أصبحت هناك معايير جديدة للحياة في هذا العالم
أصبحت هناك معايير جديدة للحياة في هذا العالم

الناس في المجتمعات العربية يستخدمون منتجات الحداثة بكثافة، ومع ذلك فإن قيم الحداثة نفسها ضعيفة إلى غير موجودة في هذه المجتمعات.

واستخدام هذه المنتجات في العالم كله لم يأت في البداية بسبب القناعة في أهميتها وفائدتها، ولكن لأن العولمة والنشاط القاري للشركات الصناعية وشركات التكنولوجيا العملاقة قد فرضا قيما وطرقا جديدة للمعيشة والتواصل مرتبطة بهذه المنتجات. وبالنتيجة أصبحت هناك معايير جديدة للحياة في هذا العالم، تطال كل شيء تقريبا من الاتصال وتلقي المعلومات إلى الشراء والمواصلات.. إلخ، الأمر الذي قاد الناس إلى هذا الطريق، ويمكن التمييز هنا ما بين عصرين، ما قبل الإنترنت وما بعده وهكذا.

ومع ذلك فإن قيم الحداثة التي نتكلم عنها هنا ليست مقتصرة على القيم الغربية، كما قد يتبادر إلى الأذهان، وهي ليست أيديولوجية أو معتقدات يحاول بعض الناس الترويج لها أو فرضها على الآخرين. ولكنها قيم عصرنا هذا الذي نعيشه. ولن يجدي نفعا محاولات شيطنتها ولصقها بالغرب أو غيره للهروب منها.

أهم هذه القيم هي مركزية الإنسان في الحياة. ففي العصور السابقة لم يكن الإنسان هو المركز، كانت الأديان والمعتقدات الدينية هي الأساس والإنسان مجرد حلقة وصل ما بين "الأرض والسماء". هذه العلاقة انقطعت تقريبا في أجزاء من العالم وتغير محتواها في أجزاء أخرى، فيما لا تزال على حالها في بعض المناطق.

لكن الملاحظة الأبرز هي أن أجندة الإنسان تقدمت إلى الأمام. فقد ترسخت الحريات الفردية وباتت الحقوق الأساسية للإنسان معترفا بها (أو تؤخذ بعين الاعتبار) على نطاق واسع، بما في ذلك الاعتراف بحقوق المرأة، وتجريم العنصرية ورهاب المثلية.. إلخ.

بمعنى آخر لم يعد مقبولا أو مفيدا في أي مجتمع تجاهل الحقوق الأساسية للإنسان والتصرف كما كانت تفعل الدول والإمبراطوريات القديمة مع مواطنيها، ولم يعد هذا النمط قائما اليوم سوى في مناطق محدودة جدا من العالم مثل كوريا الشمالية، وأفغانستان، وكوبا، وإيران. ولا أستبعد أن نشهد مع الوقت تغيرا في هذه المناطق أيضا.

من القيم العصرية كذلك نسبية المعرفة ونسبية الحقيقة. إن عصرنا هذا من الصعب أن تشتغل فيه الحقائق المطلقة. وقد رأينا كيف انهارت الشيوعية ولم تتمكن من الصمود بسبب ارتكازها على الحقيقة بالمطلق المتعارضة مع الطبيعة البشرية. ورأينا أيضا كيف انهارت وتنهار النظم الدينية والشمولية أو تعاني من الفشل أو العجز المزمنين لنفس السبب أيضا.

الإيمان بالحقيقة المطلقة ينتمي إلى الماضي، بينما العصر الحديث بعلومه ونظرياته في الميادين المختلفة يقوم على النسبية، أي أن صحة الشيء أو فائدته أو نفعه متوقفة على ظروف وعوامل معينة وعلى زمن معين، وأنه بمجرد تغير هذه الظروف تتغير أيضا تلك القيمة. بهذا المعنى فإن الاتجاه الحديث في التفكير والبحث يميل إلى أن يكون مفتوحا أو منفتحا، ولا يفترض نهاية معينة سلفا.

كذلك يبتعد هذا الاتجاه قدر الإمكان عن الأّحكام المسبقة أو المعرفة القبلية أو السالفة، ويسعى إلى اعتماد النظرة الجديدة والراهنة للتعامل مع المشكلات والقضايا المطروحة.

من القيم التي تميز عصرنا أيضا التحول من الانتماء إلى الأشياء أو المسميات إلى الأفعال أو النشاطات. فبدلا من الانتماءات الدينية أو القومية أو العرقية.. إلخ، أصبحت انتماءات الإنسان تدور حول نشاطه وما يقوم به، مثل الاجتهاد في العمل والاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية وخدمة الصالح العام والموقف من نفسه ومن غيره ومن المجتمع والدولة.. إلخ.

وبصورة عامة فإن ما يميز عصرنا والعصور التي ستأتي أنها تبدو أخف في حمولتها. فالأيديولوجيات والعقائد الدينية الجامدة تبدو ثقيلة على الإنسان المعاصر. الاتجاه العام هو التخفف والتحلل من هذه وتلك. ونحن نرى ذلك بوضوح في هرب الناس من ضفة التكلف والجمود والماضوية سواء على مستوى الفكر أو اللغة أو الأدب أو حتى الاقتصاد والسياسة، إلى ضفة السهولة والمرونة والبساطة.
ومنتجات الحداثة تساعدنا على ولوج هذا الطريق، لأنها منتجات العصر نفسه وهي المعبر المباشر عنه.

المشكلة هي حين نقيم التعارض والتناقض بين الاثنين، كما يحدث في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، ونصر على وضع رجل في الماضي ورجل في الحاضر. على هذا النحو لن نستطيع أن نمشي أو نتحرك خطوة إلى الأمام. وهذا هو التوصيف الأدق لحالنا في الوقت الراهن.. الحال الذي أصبح له قرنا من الزمان على أقل تقدير.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.