مضبوطات أحد خلايا داعش في المغرب (أرشيفية)
مضبوطات أحد خلايا داعش في المغرب (أرشيفية)

منذ مقتل أبو بكر البغدادي على يد القوات الأمريكية في خريف 2019، بدأت الأخبار تخف عن "تنظيم الدولة في العراق والشام" (داعش). بدا وكأن العالم بقيادة البنتاغون في طريقه المستقيم للقضاء على التهديد الإرهابي، ممثلا بتيارات العنف والتطرف الديني الإسلامية التي استهدفت مناطق مختلفة من العالم. 

وما أن ولج  جو بايدن البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، حتى اتخذ قرارا بالخروج من أفغانستان، وهو القرار الذي تبين أنه إعادة الروح لكائن يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولم يجانب الصواب من انتقدوا هذا الانسحاب المثير، ولا من وصفوا الخطوة الأمريكية بالمفاجئة والخطيرة. ساعتها تنبأ العديدون بعودة "داعش" إلى سالف عنفوانها، بشكل أخطر وأعنف. 

لم تنته الحرب إذن ضد الإرهاب، كما حاول صناع القرار في البيت الأبيض الترويج له. بل كما ذكر تقرير بـ"الغارديان" البريطانية فإن تنظيم الدولة بعد تقهقره يعيد بناء قواته العسكرية من داخل سوريا. 

إذ كيف بالإمكان القضاء على الإرهاب بإتاحة المجال لمحتضنه، لتنظيم طالبان باستعادة السيطرة على أفغانستان بعد عقدين من محاربته، وهو التنظيم ذاته من غير تبديل، الذي خرج من عباءة تنظيم "القاعدة" بزعامة مؤسسها أسامة بن لادن؟ 

وها هي آخر الأخبار تطالعنا بتصدر "داعش" و"القاعدة" لعناوين الأحداث من جديد، ووكالات الأنباء عبر العالم تتناقل أنباء هجوم مسلح وتمرد دبره إرهابيو "داعش" المعتقلين بسجن "غويران"، وهو من بين أكبر السجون التي تحتجز فيها قيادات بارزة من "تنظيم الدولة". وكان الهدف استعادة السيطرة عليه من يد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي يقودها الأكراد، وهي مدعومة من قبل الولايات المتحدة. وقد أسفر الهجوم عن فرار نحو مئة "داعشي"، وسقوط قتلى بين السجناء والمدنيين، بعد وصول تعزيزات أمريكية طوقت المنطقة ودخلت في اشتباكات مع مقاتلي التنظيم، مواجهات تطلبت تدخل طائرات للتحالف الدولي قامت بإلقاء قنابل ضوئية لمساندة عناصر "قسد"، ليضيء العنوان العريض: "عودة شبح الإرهاب إلى المنطقة من جديد". 

***  

مثل كثير من المسلمات ستسقط عبارة "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، وهي مقولة ذات أصل عربي استوحاها الشاعر الإنجليزي "روديارد كبلنغ" في نهاية القرن التاسع عشر. فالقنابل الصاروخية التي ألقيت في الشرق، بالحسكة بشمال شرق سوريا، وقصف الرشاشات الكردية الذي لعلع بسجن "غويران" السوري، خلف ضحايا آخرين في غير المكان، وقض مضجع كثيرين يعيشون في أقصى غرب الوطن العربي. 

نزل خبر التمرد والمواجهة المسلحة بسجن "غويران" كالقنبلة التي سمع دوّيها في العاصمة المغربية الرباط. فانتفضت عدد من العائلات بمدن مغربية مختلفة، واضعة أياديها على قلوبها، ينهشها الخوف واللوعة على فلذات أكبادها. إذ يتواجد مغاربة معتقلين بذلك السجن الخطير، ممن انساقوا وراء أحلام إعادة الخلافة الرشيدة، التي يتبناها "داعش"، فحملوا السلاح في ركابها. ومنهم من وصل مرتبة كبيرة داخل التنظيم الإرهابي. 

قبل ثلاثة أعوام، التقت العائلات المغربية المكلومة، والتمت في جمعية منظمة تحت مسمى: "التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين في سوريا والعراق"، وتعاهدت على العمل من أجل استعادة أبنائها من جحيم "داعش".  

وبعد الأحداث الأخيرة، أصدرت تنسيقية العائلات بيانا مرفقا بصور وبفيديوهات تظهر جثثا لقتلى ومصابين بجروح خطيرة من جنسيات عربية وأجنبية، ضمنهم مغاربة، اعتقلتهم "قسد" في السنوات السابقة، خلال المعارك مع "داعش" في شمال شرقي سوريا، بدعم من قوى التحالف الدولي. وآخر الإحصائيات تحدثت عن تواجد 250 إرهابي مغربي بصفوف "داعش" رهن الاعتقال، موزعين بين سجون سوريا والعراق وتركيا. بينهم 138 امرأة.  

وحذرت "التنسيقية" من أهوال الوضع وخطورته بسجن "غويران" على المغاربة الموجودين ضمن المرشحين للقتل والإبادة في أي وقت. ناهيك عن الظروف المناخية القاسية والعواصف الثلجية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط هذا الشتاء. وليس مستبعدا أن يطول الموت أغلبهم بسبب الصقيع وسوء الأكل والتجويع، وفق ما تسرب للتنسيقية المغربية من معلومات مستخلصة من مضمون الرسائل التي تلقتها العائلات من الصليب الأحمر الدولي، وهي تربو على الثلاثين رسالة، تؤكد على وجود عدد كبير من "مغاربة داعش" المعتقلين بسوريا، بينهم شباب ونساء في مقتبل العمر مع أطفال صغار، يعتبرون من مجهولي المصير. 

إثر أحداث سجن "غويران" والاقتتال الدائر بين قوات "قسد" ومسلحي "داعش"، وتفاقم الأحوال الكارثية بسجون ومخيمات الاحتجاز، دعت "التنسيقة الوطنية" إلى وقفة أمام مبنى البرلمان بالرباط يوم أمس الجمعة 28 يناير 2022، بغاية تحسيس الرأي العام المغربي، ولفت نظر المجتمع الدولي إلى قضية المغاربة العالقين والمعتقلين في سوريا والعراق، وذلك تحت لافتة: "أنقذوا أبناءنا وبناتنا قبل فوات الأوان"، متوجهة إلى السلطات المغربية لمد يد العون لرفع المعاناة عن النساء والأطفال المغاربة، والتدخل لإيجاد حل لإجلاء العالقين في سوريا والعراق، من المتورطين في قضايا الإرهاب والانتماء إلى جماعات متطرفة، أضيف إليهم آباء وأقرباء توجهوا إلى مناطق التوتر بهدف استقدام أبنائهم، فوجدوا أنفسهم عالقين. 

وكانت وزارة الداخلية المغربية في الأعوام الأخيرة، صرحت بوجود 1220 مغربي يقاتلون مع تنظيم "داعش". في حين أكدت لجنة برلمانية مغربية وجود 400 قاصر مغربي بمخيمات سوريا، من بينهم 153 تأكد أنهم مواليد المغرب، بينما ولد الباقون بمناطق التوتر. وذكرت تقارير أخرى أن أكثر من 80 % من الأطفال المغاربة المحتجزين تقل أعمارهم عن 12 عاما، نصفهم دون سن الخامسة. كما دعت اللجنة البرلمانية إلى العمل "من أجل تسهيل عملية إرجاعهم بشكل سريع وإدماجهم في ظروف سليمة في محيطهم العائلي والاجتماعي".  

وبهذا الصدد تلقت "التنسيقية" مؤخرا تطمينات من وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، بأن الحكومة مهتمة بالموضوع، موصيا العائلات بمزيد من الصبر. علما أن وزير العدل الحالي لما كان في المعارضة، كان هو رئيس المهمة الاستطلاعية البرلمانية للوقوف على أوضاع النساء والأطفال المغاربة العالقين في سوريا والعراق. وقبيل موعد الانتخابات الأخيرة بأسابيع قليلة، صرح وهبي باسم حزبه (الأصالة والمعاصرة) في البرلمان: "إن الأطفال المغاربة العالقين في سوريا والعراق بمثابة وصمة عار على جبين الحكومة... ومن العيب أن يتشرد أبناء المغاربة ولا أحد يتحمل المسؤولية". 

*** 

لطالما حذرت الجهات الرسمية في المغرب من التهديدات التي تستهدف البلاد من قبل التطرف الإرهابي، مشيرة إلى أن "السلطات رفعت درجة اليقظة والحذر إلى أقصى حد بسبب وجود تهديد إرهابي جدي ضد المملكة".  

وقد اعتاد الرأي العام في السنوات الأخيرة على تلقي بيانات صادرة عن "المكتب المركزي للتحقيقات القضائية"، تتحدث عن تفكيك خلايا إرهابية. وأن استراتيجية مكافحة الإرهاب نجحت في تفكيك عدد كبير من الخلايا الإرهابية، وهي الاستراتيجية التي حازت على إشادة الولايات المتحدة الأمريكية.  

إلا أن البعض بات يشكك اليوم في صدقية هذه الأخبار. ولم يتردد آخرون بمواقع التواصل الاجتماعي، في وصف "التفكيكات الشهرية للخلايا الإرهابية" بكونها "بروباغندا" وسيناريوهات مفبركة ليس غير، بغاية إلهاء الطبقات الشعبية عن القضايا الحقيقية، منها ارتفاع الأسعار والغلاء، وقضايا الفساد وتبديد المال العام، وعجز الدولة عن سن سياسة تستجيب للمتطلبات الشعبية في العدالة وتكافؤ الفرص والعيش الكريم. 

وزاد التشكيك بعد حادثة مقتل سائحة فرنسية على يد متطرف مغربي (31 عاما) في تزنيت جنوب البلاد منتصف هذا الشهر، وهو شخص لم يعمد بتاتا إلى إخفاء مظهره الملتحي ولباسه الأفغاني، إلا أنه ظل غائبا عن يقظة المخابرات المغربية، بل إنه بعد قتله لسائحة فرنسية تبلغ 79 عاما، اتجه مباشرة إلى محطة الحافلات لينتقل إلى مدينة أغادير القريبة، ثم نزل إلى الشاطئ ليشرع في ارتكاب جريمة ثانية، بمحاولة قتله مواطنة بلجيكية طعنها بنفس السلاح الأبيض.  

هو السؤال نفسه الذي طرح سنة 2018 بعد إقدام موالين لتنظيم "داعش" على قتل سائحتين اسكندنافيتين بضواحي مراكش. مما رفع حدة التساؤلات، من قبيل أين نحن من "تقوية قدرات الرصد والمراقبة، وتقوية العمل الاستعلاماتي المستمر في مجال محاربة الإرهاب"؟.  

***  
ينتمي كثير من المغاربة المتورطين في أعمال إرهابية، من نجحت "داعش" في تجنيدهم، إلى الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المغاربة، ما جعل المسؤولين المغاربة يردون على اتهام "تصدير المغرب للإرهابيين"، بكونه  من "صناعة أوروبا" التي ولدوا وترعرعوا بها، لذلك فهم "يحتاجون إلى عناية خاصة تجنبهم السقوط في شراك الإرهاب، خاصة داخل المساجد غير المراقبة ومن طرف بعض الأئمة المتطرفين"، كماجاء في جواب لوزير الداخلية المغربي عبد الكبير لفتيت على نظريه الإسباني، خوان ايناسيو زويدو (2017). 

ورغم الاعتدال الديني السائد بالمغرب، من خلال انتشار المذهب المالكي السني، وحرص السلطات على محاربة التطرف الإسلامي، وجهودها لترتيب الحقل الديني من خلال السيطرة عليه، ومنع الأئمة من التدخل في السياسة، فإن المشاعر الدينية المتطرفة تسري بين أعداد من المغاربة. وكان تحقيق لأحد مراكز الأبحاث الأوروبية، نشر بعد الهجوم على "توين سنتر" بنيويورك (2001)، رصد نسبة تتعدى 40% من المغاربة متعاطفين مع أسامة بن لادن في مواجهة أمريكا. لذلك لا يقتصر مغاربة داعش على المتحدرين من أبناء المهجر الأوروبي، بل توجد نسبة مهمة من المغاربة المقيمين ببلدهم من التحقوا بـ"داعش"، إثر استقطابهم باستدراجهم النفسي بواسطة شبكات العالم الافتراضي المروجة للفكر الداعشي. ويزداد الأمر إثارة إذا علمنا أن الإعلام الإلكتروني الداعشي يسير أساسا من طرف "مغاربة داعش"، ما مكنهم من التقدم بالمواقع القيادية "للتنظيم". ولا ينسى سكان أحد الأحياء الشعبية بمدينة تطوان شمال المغرب صدمتهم ذات صيف عام 2015، حين فوجئوا بالتحاق أسرة من جيرانهم بكامل أفرادها (الأب والأم وأولادهما الأربعة) للقتال في سوريا والعراق. وكان لافتا للمراقبين أن أغلب الموالين لـ"داعش" هم من المتحدرين من منطقة الشمال المغربي التي تم إهمالها وعقاب سكانها خلال عهد الملك الحسن الثاني الذي سمى شبابها في خطاب له بـ"الأوباش".  

 وما ارتفاع عدد عمليات تفكيك الخلايا الإرهابية الداعشية، التي تعلن عنها كل شهر المصالح الأمنية المغربية، إلا دليل بهذا القدر أو ذاك، على وجود تربة خصبة للفكر الداعشي بين المغاربة في مختلف مناطق وجهات البلاد. 

لا شيء يجيء من شرق المتوسط سوى المآسي وقصص المعاناة الرهيبة لمغاربة غرر بهم للالتحاق بخلايا الدم والإرهاب، وكثير منهم لما اكتشفوا انخداعهم وجحيم ما ألقوا أنفسهم به، حاولوا التراجع والهرب، لكنهم فشلوا. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.