال هجمات سيبرانية (الكترونية)، أو التسبب بمحاولة انقلابية، كما كشفت الاستخبارات البريطانية قبل أيام أو خلق اضطرابات اجتماعية داخلية، أو إذا طلب من الانفصاليين في شرق أوكرانيا اعلان استقلالهم ثم الاعتراف بهذا الاستقلال كما فعل في أعقاب الحرب التي شنها ضد جورجيا في 2008 واعترافه "باستقلال" مقاطعتي أبخازيا وجنوب أوسيتيا. (إضافة الى اعتراف دول منبوذة ومدينة لروسيا مثل سوريا وفنزويلا). 

مثل هذا التصعيد المدروس قد يضع بعض دول الناتو الأوروبية المترددة أصلا في مواجهة روسيا، أو التي تعتمد على امدادات الغاز والنفط الروسية، كما هو حال المانيا، في وضع صعب ويرغم بعض حكوماتها على الرضوخ لضغوط داخلية متوقعة لتفادي أزمات اقتصادية ومالية مؤلمة، ما يؤدي إلى جبهة غربية غير متماسكة في وجه روسيا التي ستجد دعما قويا من الصين وغيرها من الدول الأوتوقراطية أو بعض الدول الهامة التي تنحسر فيها الممارسات الديموقراطية مثل الهند والبرازيل وغيرها والتي ترى أن الدول الغربية بمن فيها الولايات المتحدة لم تعد قوية ومتماسكة كما كانت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي.

لا أحد يعلم بأي درجة من اليقين ما الذي سيفعله فلاديمير بوتين في الأيام والأسابيع المقبلة. ولكن ما يمكن قوله بكثير من الثقة هو أن بوتين خلال الأشهر الأخيرة علّق سيفا حادا فوق الأمن الأوروبي، وأعاد القارة الاوروبية إلى حقبة داكنة كانت الدبابات والطائرات الحربية تعبر حدودها البرية والجوية في جميع الاتجاهات وتحصد معها عشرات الملايين من العسكريين والمدنيين في حقول القتل الشاسعة في القارة بمن فيها حقول القمح الأوكرانية التي كانت تبدو وكأنه لانهاية لها ولا حدود لعطائها قبل أن يشّن ستالين حربه لتجويع أوكرانيا وفلاحيها في ثلاثينات القرن الماضي ويقتل أكثر من 3 ملايين منهم، أي قبل عقد واحد من زيارة دبابات هتلر وجحافله النازية حقول أوكرانيا لتحرقها من جديد في طريقها الى موسكو. ينطبق على أوكرانيا الوصف الذي يطلق على كل دولة صغيرة تعيش في ظل دولة عدوانية أقوى: كم هي مسكينة أوكرانيا لأنها بعيدة جدا عن الحماية الإلهية، وقريبة جدا من روسيا.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.