الصورة لعمل فني صممته أماندا بارر وعرض في معرض إكسبو دبي
الصورة لعمل فني صممته أماندا بارر وعرض في معرض إكسبو دبي

بين متفائل ومتشائم، يبدو العالم العربي، بعد مرور أكثر من قرنين على اشتباكه مع الحداثة الغربية، وكأنه لا يزال يعيش الأزمات والاختناقات والصراعات ذاتها التي عاشها على امتداد هذا التاريخ الحديث. كأن "هذه الحال" تَتَأبَّى على العبور/ على الانتقال، أو كأنَّها "حال حَالَّةٌ" منه حلول الروح في الجسد، بحيث لا يفتأ يَستعيدها/ يُعيد إنتاجها باستمرار، على نحو ذاتي/ تلقائي، في صُورٍ أشكالٍ وأوضاعٍ ويافطات مختلفة؛ مع بقاء المضامين المركزية التي تنتظم كلَّ هذا التنوّع كما هي دون أدنى تغيير.

هذا هو واقع الحال على امتداد القرنين الماضيين اللذين يشكلان "عصر الحداثة العربي!". وهما ليسا حالة انحطاط طارئة، بل حالة امتداد تاريخي/ ثقافي (= نمط وعي) لما قبلهما، لما قبل عشرة قرون، ولما قبل خمسة عشر قرنا وأكثر؛ لما قبل الإسلام وبعده. ما يعني أن التاريخ/ تاريخ الوعي الثقافي العربي لم ينقطع، وبالتالي، فإن المسلكيات الواقعية/ الوقائعية لم تنقطع. فثلاثية: "العقيدة" و"القبيلة" و"الغنيمة" التي نصَّ عليها المرحوم/ الجابري كمحركات أساسية لمسار التاريخي العربي، لا تزال فاعلة، لا تزال كما هي؛ مع قليل من التبدّل والتكيّف والتزيّف، وربما مع كثير التخّفي...إلخ، الذي لا يمس الخطوط العريضة لنمط الوعي، ومن ثم لا يُحْدِث مُتَغيَّرا نَوعيًّا في مجريات الفعل الواقعي.

عام 2003 أصدر الياباني/ نوبوأكي نوتوهارا كتابه المعروف (العرب، وجهة نظر يابانية). عندما أصدر نوتوهارا كتابه هذا، كان قد أمضى أكثر من أربعين سنة في دراسة الأدب العربي، وحوالي ثلاثين سنة من الزيارات الموسمية المتكررة للبلدان العربية، ومن التجوال الواسع في مدنها وأريافها وبواديها. ومع حُبّه الشديد للعرب و للثقافة العربية، ومع حذره الشديد من ارتكاب إثم تجريح مشاعر العرب الحساسة جدا، ومع كل الاعتذارات التي ظل يُقدِّمها بين سطر وآخر، فقد قدّم ـ في المجمل ـ صورًا مأساوية للواقع العربي !

يُقدّم نوتوهارا الواقعَ العربي الذي رصده في كتابه (واقع يقع ما بين 1969 ـ 2003) على اعتبار أنه واقع يعكس مجمل التصورات الثقافية/ الأخلاقية الكامنة في الوعي العربي. هو لا يقول ذلك صراحة، ولكنه يقوله من خلال كل ملمح واقعي يرصده ويُعلّق عليه. يبدأ كتابه عن العالم العربي بـ: "التوتر يغطي الشارع، توتر شديد تتوقع أن ينقطع في أي لحظة. هذا التوتر يجعل الناس يتبادلون نظرات عدوانية".. "وجوه جامدة فارغة إلا من التوتر والعجز"..."الناس في شوارع المدن العربية ليسوا سعداء ليسوا مرتاحين. سمعت صرخة في الجو الخانق الصامت وما زالت في أذني. الناس صامتون لا يتحدثون، ولكننا نسمع من خلال ذلك الصمت الخانق، صرخة تخبر عن نفسها بوضوح وقوة. وها أنذا [هكذا] أتلمس جذور تلك الصرخة وأسبابها وأقدم بعض النقاط التي تسم الشخصية العربية المعاصرة" (ص6/7).

وإذ يحكي نوتوهارا ـ كمراقب خارجي/ من خارج الثقافة، ولكن من الداخل أيضا ـ عن غياب العدالة الاجتماعية كملمح بارز، وكانعكاس مباشر لضعف سيادة القوانين، فإنه يحكي عن الفقر المدقع، وعن غياب الحرية بالعموم، والحرية الفردية على نحو خاص، وعن التنميط الاجتماعي، وعن الموقف التحيّزي الارتيابي من الآخر، وعن عدم الشعور بالمسؤولية، وعن العنصرية: عنصرية العرب ضد بعضهم ضد بعضهم الآخر، وعن الموقف التخلّفي من المرأة، وعن عقدة الشرف، وعن ازدواج الشخصية... إلخ ما يراه معوقا للتحوّل المأمول نحو كل ما هو إيجابي.

مُؤكّد أن كل واحدة من هذه الظواهر التي رصدها عن قرب، هي مشكلة كبرى بحد ذاتها، ومؤكد أيضا ـ في تصوري على الأقل ـ أن غياب الحرية الفردية وازدواج الشخصية وجهان لعملة واحدة، وأنهما التمظهر الأكثر دلالة على أزمة البُنية الأخلاقية العربية، التي هي الأزمة الأساس التي تقبع خلف كل هذه الظواهر. ما يعني أن أي تغيّر حقيقي في هذه البنية الأخلاقية (وهو تغيّر يستحيل تصوره دون اشتغال على إجراء تحوّلات في بُنية الوعي)؛ سيقود ـ بالضرورة ـ إلى تغيّر في سائر الظواهر، بما هو تغيّر في المسار ذاته، نحو أفق تقدمية؛ من حيث هو أكثر إنسانية في نهاية المطاف؛ كما في بداية المطاف أيضا.

لقد أنجز كثيرٌ من الدارسين/ الباحثين العرب قراءات نقدية مُتَعدِّدة ومتنوعة للتراث الذي أسهم جذريا في تخليق هذه البنية الأخلاقية، وللواقع الذي تتجلى من خلاله هذه البنية على نحو عملي. خلال أكثر من خمسين عاما مضت على بداية رصد نوتوهارا للواقع العربي/ للوعي العربي، أقصد: رصده للوعي من خلال واقع فترة محددة (34عاما+ 19 بعد صدور الكتاب)، صدرت المشاريع الفكرية العربية وعُقِدت المؤتمرات الثقافية والندوات وحلقات الحوار...إلخ، ولكن، هل تغيّر شيء جوهري في نظام الوعي العربي، بحيث يُمكِن أن يُراهَن عليه في إجراء متغيرات حقيقية أو ـ من جهة أخرى ـ هل ثمة متغيرات حقيقية تدّل على حدوث متغيّر جوهري في نظام الوعي؟

وبسؤال مجمل: هل خرج الوعي العربي ـ ولو بالحدود الدنيا التي يمكن أن تُحْدِث أثرا فارقا ـ من كونه وعيا ماضويا/ سلفيا، إلى أفق حداثي قادر على التواصل مع أرقى تجليات العقل الإنساني الراهن؟ أنا هنا لا أتحدث عن المتغير الاستهلاكي، لا أتحدث عن شراء أحدث أجهزة الحاسوب والهواتف الذكية، ولا عن رطانة الشوارع العربية باللغات الأجنبية، بل ولا عن ناطحات السحاب بواجهاتها الزجاجية... إلخ، بل أتحدث عن متغيرات الوعي الحاسمة في تحديد أنماط السلوك البشري، السلوك البشري؛ لا من حيث هو سلوك فردي مستقل، بل من حيث هو سلوك إنساني تواصلي متجذر في منظومة شاملة من العلاقات الفاعلة والمنتجة، بالدرجة الأولى.

المتفائلون يُرَاهنون على قدرة التحولات المادية المباشرة على إحداث تحولات في أنماط الوعي السائد الذي يشهدون بحقيقة تخلّفه. بينما المتشائمون يؤكدون على حقيقة أن البنية العميقة للوعي قادرة على تكييف هذه التحولات المادية لصالح منطقها، بل توظيفها في الاتجاه المعاكس، أي توظيفها كمظهر تحوّل اكتفائي لحماية الثابت الثقافي من أن تطاله يد التحوّل الأهم. ويقصدون أنه يجري الإيهام ـ عن عمد وعن توهّم، بوعي وبلا وعي ـ بوجود نموذج عربي فريد/ خاص، يجمع بين "الأصالة" و"المعاصرة": تغيير جسد العالم العربي؛ مع بقائه بروح قروسطية تستمد طاقتها من مُحَنَّطَات التاريخ.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.