الصدر والحريري مثالان واضحان عن نماذج لا تُحصى

في استنكاف زعيم تيار المستقبل اللبناني سعد الحريري عن الترشح للانتخابات البرلمانية اللبنانية المُقبلة، وإمكانية عدم دعمه لأية لائحة انتخابية، ما يُطابق ما أقدم عليه زعيم التيار الصدري العراقي مُقتدى الصدر قبل بضعة شهور، حينما أعلن انسحابه من سباق الانتخابات البرلمانية العراقية، ثم تراجع.

في الحالتين، ثمة زعامتان تقليديتان، تقفان على رأس هرم زعامة وموقع سياسي لا يملك أية إمكانية أو أهلية للتعامل مع مختلف أشكال التخريب والمنغصات التي تواجه الحياة اليومية للقواعد الاجتماعية الموالية لهما، راهنا ومستقبلا. لكن، ومع ذلك، متأكدتان تماما من أن القواعد الشعبية الداعمة لهما، وجزء غير قليل من القوى السياسية في كِلا البلدين، ستشعر بفراغ سياسي كبير إذا ما قررا الانسحاب من الحياة السياسية. متأكدتان من أن هذه القواعد ستُجبر على استجدائهما للتراجع عما أقدما عليها. وهو أمر جرى تفصيلا في حالة الصدر، والمسيرات الشعبية الأخيرة في العاصمة اللبنانية بيروت، أنما دليل على إمكانية حصول الأمر نفسه مع الحريري.

لا يتعلق الأمر بالزعيمين المحليين، بقدر ما يكشف عن حالة جماعات أهلية/سياسية موالية ومرتبطة بهذه الزعامات في كِلا البلدين، وبدرجات متفاوتة بمختلف الجماعات الأهلية/السياسية في مختلف بلدانٍ منطقتنا. أيا كان وزن وموقع هذه الجماعات، أقلية هامشية كانت، أو جماعات تشكل بتعدادها السكاني مركزاً ذا ثُقل في المتن الوطني. فالأساس هو غرق أبناء هذه الجماعات في نوع من "الوعي الشقي"، المُتيقن بأن مُستقبلها السياسي وضمان وجودها، أنما مرتبط بمثل هذه الزعامات.

ففي كل مثال، ثمة مئات الآلاف من السُكان، على الأقل، من الذين يعيشون قلقا سياسياً شديد التركيب والتناقض. إذ من طرفٍ متأكدون بأنه ليس من أي أفق أو إمكانية لحل تناقضاتهم و"صراعاتهم"، سواء الداخلية منها أو تلك التي مع الجماعات والقوى السياسية الأخرى، عبر هذه الزعامات السياسية، ليقينها التام بعدم امتلاك هذه الزعامات لأية مشاريع أو رؤى أو ديناميكيات تستطيع عبرها أن تقدم ما هو أفضل لهذه القواعد الموالية ومشكلاتها، ومن طرف آخر تملك ارتباطاً وولاء أعمى لها.

شيء مثل ذلك لا بد أن يكون قد تأسس على ما هو غير عقلي، وهل من شيء غير عقلي مثل الصدرية والحريرية السياسية!، الزعامتان اللتان تأتيتا من أبعاد ذات هالة.

فالزعيمان منحدران من أبوين تأسيسيين، ذهب كل واحد منهما جراء جريمة قتل مأساوية، ارتكبها مناهضون لهذه الجماعات، مما شكل الرمزية الأولى لزعامتهما. فقتل الأبوين المؤسسين، أنما كان ترميزاً لقتل الجماعة نفسها، أو قتل أباها الأعلى. وهو أمر يمنح علاقة هذه الجماعات بالزعامتين بُعداً "دينياً/أسطورياً"، فهذه النوعية من الزعامات المشيدة على إرث من "الدم"، أنما تلاقي نوعية الوعي الجمعي لمجتمعات تعيش أحوالاً مثل أحوال منطقتنا بكثير من الحميمية.

تجاوزت أحوال البلدين اللحظة التأسيسية تلك بمسافات بعيدة، لكن هالة الزعامة الدموية بقيت محافظة على حيويتها.

الصدر تجاوزته ثورة تشرين العراقية وما رافقها من إيمان عمومي لدى الأجيال العراقية الأصغر عمراً والأقل طائفية وأكثر تطلعاً لعراق خارج الصراعات الطائفية. لكن، ومع كل ذلك، فإن الحيز الأوسع من مؤيدي الصدر ما يزالون يعتقدون بأنه وحده القادر على تأمين منصة أبوية وتنظيمية في مواجهة باقي القوى الشيعية الأكثر استقطاباً، والعراقية الأخرى المباينة لها طائفياً وقومياً، بالرغم من إدراكها الباطن بأن التيار الصدري لا يمت لما تأمله من مستقبل بأية صلة.

بذا، يبدو ذلك الولاء نوعاً من اليقين الإيماني بالهالة، أو بوله الأبناء بآباء غائبين، شقاء بشقاء، لا يُمكن أن يصف حجراً على الآخر في الحياة الموضوعية.

مؤيدو الحريري بدورهم، يعيشون شيئاً كثيراً من ذلك، يعرفون أن مشروع الحريرية الإنمائي أنما صار شيئاً من الماضي، وأن الحريري الابن فقد أي دعم إقليمي ودولي كان يستحوذه الأب، ولا يتمتع زعيمها الحالي بأية طاقة أو كاريزما كان يملكها الأب، وأن شبكة من المصالح المادية والزعمات المحلية داخل تياره، صارت أكثر فاعلية منه نفسه. فوق ذلك، يعرفون أن الحريري لا يملك أية حظوظ للبروز مجدداً في اللعبة الداخلية، بالذات في مناوشة خصوم مثل حزب الله. لكن، وأيضاً مع كل ذلك، لا تملك هذه القواعد أية جرأة للانقلاب عليه وتجاوزه، إلى ما يُمكن أن يكون أكثر رحابة وقابلية للنجاح.

فالحريري بالنسبة لها هو "الماضي الجميل"، والملموس الأخير عما كان حضوراً كثيفاً ومكانة متمايزة لها في المتن اللبناني العام. لذا فإن أفول الحريري بالنسبة لها هو اندثار لذلك الماضي الرمزي، الذي لم يبقَ منه شيء إلا في المخيلة، وانتهى موضوعياً منذ زمن بعيد.

في كِلا الحالتين، لا تملك القواعد الاجتماعية طاقة وفاعلية للذهاب بعيداً عن تلك الزعامات "المهترئة"، لتجاوزها. لأن ذلك يتطلب نوعاً من تجاوز الذات، وهو ما لا طاقة لها به.

لا يستطيع أنصار الحريري أن يذهبوا بعيداً لموالاة القوات اللبنانية وزعيمها سمير جعجع مثلاً، الذي يبدو متحدثاً شجاعاً عما في خُلد هؤلاء الأنصار، وبطاقة أكثر جاذبية وحزماً من الحريري بكثير، لأن ذلك القفز أنما يعني فعلياً تجاوز "ذات الجماعة"، وهو ما لا تجرؤ عليه قط.

مع الصدر لا يستطيع المؤيدون أن يقولوا إن الحل الوحيد هو ثورة تشرين، بشبابها وخطابها وروحها المدنية، وأولاً قدرتها على رسم خريطة مختلفة لأحوال العراق الراهنة. لأن قول ذلك يعني تجاوز عراق مكرس في باطن وعي هؤلاء المؤيدين، عراق ذي صبغة شيعية طائفية، يقف على رأسها أب مُقدس.

الحريري والصدر مثالان واضحان عن نماذج لا تُحصى من مثلهما في ربوع منطقتنا. ترى في كل واحدة منها تشكيلات أهلية تتراكض لاهثة خلف زعامة ما، غاضة النظر بقصد عن كل أحوال تلك الزعامة، مانحة إياها كل أشكال القداسة، بالرغم من وهنها وخلو جعبتها.

في الأمر دلالتين رهيبتين.

تقول الأولى، إنه بالرغم من أجواء الحريات السياسية في بلدين مثل لبنان والعراق، إلا أن الناس مصطفون بأغلبيتهم المُطلقة على شكل معسكرات مغلقة من الوله الجذري بالاصطفاف الزعاماتي، لا الفكري أو السياسي أو الطبقي. وأن قلقها الجذري والأولي والأكثر حضوراً هو خوفها من تفكك معسكراتها تلك، وليس خوفها من تفلش وتحطم أشكال الحياة والعيش من حولها.

القول الثاني يرتبط بخلو الفضاء العام من أية طروحات بديلة، ذات مضامين وقدرة على جذب تلك القواعد وطمأنتها إلى مستقبلها. فصحيح ثمة الكثير من الهبات ومحاولات الانتفاض، لكنها جميعاً، وفي كل البلدان، كانت تفتقد إلى أية طاقة تنظيمية وخطابات جذابة، تفرز من طرف طمأنينة سياسية، تغري الناس بما هو أكثر حداثة ومعنى وقيمة من المعسكرات العصبوية، عبر ملاقاة القلق الرمزي لأبناء هذه الجماعات، التي تشكل هذه الزعمات تعبيراً عن وعيها لذاتها وللمجتمع والدولة، وللحياة نفسها.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.