A full moon rises over a a mosque as a total lunar eclipse was taking place in Jakarta, Indonesia, Wednesday, May 26, 2021. The…
قبل قرون عدة دخل الإسلام "نوسَنْتَرا" وهو الاسم القديم لإندونيسيا.

شهدت العقود الماضية حالات عدة انتقلت فيها عواصم الدول من حواضرها الكبرى والوازنة اقتصادياً إلى مواقع جديدة، غالباً بصيغة مدن عصرية متطورة تخطيطياً ومعمارياً تشكل واجهة حضارية للدولة المعنية، بالإضافة إلى فوائدها الأساسية سكانياً وسياسياً وإدارياً. قزقستان أتمّت الانتقال أخيراً، وكذلك فعلت ميانمار، فيما مصر في خضّم العملية مع استعداد لإظهار العاصمة الإدارية الجديدة على أنها في آن واحد تعبير عن القدرة الوطنية واعتبار بعيد المدى لحاجات البلاد. على أنه قد يكون في المسعى الجاري لإقامة العاصمة الجديدة لإندونيسيا الأثر الأعمق لتصحيح واقع الضمور غير المتناسب مع المعطيات الموضوعية، والذي تعيشه إندونيسيا اليوم.

من حيث عدد السكان، إندونيسيا هي الدولة الرابعة عالمياً، لا تتقدم عليها إلا الصين والهند والولايات المتحدة. وهي الأولى في تعداد السكان بين الدول الإسلامية.

ورغم أن إندونيسيا قد شهدت في المرحلة الأخيرة بعض الحوادث الإرهابية المرتبطة بالجماعات الجهادية، كما انضم عدد من شبابها إلى هذه الجماعات الناشطة دولياً، غير أن الواقع الإسلامي في إندونيسيا متميّز عمّا يقابله في العديد من الدول الإسلامية. ولم يفت هذا التميّز عن المعنيين في الغرب بـ "إصلاح" المجتمعات الإسلامية. ولكن قراءتهم للتميّز، وما استخلصوه من "دروس" إندونيسية للمستقبل الإسلامي، جاءت قاصرة، بل ربما محفّزة للنتائج العكسية، في إندونيسيا وفي عموم العالم الإسلامي.

إذا كان لا بد من اختزال السمة الرئيسية للواقع الإسلامي في إندونيسيا، فربما أن الصفة المرتبطة به هي الاطمئنان. إندونيسيا، على الخلاف من معظم الدول في صلب العالم الإسلامي - من ما وراء النهر شرقاً إلى البحر المحيط غرباً، مروراً بالهند وإيران والمشرق ومصر والمغرب - لم تشهد فتوحات إسلامية من خارجها، بل كان تلقيها للإسلام ديناً للخاصة والعوام نتيجة الإشعاع الحضاري الإسلامي، من اليمن خاصة، يوم لم يكن اليمن ساحة صراع بين القوى العظمى والمتعاظمة.

قبل قرون عدة، دخل الإسلام "نوسَنْتَرا"، وهو الاسم القديم لإندونيسيا وجوارها، ومعناه "الجزر وما بينها"، وهو أيضاً الاسم الذي اختارته إندونيسيا لعاصمتها الجديدة. تآلف الإسلام مع أهل البلاد وقيمها، وتوطد في مدنها وأريافها ونواحيها بفعل إرادة ذاتية، غير متنافية مع وجود جماعات بقيت على أديانها القائمة أو حتى اختارت ديانات أخرى وافدة. واستمرت حالة التجاور والتواطن مع الاستعمار الهولندي للجزء الأكبر من نوسنترا، أي ما أصبح إندونيسيا بعد الاستقلال في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ثم حافظت عليها إندونيسيا المستقلة، سواء في إطار ميثاق وطني صريح في مراحلها السلطوية، أو في سياق واقع اجتماعي تعددي بذاته بعد انتقالها قبل عقود إلى النظام التمثيلي القائم على سيادة المواطن.

الإسلام في نوسنترا توسّع تاريخياً من خلال صيغتي اعتماد، يمكن وصف الأولى منهما بالسلوكية والثانية بالنصية، دون تفرّد أية منهما بالمجتمعات والطبقات المتداخلة.

صيغة الاعتماد الأولى تقوم على التماهي الجدلي بين الشعائر والعبادات الإسلامية من جهة، والفطرة والعادات والأعراف في أشكالها المحلية من جهة أخرى، ما جعل الدخول في الإسلام تلقائي وطوعي وواسع النطاق، وإن بأشكال ومظاهر متفاوتة بين الناحية والأخرى.

أما صيغة الاعتماد الثانية فانطلقت من تدبير النصوص الدينية، تفسيراً وفقهاً، لتمنح الإمارات الناشئة على مدى نوسنترا، مادة تنظيمية وقضائية شكلّت الأساس الذي بنت عليه السلطة الاستعمارية الهولندية، حين جاءت، البنية الإدارية الاتحادية. ولا بد هنا من تقدير التفاعل المنتج بين الخلفية الأصولية الإسلامية والنظم الهولندية الغربية، دون زعم انتفاء التجاذبات. والدليل أنه أتاح أن تقوم إندونيسيا، بما هي عليه من كونها مجموعة واسعة متباينة من الجزر على مدى اتساع قارة، وأن تستمر بوحدتها رغم التباين الواسع في نسيجها الديني واللغوي والعرقي. ولم يخرج عنها منذ استقلالها إلا الجزء الشرقي الصغير من جزيرة تيمور، والذي كان مستعمرة برتغالية، ضمّتها إندونيسيا قسراً بعد الاستقلال.

الاطمئنان في الوجدان الإسلامي في إندونيسيا يظهر جلياً بالإقرار المتبادل لأتباع الصيغتين السلوكية والنصية بالصحة في دين كل منهما، دون أن يخلو الأمر من التفضيل طبعاً. الصيغتان ليستا طائفتين، بل تحديداً منهجان متقابلان للولوج إلى الإسلام الواحد، وفق التعبير السائد محلياً. أهل الصيغة الأولى هم الـ "أبانغان"، ويرمز إليهم باللون الأحمر، وأهل الصيغة الثانية هم الـ "سنتري" ورمزهم اللون الأبيض، فالعلم الأندونيسي، بلونيه الأحمر والأبيض يرمز إلى تجاورهما وتكاملهما. وهذا التنوع في صيغة التلقي يظهر أيضاً في احتضان إندونيسيا كبرى الجمعيات الدينية الإسلامية في العالم، "المحمدية" والتي يبلغ عدد المنتسبين إليها ثلاثين مليون، وهي منسجمة مع صيغة التلقي النصية، و"نهضة العلماء" والتي تقترب بأعداد أعضائها وفق تعدادها الذاتي من نظيرتها، في حين أنها تعتمد صيغة التلقي السلوكي.

في عقود ماضية، كان ثمة رغبة في الغرب لمن يرى في "الإسلام" خطراً دينياً أو حضارياً أن يزعم أن إندونيسيا، بفعل غلبة الأبانغان عددياً، لا يجوز أن تصنّف كدولة ذات صفة أو أغلبية إسلامية، بل كدولة جرت "أسلمتها سطحياً".

واقع الأمر أنه ما غاب عن محاولة التصنيف هذه هي أن الإسلام في إندونيسيا لا يختلف عنه في أي مجتمع ذي طابع إسلامي آخر، إلا من ناحية الإقرار الواضح بالواقع، إذ كافة المجتمعات التي للإسلام فيها حضور بارز أو غالب تجمع من يعيش دينه سلوكياً، بأقدار متفاوتة من الممارسة، ومن هو على التزام نصي به، بالإضافة إلى من يقتصر على الصفة الإسمية، ومن يخرج عنها سرّاً أو جهاراً. وليس هذا التنوع في الدين المُعاش حكراً على الإسلام طبعاً.

على أن الملفت هو أن بعض الأوساط، في الغرب وغيره، بعد استفاضة في إخراج الأبانغان ومعه كامل إندونيسيا من الإسلام، عادت أخيراً إلى صيغة الأبانغان السلوكية لاستيعابها وطرحها كـ"إسلام معتدل" يتوجب تعميمه لا داخل إندونيسيا وحسب، بل على مدى العالم الإسلامي.

من هذه الأوساط والتي تبدو بعيدة عن الحساسية المطلوبة إزاء الواقع الإندونيسي، كما الإسلامي خارج إندونيسيا، ثمة اندفاع ملحوظ نحو الجمعيات والمؤسسات الإندونيسية الأقرب إلى الصيغة السلوكية، ودعوات لشيوخ هذه الجمعيات للمشاركة في تجمعات عالمية، وتحفيز على الشروع بـ"إصلاح" الدين وعلى التصدي للتطرّف والإقصاء وما شابه. بل يلاحظ كثرة المتطوعين من خارج إندونيسيا لدعم هذه الجمعيات وتنشيطها.

يجوز بالتأكيد افتراض إرادة الخير لدى هؤلاء. ولكن إرادتهم هذه مقرونة بالتسطيح المنهك، ما يجعل سعيهم عبثاً، بل ينتج عنه الضرر جهاراً.

لقد طوّرت إندونيسيا منذ استقلالها هيكلية فكرية إضافية، تنضم إلى الصيغ السلوكية والنصية الإسلامية، وتجمع الإسلام وغيره من الأديان، وتفسح بعض المجال أمام القناعات العقائدية خارج الأطر الدينية، تحت عباءة وطنية علمانية تستفيد من الاستقرار والاطمئنان الغالبين على المجتمع الإندونيسي.

أن يكون بعض الإندونسيين المسلمين عرضة للتعبئة نتيجة الانتشار العالمي للتوجهات السلفية والجهادية أمر حاصل، غير أنه من شأن المجتمع الإندونيسي، بما يجمعه من أدوات ووسائل وصيغ، التصدي للمسألة ومعالجتها. وهذا التصدي ليس حكراً على السلوكية دون النصية، كما يتوهم بعض اختزالياً، بل هو قائم على إتاحة المجال لأهل الديار كافة احتواء أبنائهم بما هم به أدرى. وفي حين أن جميع المجتمعات في كل صوب من شأنها أن تستفيد من تجارب غيرها، فإن محاولة إعادة كتابة موضوع الصيغة السلوكية الخاصة بإندونيسيا على أنها "الإسلام للإنسانية"، وهي المحاولة الناشطة بحماس، بالنيّة أكثر من الفعل، في خارج إندونيسيا بمسميات إندونيسية، فيها من التجاوز للتفاصيل المحلية في إندونيسيا نفسها وجهل معيب بأحوال غيرها من المجتمعات التي يراد الترويج للصيغة المعدّلة فيها، ما يفرّغها من جدواها خارجياً ويجعل منها سبباً للتنافر محلياً.

في إندونيسيا نفسها، ظهر أكثر من امتعاض ممّا بدا وكأنه مسعى تميّزي انفصالي يصل إلى حد إقامة "دين جديد"، يخرج عن التكامل التاريخي بين الصيغتين السلوكية والنصية. وقد سارع القائمون الإندونيسيون المرتبطون بدعوة "الإسلام للإنسانية" إلى التأكيد على أن مسعاهم ينضوي حصراً في مرجعية الإسلام كما عاشه الرسول. أي أن النتيجة الفعلية لهذا التحريك الخارجي نحو تعميم النموذج الإندونيسي كان دفع الصيغة السلوكية باتجاه معيارية قابلة لأن توظف لاحقاً لتشذيب الجوانب المحلية والعرفية منها. الحصالة بالتالي هي تنشيط الخطاب الديني على حساب الغطاء الوطني، ثم ضمن الخطاب الديني الدفع باتجاه المعيارية الأقرب إلى النصية على المدى البعيد. لا هنيئاً بهذه النتيجة العكسية لمن أراد توظيف الصيغة السلوكية المحلية في حربه الدونكيخوتية العالمية.

النتيجة المتوهمة لدى من يطرح "الإسلام للإنسانية" بواجهة إندونيسية هي طرح "إسلام معتدل" قابل للترويج عالمياً بمواجهة التطرف والإرهاب. المدهش أن من ابتكر هذا الحل الفذّ يجهل أن الأفكار التي جرى ما يشبه تبويبها وتعليبها في هذا الطرح المتصنّع ليست غريبة عن المجتمعات التي يراد لها أن تتلقاها، بل في هذه المجتمعات من ينادي بدقائقها وما يتجاوزها للتوّ، وفي هذه المجتمعات من يستهجنها ويرفضها. ليس جلياً ما الجدوى من العبث بالميزان الداخلي الإندونيسي حيث لا فائدة واقعية من تكرار المكرّر خارج إندونيسيا.

طرح "الإسلام للإنسانية" يحتوي على مقدار من الأبوية الهشة المفتعلة، غير المتوافقة مع المواقف المعهودة لعلماء الدين الإندونيسيين، تقف خلفها، جزئياً على الأقل، أبوية غربية قاسية ولكن ساذجة، ترى في الإندونيسيين كما في سائر المسلمين مادة مفعول بها، قابلة للتوجيه بالشعارات الجميلة والطروحات الاستقطابية. لا يخفى أن العديد من المفكرين "التنويريين" في المحيطين العربي والإسلامي يلتقون مع هذه الرؤية، بل هم مستاؤون من تخلف هذا الكم البشري، أي جمهور المسلمين، حتى عن القدرة للاستجابة التلقائية المتوقعة منه أمام طروحات "إصلاح" شأنه وفق آرائهم.

حتى في أوساط "الإسلام للإنسانية" في إندونيسيا، كانت الخشية في أعقاب مؤتمر أربيل الصيف الماضي في العراق، وهو المؤتمر الداعي إلى التطبيع مع إسرائيل، مع ما صاحب الدعوة من الالتباس، أن يشكل أداء الشركاء في هذا المؤتمر نموذجاً يطبّق على إندونيسيا. "نهضة العلماء"، كبرى الجمعيات المنسجمة مع الصيغة السلوكية، خشية التوريط، دعت فروعها في أيلول الماضي إلى الامتناع عن التعامل مع عدد من المنظمات الخارجية غير الحكومية والحرص على التأكد من هوية المنتسبين إليها، بعد أن ظهر احتمال دفع هذه الجمعية إلى موقف غير منسجم مع طبيعتها وجمهورها.

واقع الأمر أنه للتجربة الإندونيسية أهمية حقيقية بالنسبة لمجتمعات المحيط العربي وما يتعداه. ولكن بالتأكيد ليس كما يراه المروجون الغربيون لـ "الإسلام للإنسانية". أهمية هذه التجربة هي تحديداً في الاطمئنان القائم ضمن المجتمع الإندونيسي، والذي يسمح بالتجاور والتكامل والتواطن بين الأديان وصيغ تلقيها. هذا الاطمئنان هو الذي يسمح للمتدين الإندونيسي بأن يمارس كافة شعائر دينه دون خشية اعتراض اجتماعي أو رسمي، ويتيح المجال لغير المتدين ألا يشعر بالإكراه في أفكاره وسلوكه. ليست على قدر الكمال حتماً، ولكنها قائمة عملياً. وهي أهمية لا يرتقي أثرها إلى مقدارها الفعلي اليوم.

ولكن من شأن هذا الواقع أن يتبدل، مع العاصمة الجديدة، والتي تنتقل من جزيرة جاوة المكتظة إلى كبرى جزر آسيا، بورنيو التي تتشارك فيها إندونيسيا مع ماليزيا وبروناي، ما قد يطلق عنان إندونيسيا من خلال الإنماء المتوازن والمزيد من التواصل مع مجموعة دول جنوبي شرقي آسيا، اقتصادياً وسياسياً وسكانياً.

إندونيسيا، البعيدة عن المحيط العربي، مؤهلة أن تصبح أقرب إليه يوم تتحقق لها أهميتها الموضوعية كدولة عظمى على مستوى منطقتها، ويوم ترتقي مجموعة دول هذه المنطقة، في جوار الصين، إلى ما يشبه الاتحاد الأوروبي.

عسى أن يصاحب ذلك بعض "عدوى" الاطمئنان الذي أهّل إندونيسيا أن تكون بهذه الأهمية، وألا تصاب إندونيسيا قبلها بالأمراض المؤلمة التي قد تنتقل إليها من الشرق والغرب.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.