Iraqis pass by a poster of Shiite cleric Muqtada al-Sadr in Sadr City in Baghdad on October 17, 2021, where the Sadrist…
حكومة الأغلبية للتيار الصدري قد لاتكون مثالية لكنها أفضل الخيارات

في سجالات العراقيين السياسية لا نختلف على التشخيص، ولكنَّ خلافنا دائماً يكون على طرح الحلول الناجعة وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع. بيد أن المشاكل لا تنتهي بتشخيصها، بل تزداد حدّتها عندما يتراجع عنها أو يتنكّر لها الكثير مِن السياسيين، بدعوى أن الظروف غير ملائمة لتطبيقها في الوقت الراهن! وهنا ممكن أن تثار الكثير من علامات الاستفهام على تصريحات السياسيين الذين كانوا ينتقدون فيها التوافقات والمحاصصة والشراكة في تشكيل الحكومات، التي كانوا هم طَرَفاً فيها دائماً، ويقولون بعبارات صريحة لا تقبل التحريف ولا التأويل أنَّ أساس الفساد والخراب والفشل هو تشكيل الحكومات على أساس التوافق بين الفرقاء السياسيين والحل هو في تشكيل حكومة الأغلبية! هل كانت تلك التصريحات ثرثرة سياسية، أم حلول لأزمة الحكم في العراق؟ كيف يمكن لمن يدعي "الزعامة السياسية" أن يطلق حلولاً، ويتنكّر لها لاحقاً؟  

قد تكون المشكلة الحقيقة في تفكير السياسيين أنفسهم الذين يقولون ما لا يعلمون ولا يفعلون، ومواقفهم السياسية تتقاطع تماماً مع تصريحاتهم. ويبدو أنَّهم لا يدركون أنَّ اليوم نعيش في عالم الإنترنت الذي لا تترك وسائله تصريحاً إلا وتناقلته، ويكون مِن السهل استذكاره والاحتجاج به لنقد التغيير في المواقف.  

يتبجَّح بعضهم بالقول: إنَّ حكومة الأغلبية نعم هي حل لأزمات العراق، لكنَّ الموضوع يجب أن يكون مقترناً بظروف موضوعية وسياسية تفتقدها العَمَليّة السياسية في الوقت الراهن! هذه الإجابة تحمل الكثير مِن التناقضات، كونها لا تنتقد الظروف التي كُتِبَ فيها دستور العراق الذي أسس لِلكثير من الإشكاليات في إدارة الدولة، ورسخ نظام حكم هجين تتقاسم السلطاتُ فيه حكومةً اتحادية وإقليماً ومحافظات بطريقةٍ تُخالف الأنظمةَ الفدرالية.  

لذلك التحجج بعدم صلاحية الظروف السياسية لِلذهاب نحو حكومة الأغلبية حجّة واهية وهي أصلاً غير موضوعية، والموضوع يحتاج لِكثيرٍ مِن الصراحة والشجاعة بالاعتراف بأنَّ المشكلة ليست بالظروف وإنّما بالخوف مِن عدم المشاركة بالحكومة القادمة؛ لأنَّ ذلك يعني خسارة النفوذ والسلطة في الحكومات التوافقية التي كانت بمثابة جنّة فردوس تعتاش فيها الطفيليات السياسية، والتي وسَّعَت دوائر هيمنتها وسيطرتها على موارد الدولة!  

عندما يختزل مفهوم الحكومة التوافقية بتقاسمِ الوزرات وتوزيعها كحُصصٍ لهذا الحزب أو ذاك، ولا أحد يتحمّل مسؤوليةَ الفشل في إدارة الحكم، وتغيب ملامح المساءلة السياسية والمسؤولية عن اتخاذ القرار السياسي ومَن يرسم السياسات العامة، فلا يمكن وصف نمط الحكم هذا إلا بالتوافقية الهشّة أو توافقية توزيع مغانم السلطة. إذ منذ 2006 تشكلت خَمسُ حكومات سابقة على أساس تحالفات سياسية تتوافق على أسس تقاسم الوزرات لا أكثر ولا أقل، وسرعان ما تنهار هذه التوافقية الهشّة بعد تشكيل الحكومة وتقاسم الوزرات، ونعود إلى خطابات التسقيط السياسي بين الخصوم. 

بالمقابل، لا يمكن القول أنّ حكومة الأغلبية التي ينادي بها السيّد مقتدى الصَّدر تملك كلَّ الحلول لأزمات العراق السياسية والاقتصادية؛ كونها لا تجمع فرقاء سياسيين ببرنامج سياسي واضح وصريح. لكنَّ ذلك لا يعني أنها ليست خياراً أفضل مِن تكرار أخطاء تشكيل حكومة توافقية. ومَن جرَّبَ المجرب حلَّت به النَّدامة، وطوال ثمان عشر عاماً جرّبنا حكومات توافقية لم تكن إلّا حكومات فاشلة وفاسدة وظيفتها الرئيسة خدمة مصالح الطبقة السياسية وهَدر موارد الدولة لِصالح تنمية موارد الاقطاعيات السياسية وزبائنها. 

لا يمكن أن ننتقد مشروع الذهاب نحو تشكيل حكومة الأغلبية، لمجرّد أنها تقصي طرفاً سياسياً دون آخر، أو كونها تستهدف تغيير خارطة التحالفات السياسية التي كانت قائمة على أساس البيوتات المكوّناتية الشيعية والسنية والكردية! فهذه الانتقادات لا تريد مغادرة نمط الحكم العقيم الذي يتاجر بحقوق أبناء المكونات ويبقى عاجزاً عن تقديم أيّ خدمة لِلمواطن، ويزيد من هشاشة الدولة وقطيعتها مع المجتمع.  

حكومة الأغلبية يجب أن تكون البداية لِتصحيح نمط الحكم وإدارة الدولة، لا يجب أن يكون مشروعها الاستحواذ على السلطة فقط، وترسيخ رمزية زعامات سياسية. فهذه الحكومة سوف تزيد من معاناة العراقيين ومحنتهم مع الحكومات السابقة. ولا يجب أن تكون بداية لِتصفية حسابات سياسية قديمة، ولا لِلثأر مِن الخصوم السابقين وإخلاء الساحة مِن المنافسين. لأنَّ كل هذه الخطوات سوف تساهم في كسب جولةٍ واحدة فقط، لكنّها مستقبلاً ستكون السبب في خسارة المعركة النهائية التي يجب أن يكون هدفها استعادة الدولة لا الاستفراد بحكمها والاستحواذ على مواردها، فهواجس الخوف من عودة الدكتاتورية بعنوان شرعيّة الانتخابات لا تقل سوءاً مِن حكومة توافقية، لاسيما أنها لا تزال رغبة تراود الكثير من السياسيين.  

يمكن أن نرهن أمالنا على حكومةٍ أغلبية في تصحيح مسار العَمَلية السياسية، حتّى وإن كانت بلا مشروع ولا رؤية واضحة المعالم يتفق فيها الشركاء السياسيون، كونها السبيل الوحيد نحو بداية الخلاص مِن حكومات فاشلة تنتجها معادلة الحكم القائمة على أساس التوافقات الهشّة، والتي أثبتت عجزها عن تقديم أي منجز لأبناء المكونات بصورة خاصّة ولِلمواطن بصورة عامّة.  

حكومة الأغلبية لم تعد خياراً تفضيلياً على حكومة توافقية، وإنما هي بمثابة الفرصة الأخيرة لهذا النظام السياسي والطبقة السياسية الحاكمة لإعادة ثقة المواطن بالحكومة والدولة، كما أنها يجب أن تكون قادرة على إيقاف كلّ تداعيات الفوضى والخراب، لا أن تؤسس لتراكمات فشل سياسي جديد. فهي فرصة لتصحيح الأخطاء السابقة والبدء نحو مشروع حكومة قويّة يقودها رجالات دولة حقيقيين وليس مراهقين سياسيين يبحثون عن بهرجة السلطة وامتيازاتها دون أن يكون لهم أيَّ منجز سياسيّ أو اقتصاديّ أو خدميّ. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.