الجزائر- ظاهرة الانتحار
أوضاع الشباب العربي السيئة تزيد من حالات الانتحار

لم يعد هناك  شك بأن حالات الانتحار في أغلب الدول العربية تشهد ارتفاعا غير مسبوق، ويقول علماء الاجتماع إنه عند حدوث عمليات انتحار أكثر من المعتاد في بيئة اجتماعية معينة وضمن زمن محدد فلا يجب النظر إليها كحوادث فردية بل كمؤشر على وجود خلل ما، فحسب منظمة الصحة العالمية حلت مصر عام 2019 في المركز الأول عربيا بعدد حوادث انتحار تجاوزت 3000 حالة، لكن مؤسسات الحكومة المصرية اعتبرت هذا الرقم مبالغا فيه يقدم صورة سلبية عن البلد، بينما في المقابل يتم اتهام الحكومة المصرية بعدم التعامل بشفافية مع هذه الظاهرة وأنها تتجنب إصدار إحصائيات واضحة عنها، بل تعتبر هذه المنظمات أن الأعداد الحقيقية لحالات الانتحار تتجاوز حتى أرقام المنظمات الدولية لأن الكثير من العائلات تعمد إلى تسجيل حالات الانتحار كوفيّات طبيعية لأن الانتحار يعتبر أمرا مشينا في نظر المجتمع.  

أما في العراق فقد قالت وزارتا الصحة والداخلية إن أعداد حوادث الانتحار في ازدياد وأنها بلغت العام الماضي 772 حالة وأن حوادث انتحار الذكور ارتفعت بنسبة 57 في المئة مقارنة مع العام الذي سبقه فقط، وأكدت كذلك الأرقام المعلن عنها أقل من الحقيقية التي يتم إخفاؤها لأسباب اجتماعية، ويعزو بعض الخبراء العراقيين ازدياد حالات الانتحار إلى نسبة النزوح العالية في العراق لأن الإحصائيات العالمية تقول إن نسبة الانتحار ترتفع أربعة أضعاف في أماكن ومخيمات النزوح مقارنة مع المجتمعات المستقرة، ولذلك شكلت وزارة الداخلية العراقية لجانا متخصصة لمتابعة مشكلة الانتحار  والعمل على إيجاد حلول لها. 

ولا يختلف الوضع كثيرا في الجزائر التي احتلت المركز الرابع عربيا بحوادث انتحار بلغت 1299 حالة، والأعداد طوال الأعوام الماضية في ارتفاع متواصل، ورغم أن النصيب الأكبر كان من الذكور، لكن أعداد الإناث شكلت خلال السنوات الأخيرة نسبة معتبرة، ولفت الباحث في علم الإجتماع راتبي محمد أمين إلى أن أخبار حالات الانتحار قد تراجعت عام 2019 في بدايات الحراك الشعبي المعارض قبل أن تعود للارتفاع خلال الأشهر الأخيرة بعد توقف هذا الحراك مما يشير لعودة الإحباط للشارع الجزائري. 

وما يقال عن مصر والعراق والجزائر ينطبق بدرجات مختلفة على أغلب الدول العربية، وتقول الدراسات إن هناك أسبابا سياسية لانتشار هذه الظاهرة مثل تهميش الشباب وعدم مشاركتهم في إدارة أمور بلادهم، كما تلعب الضغوط الأمنية والإهانات التي يتلقونها على يد أجهزة الأمن دورا في انتحار بعضهم، وكذلك تلعب المجتمعات المغلقة وحياتها الجافة الخالية من الحب والفنون وجميع متع الحياة دورا آخر في ارتفاع حالات الانتحار، بالإضافة إلى انخفاض مستوى المعيشة وانتشار الفقر إلى درجة الجوع والعجز عن تأمين أساسيات الحياة للأسرة. 

وهذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لن تتغيّر على المدى المنظور، فهل ستقف الدول مكتوفة الأيدي أمام انتشار الانتحار، بالطبع لا وفي الحقيقة هناك الكثير الذي يمكن فعله لمواجهة هذه الظاهرة، لأن هناك بالإضافة للأسباب العامة سالفة الذكر أسبابا خاصة ترتبط فيها نسبة غير قليلة من حالات الانتحار، فعند الأطفال وصغار المراهقين يلعب التنمّر دورا رئيسيا في حوادث الانتحار، ولذلك على المدرّسين وأفراد العائلة والزملاء في العمل متابعة حالات التنمّر والعمل على التصدي لها ومنعها بدل الانتظار حتى تتعقد الأمور أكثر ومن الأفضل معاقبة المتنمّرين الذين لا يقيمون وزنا لمشاعر وأحاسيس الآخرين. 

وفي نفس السياق من الممكن إيجاد آلية حقيقية وفعالة للتعامل مع العنف الأسري لمنع الظلم الذي قد يصل إلى درجة تجعله غير قابل للتحمّل، ومن ناحية أخرى قد يكون لضغوط الأهل على أبنائهم لتحصيل أعلى الدرجات دور في الدفع باتجاه الانتحار، لأنهم يتركون انطباعا عند أولادهم بأن مستقبلهم بالكامل يتوقف على ما سينالونه في هذا الامتحان، وهذا ضغط قد لا يحتمله بعض الشباب، وكذلك في أحيان أخرى يشعر المراهق أو المراهقة بأنه يعيش حب حياته، وفي هذا السن الحساس والمرهف المشاعر من الأفضل للأهل التعامل بحكمة وهدوء مع هذه الحالات وإيجاد طريقة للتفاهم مع المراهق لتمرّ هذه الفترة بأقل ما يمكن من الأضرار. 

كما يجب إعطاء اهتمام وتفهّم خاص لمن لهم ميول جنسية مختلفة لأنهم يعانون من عدم تقبل المجتمع لميولهم تلك، والذي يترافق في كثير من الأحيان مع تصرفات عدائية قد تدفع نحو الانتحار، كذلك يجب الانتباه لهجمات الاكتئاب التي يتعرض لها أي فرد في العائلة أو المدرسة أو أماكن العمل والتعامل معها بمنتهى الجديّة بمساعدة أخصائيين أو عبر العمل على تحسين الحالة النفسية للشخص مع إعطاء انتباه خاص لمن يعاني من فقدان الأصدقاء أو الأهل أو لمن هو في خلاف دائم معهم، وكذلك يجب مراقبة الأشخاص العصابيّين السريعي الانفعال والغضب ومحاولة التعامل معهم بحكمة لمنعهم من إيذاء أنفسهم، وما يقال عن هؤلاء يمكن أن ينطبق على الأشخاص العاديين الذين يمرّون في أزمة كبيرة حيث يجب على محيطهم الالتفاف حولهم ودعمهم ليتجاوزوا محنتهم. 

ولعل أهم ما يمكن عمله للتقليل من حالات الانتحار هو إيجاد آلية للإنذار المبكر، تنطلق عندما يذكر أي شخص على سبيل الجد أو المزاح كلمة الانتحار أو اليأس من الحياة، أو عندما يلمّح بأي إشارة إلى مثل ذلك، أو إذا سعى للحصول على مادة قابلة للاستعمال في الانتحار أو عند قيام أحد الأشخاص بممارسات متهورة وخطيرة.على الحياة، ويجب أن يشترك في آلية الإنذار هذه أفراد الأسرة والطاقم التدريسي وزملاء العمل حيث لا يجب أن تمرّ هذه المفردات أو التلميحات مرور الكرام خصوصا لمن قام سابقا بمحاولة انتحار أو لمن لديه قصة عائلية من السلوك الانتحاري، وعند صدور أحد هذه الإشارات على الجميع محاولة فهم ما يعانيه الشخص من مشاكل أو ضغوط والعمل معه على التخفيف منها أو معالجتها وربما من الأفضل الاستعانة بخبراء في التعامل مع مثل هذه الحالات، وكذلك يجب العمل على عدم توافر مواد خطرة يمكن استعمالها في الانتحار في متناول العموم. 

وعند الحديث عن تنامي ظاهرة الإنتحار لابد من الحديث عن ما لعبته مواقع التواصل الاجتماعي من دور مؤكّد في ذلك، نتيجة ما توفّره من إغراء شعبوي عند المراهقين وأصحاب العقول غير الناضجة الذين يتصوّرون أن أعدادا كبيرة تتابع أفعالهم وأنهم بسلوكهم الاستعراضي سيصدمون الآلاف، مع ما يتبادر إلى ذهن هؤلاء الأشخاص بأن ما يقومون به هو فعل بطولة مجيد، كما فتحت مواقع التواصل الاجتماعي بابا آخر عبر اتفاقيات الانتحار بين أكثر من شخص للقيام بفعلتهم في نفس الوقت. 

والأكثر أهمية أن هذه المواقع كانت مجالا للتنمّر الإلكتروني من خلال مضايقة أحد الأشخاص أو إهانته أو إحراجه واستغلال صوره ومعلوماته الشخصية لابتزازه عبر نشرها، والتي تكتسب أبعادا خطيرة عند الفتيات والنساء في المجتمعات المحافظة، وأغلب هذه الممارسات تمرّ حتى الآن دون عواقب أو محاسبة تتناسب مع حجم الضرر الذي تلحقه بالضحية المستهدفة، ولعل من أهم مضار شبكة الإنترنت ومواقع التواصل أنها تحتوي معلومات وشرح عن وسائل متاحة للانتحار مع طرق الحصول عليها أو تحضيرها، ولذلك لابديل عن تعاون مواقع التواصل الاجتماعي نفسها في مكافحة الانتحار لتتحول من منصّات تشجع على هذه الممارسات إلى مصدر للتحذير المبكر عند وجود خطر انتحار. 

والخلاصة أن حوادث الانتحار تزداد يوميا وعلى كافة فعاليات المجتمع العمل في جميع المجالات المتاحة للتصدي لها، وهناك دور للحكومات لا يقل أهمية، ومنها توفير خط ساخن يرتبط مع أخصائيين للتعامل مع هذه الحالات، ومهما كانت كلفة هذه الإجراءات فهي لا تعادل حياة شخص واحد.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.