A picture taken on November 8, 2019, shows Iraq's and Lebanon's flags displayed for sale at a street vendor's stall in the…
تشعر أن عليك أن تتوجه إلى ساحة التحرير وأن تروي للعراقيين ما جرى في بيروت

الشبه بين النظامين الطائفيين اللبناني والعراقي أملى مستويات أخرى من التشابه، أبرزها الفساد، وهذا المستوى فرض تعاوناً بين نخب الفاسدين في البلدين يمكن معاينته بأم العين. في فنادق بغداد يلتقي رجال أعمال الدوائر القريبة من أهل السلطة في البلدين. يدخنون الـ"سيغار" ويتفاوضون على عقد الصفقات، وينفثون الدخان من أفواه تخال، أنت الجالس إلى جوارهم، أنها لشدة تشابهها، إنما رسمت لدى نفس أطباء التجميل. فأنت القادم من بيروت تعرفهم واحداً واحداً، إنهم أنفسهم من تلتقي بهم في مقاهي الـ"داون تاون"، أقرباء رجال الطبقة السياسية، وواجهاتهم التجارية، والوسطاء الذين يتولون إدارة ثرواتهم. وحين يشير زملاؤنا في بغداد إلى جلسائهم العراقيين، يشرحون لنا أنهم أقران مواطنينا، ممن يديرون ثروات السياسيين العراقيين، ويملكون الشركات والفنادق التي نشأت بموازاة صعود الطبقة السياسية لدولة "ما بعد السقوط". 

لكن زائر بغداد سيرصد تصاعداً مستجداً في عقد الشراكات بين نخب المال والأعمال اللبنانية والعراقية، ذاك أن نضوب مصادر النهب في بيروت أملى على ما يبدو انتقالاً لـ"الكفاءات" اللبنانية إلى العراق، لا سيما وأن أبواب الدول الأخرى مقفلة، والعراق الذي يمت بقرابة مذهبية لجماعات "الاستثمار" تعوزه خبرات أهل البلد ممن راكموا تجارب هائلة في الفساد المعولم والعابر للحدود. فاللبنانيون يملكون خبرات واسعة في الاستثمار في الخط الفاصل بين السلاح الشرعي والسلاح غير الشرعي، وما أحوج العراق إلى هذا الفعل. ولعل فضيحة الشهادات الجامعية المزورة التي منحتها جامعات لبنانية إلى آلاف العراقيين، تأخذنا إلى مجالات أخرى من تبادل الخدمات. جامعة للمجلس الشيعي في بيروت وأخرى تمت بقرابة لجماعة إسلامية سنية، تولتا تسميم العراق بأكثر من 20 ألف شهادة جامعية منحت لغير مستحقيها من الموظفين والضباط والطلاب العراقيين.

أن تلتقي برجل أعمال لبناني في بغداد يشكو من الفساد في العراق، فهذا يردك إلى شكوى أقرانه في لبنان. ذاك أن الشكوى هي طريقه لإحالة ضيقه بعمله إلى النظام الذي فرض عليه العمل وفق أنماطه. "إذا أردت أن تعمل، فعليك أن تكون جزءاً من هذه المنظومة"، هكذا يجيبك حين تواجهه بما تعرف عن أعماله! هذا الجواب لطالما تردد على مسامعك في بيروت، والنتيجة واضحة. إفلاس البلد، وسرقة واضحة فاقت قيمتها المئة مليار دولار، والسياسيون هربوا ثرواتهم إلى الخارج فيما المودعون اللبنانيون عالقون في مصارف بلا أخلاق ويحميها حاكم للمصرف المركزي أقرب لمراب منه إلى مصرفي، فيما السلاح غير الشرعي يمنع المحاسبة ويهدد القضاء.

"إنه لبنان أيها العراقيون"، يخيل إليك أن تقف في ساحة التحرير في بغداد وأن تصرخ بوجه أهلها أن يتعلموا الدرس. لكنك ستتذكر أن الطوائف وأحزابها كانت أقوى منك هناك، وهي على ما يبدو أقوى منهم هنا. فالدولة مبذولة لهم، وثروات البلد مباحة للميليشيات، وهذه الأخيرة استقدمت الخبرات اللبنانية لتذهب بالعراق إلى حيث ذهبت بلبنان.

الفساد هو أحد أسرار أنظمة هلال الممانعة. يشعر أهل هذه الأنظمة أن الثروات لهم. الله منحهم إياها مثلما منح أمراء الخليج النفط وناطحات السحاب. فلماذا لا يحق لـ"عصائب أهل الحق" ناطحات سحاب وفنادق ومولات على نحو ما يحق لحكام الإمارات الخليجية. لبنان بلد مفلس، ولنا فيه أقرباء في المذهب والسلاح، يملكون خبرات في إدارة الثروات المستجدة. لا بأس في استقدامهم.

 لكن الأهم في هذه المعادلة أن ثمة نظاماً سياسياً واحداً يرعى معادلة نهب الثروات، ويوظفها في معادلة استمراره. فلكي تضمن الفصائل الولائية استمرارها في ضوء الحصار المفروض على إيران، عليها أن تكون شريكة في الثروة الوطنية في العراق، ولكي يراكم السياسيون العراقيون الثروات فوق الثروات لا بأس بأن يستعينوا بالخبرات اللبنانية. أسعار النفط في صعود هذه الأيام، والفرص كبيرة، ولدى المصارف اللبنانية فروع في بغداد مثلما لدى المذاهب فروع في البلدين، وكذلك السلاح والأحزاب. إنها البنية التحتية المشتركة للفساد.

إنقاذ العراق ما زال ممكناً، في وقت لا يبدو أن ثمة فرصة لإنقاذ لبنان. نتائج الانتخابات كشفت عن حقيقة أن ثمة من يقاوم هنا، وآثار احتجاجات تشرين يمكن رصدها في بغداد وهي تواصل اشتغالها على رغم الدماء التي أراقتها الفصائل الولائية في حينها. المسافة بين حقيقة أن العراق بلد غني وبين الواقع المأساوي لأهله كبيرة وواضحة. النظام اختار الوجهة اللبنانية، لكن الدرس واضح ولا يحتمل التأويل. الخيار اللبناني في العراق سيفضي إلى ما انتهت إليه بيروت. مدينة مُطفأة باستثناء قصور رجال السلطة المضاءة بأموال الناس التي نهبتها المصارف.

في بغداد تشعر أن عليك أن تتوجه إلى ساحة التحرير وأن تروي للعراقيين ما جرى في بيروت. فإلى ساحة التحرير أيها العراقيون.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.