قراءة القرآن - صلاة الجمعة - شهر رمضان
"حين نقرأ قصص القرآن علينا أن نقرأ أيضاً ما وراء الكلمات لنفهم العبرة من القصة"

يقرأ الكثيرون آيات القرآن الكريم من منطلق جمع عدد أكبر من الحسنات. وللأسف فإن العديد من هؤلاء ينسى أن الهدف الحقيقي للقراءة هي الفهم والتدبر كما جاء في الآية الكريمة (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (سورة محمد (24)).  

وتعودنا، أو تعود الكثيرون منا، على قراءة القَصص القرآني كقِصص أو "حكاية" مجردة من الفهم الأعمق للهدف المنشود أو للأهداف المنشودة من ذكر القصة في القرآن. 

ومن الأمور الجميلة أن الكثير من القصص القرآنية التي نحكيها للأطفال كي يتعلموها تحمل في طياتها العديد من العبر والمفاهيم العميقة التي ينبغي أن يقف من يقرؤون القرآن أمامها بتأمل وتدبر وتفكر.  

وحين نقرأ قصص القرآن علينا أن نقرأ أيضاً ما وراء الكلمات لنفهم العبرة من القصة. فالقصة في القرآن ليست فقط بهدف سرد لأحداث تاريخية ولكن كما ذكرنا أعلاه هي لأخذ العبرة من هذه القصص، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} ( سورة يوسف  (111)). 

 فعلى سبيل المثال لا الحصر، حين نقرأ قصة الهدهد وسيدنا سليمان في سورة النمل نتعلم منها (أي من هذه القصة) الاستماع الى الطرف الآخر قبل إصدار الأحكام عليه. 

فها هو الملك سليمان ينتظر ليسمع من طائر صغير قبل أن يصدر حكماً نهائياً عليه، فيقول {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} ( سورة النمل(20-21)). أي أن سيدنا سليمان انتظر ليسمع رأي الهدهد أولاً، فقال " أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ". 

 ولقد كان نبي الله، سليمان، قادراً على أن يعاقب "الهدهد" دون أن يستمع للرأي الآخر كما يفعل البعض في عصرنا هذا فيتسرعون بالحكم على غيرهم دون أن يستمعوا لهم ولرأيهم، ولكن نبي الله سليمان لم يسترسل في الغضب وأوقف انفعاله حتى يستمع إلى ما سيقوله الهدهد. 

فالأمر في القصة ليس فقط قضية "هدهد"، بل أيضاً قضية إعطاء الآخرين، حتى لو ظننا أنهم مخطئون، الفرصة الكاملة لشرح موقفهم. 

 وياليت الكثيرين منا يتعاملون مع غيرهم فيعطونهم فرصة كاملة لعرض رأيهم، كما فعل سليمان مع طائر ضعيف! فنحن نُصدِر الأحكام على غيرنا أحياناً وقد نتخذ إجراءات لمعاقبتهم دون حتى أن نعطيهم أي فرصة لإبداء رأيهم. 

 وأيضاً حين نقرأ قصة فرعون نتعلم منها أن أبشع جريمة تغضب الله عز وجل هي استضعاف الأقليات الدينية والعرقية، فكما رأينا في القصة أن السبب الرئيسي في غضب الله عز وجل على فرعون أنه استضعف بني إسرائيل كما ذكر القرآن {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ} (سورة القصص (4)). 

ونتعلم من القصة السابقة عبرة هامة وهي أننا سنكون مغضوبا علينا مثل "فرعون" إذا استضعفنا غيرنا من الناس، لأنهم مختلفون عنا. فمن يقرأ القرآن ويدرك مدى غضب الله على فرعون بسبب استضعافه لبني إسرائيل يدرك كيف أن استضعاف الآخرين وحرمانهم من حقوقهم هو من أكبر الجرائم عند الخالق. 

وأيضاً حين نقرأ قصة خليل الرحمن إبراهيم نرى أن قومه كادوا أن يعترفوا بأنهم هم المخطئون حينما كلمهم إبراهيم بالمنطق والعقل فحين قال لهم {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}  (سورة الأنبياء (63))، كان ردهم على ذلك هو { فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ} (سورة الأنبياء (64-65)). 

وعلى العكس من ذلك تماماً فلما هاجمهم إبراهيم بقوله {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (سورة الأنبياء (67))، كان رد فعلهم على ذلك بأن قالوا {حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} (سورة الأنبياء (68)). 

 ومن ذلك نتعلم أن أفضل طريقة للحوار مع الآخرين هي استخدام الحجة والمنطق، وليس التهجم عليهم بالكلمات. 

وقد تعلم إبراهيم نفسه الدرس من قصته فحين خاطب النمرود بعد عشرات السنين من القصة المذكورة خاطبه بالمنطق والحجة كما جاء فى الآية الكريمة {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (سورة البقرة (258)). 

فباختصار شديد فإن قراءة القرآن لا ينبغي أن تكون فقط لأن الحرف يعطي عشر حسنات، كما يقولون، بل ينبغي أن تكون بهدف فهم المبادئ العليا للقرآن وأخذ العبرة من قصصه! 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.