A man shows fake oranges filled with Captagon (an illegal drug) pills and dissimulated in boxes containing real fruit, after…
لم تعد عمليات ضبط المواد المخدّرة التي تُنجزها الأجهزة الأمنية تُثير إعجاب أيّ دولة

تعرف الأجهزة الامنية اللبنانية كلّ التفاصيل عن زراعة المخدرات في لبنان وعن صناعة الكبتاغون وعن تهريب البضائع، استيراداً وتصديراً، وعن تزوير جوازات السفر، وعن تنقل الأموال غير الشرعية وعن المعابر غير النظامية، وعن الخروقات في المرفأ والمطار.

المشكلة لا تكمن في أنّ هذه الأجهزة تُحجم عن مكافحة هذه الجرائم وملاحقة الضالعين فيها. هذه بسيطة. المشكلة الفعلية تكمن في أنّ هذه الأجهزة، تسهر على حماية هؤلاء ومنع أيّ كان من الوصول إليهم، تحت طائلة "قطع الأيادي وتطيير الرؤوس".

فقط، حين تجد السلطة السياسية التي تأتمر بها هذه الأجهزة، نفسها تحت ضغط خارجي جدي، تسمح بتنظيم عمليات ضبط "مضبوطة جداً"، للإيحاء بأنّ الدولة اللبنانية تقوم بواجباتها.

هذا الكلام ليس نتاج تصوّر أو سوء نية أو تحليل، بل هو وليد معلومات وصلت الى الأجهزة الأمنية المعنية في عدد من العواصم العربية والاوروبية والغربية، وباتت، بعد توثيقها بالقرائن والبيّنات والأدلة والشهود، بعهدة أصحاب القرار فيها.

ولهذا السبب بالتحديد، لم تعد عمليات ضبط المواد المخدّرة التي تُنجزها الأجهزة الأمنية، تُثير إعجاب أيّ دولة، بل العكس صحيح، إذ إنّه، كلّما حصل ذلك، ارتفعت وتيرة المطالبة بوجوب توفير إشراف دولي على البضائع المصدّرة والقبول بتنسيق مفتوح وشفّاف بين الأجهزة الأمنية اللبنانية والدولية.

وهذا المطلب ورد بوضوح في الورقة الخليجية المنسّقة مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية التي قدّمها وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح إلى المسؤولين اللبنانيين، يوم السبت الماضي ويفترض أن يحمل نظيره اللبناني عبد الله بو حبيب موقف لبنان منها، يوم غد السبت، إلى الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية العرب.

وإذا كان المسؤولون اللبنانيون، في ظلّ "تغييب" مجلس الوزراء الذي أعاده "حزب الله" إلى الحياة، بشروط، عن البحث في مضامين هذه الورقة، يملكون القدرة على إثبات عجزهم عن تنفيذ مطالب سيادية مثل تطبيق القرارات الدولية التي تدعو إلى نزع سلاح "حزب الله" وترسيم الحدود اللبنانية-السورية، ويُمكن، تالياً، حصولهم على فرصة "بحث" لما بعد إنجاز الانتخابات النيابية المقررّة في مايو المقبل، فإنّ أيّ دولة لن تقبل بالتغاضي عن تقديم جواب ملتبس حول مطلب إزالة منصّات التهريب المحمية التي تنتشر في لبنان، على نطاق واسع.

وسبق أن أوقفت المملكة العربية السعودية الاستيراد من لبنان، بعدما حوّلت عصابات التهريب المنتجات اللبنانية إلى حاويات لإغراق أسواقها السوداء بحبوب الكبتاغون.

ووضعت الرياض وشقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي مكافحة آفة المخدّرات في رأس قائمة أوليّاتها، ورفعت جهوزية الأجهزة الأمنية التابعة لوزارات الداخلية فيها، من أجل تحقيق هذا الهدف، بالتنسيق مع وزارات الخارجية والتجارة والاقتصاد، وفق قرارات مجلس وزراء مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي.

وهذا يعني أنّ علاقات "مجلس التعاون الخليجي" مع الدول التي لا تجهد، فعلاً، في منع تصدير المخدّرات إليها، سوف تتدهور إلى مستوى قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها.

وعليه، فإنّ علاقات لبنان مع دول مجلس التعاون الخليجي لن تعود إلى سابق عهدها إذا لم تبدأ بيروت من النقطة التي يعتبرها كثيرون الأسهل، أي وضع حد لتهريب المخدّرات.

ولكنّ كثيرين يعتقدون أنّ قدرة لبنان الرسمي على منع تهريب الكبتاغون محدودة للغاية، ليس بسبب عجز معلوماتي أو أمني أو تقني، بل بسبب القوى التي تحمي هذه التجارة الإجرامية.

وفي ذهن هؤلاء، وكما بات ثابتاً لدى الدول المعنية، إنّ "حزب الله" يقف وراء هذه التجارة التي تشمل إنتاجات المعامل التي يُشرف عليها هو في لبنان وتلك التي يُشرف عليها نظام بشّار الأسد في سوريا.

وتذهب المملكة العربية السعودية، في تعاطيها مع هذا الموضوع، إلى أبعد من ذلك، إذ تعتبر أنّ "الحرس الثوري الإيراني"، ومن أجل إلحاق الأذى بها، من جهة ومن أجل توفير المداخيل لنشاطات "أذرعه الإرهابية"، من جهة أخرى يقف وراء عمليات التهريب هذه.

كل ذلك يفيد بأنّ إمكان رفع الجهوزية اللبنانية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية العربية والدولية لوضع حدّ لإنتاج المخدّرات وتصديرها، لا يمكن أن يصل الى أهدافه المرجوّة، لأنّ "حزب الله"، ولو أنكر ذلك ألف مرّة ومرّة، يرسم خطّاً أحمر حول هذه المسألة التي أصبحت، في الآونة الأخيرة في ظلّ "تقنين" المال الإيراني والمطاردة العربية والدولية لمصادر تمويله الخارجية، قضية "وجودية".

وليس من قبيل الصدفة أنّ الأجهزة الأمنية اللبنانية التي تضبط، بين فترة وأخرى، على إيقاع الضغوط الخارجية، شحنات الكبتاغون، لم تُعلن عن تفكيك مصنع واحد وعن تفكيك شبكة واحدة.

إنّ وضعية تصدير الكبتاغون من لبنان لا تشبه وضعية تصدير الكبتاغون من أيّ دولة أخرى، فهي ليست نتاج عصابة قوية تخوض معارك مفتوحة مع السلطة، بل هي وليدة قرار تحميه قوى مسلّحة لديها قوانينها الخاصة، ولها الكلمة العليا في لبنان، وتسيطر على حكوماته ومجلس نوّابه ورئيس جمهوريته.

باختصار، إنّ "كبتاغونيي لبنان"، كما يصنعون في معاملهم المخدّرات، يصنعون في مجالسهم الحكّام.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.