اليمن - الحوثيين - التحالف بقيادة السعودية
"ردة فعل إيران تثبت أن السياسة الدبلوماسية لا تنفع مع نظام مؤدلج"

أي محلل لإدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، منذ تسلمها السلطة يتوقع أن اعتداء مثل عدوان الحوثي على الإمارات سيحدث، وبالطبع يتوقع ازدياد العدوان على السعودية، لأن أول ما قامت به هذه الإدارة كان إعطاء إشارات خطيرة لا تفهم من قبل الأنظمة المؤدلجة والميليشيات المسلحة التابعة لها إلا أنها إشارات لإطلاق يديها حرة في المنطقة بدون رادع.   

فأول ما قامت به هذه الإدارة هو رفع الحوثيين من قائمة الإرهاب وهو القرار الذي رحب به الحوثيون بالتأكيد، وفي المقابل أعلنت الإدارة عن إنهاء الدعم الأميركي للعمليات العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن وتجميد مبيعات الأسلحة لها وتعليق بيع F-35 إلى الإمارات التي وافق عليها الرئيس السابق دونالد ترامب.

إضافة إلى ذلك، من الخطوات الأولى التي قامت بها الإدارة الهرولة السريعة لاستئناف المفاوضات مع إيران بخصوص الاتفاق النووي في نفس الوقت الذي تجمد به بيع أسلحة لحلفاء أميركا.  

فكل هذه القرارات كانت مؤشرات خطيرة تفهم من قبل الخصوم أن الولايات المتحدة تبيع حلفاءها بسهولة وتكافئ خصومها، وكذلك توضح مدى الانشقاق في السياسة الخارجية الأميركية بين الحزبين.

فأول ما قامت به إدارة بايدن هو إلغاء كل ما قامت به إدارة ترامب، وبالتالي هذا الانقسام الحزبي الكبير من شأنه أن يستغل من الخصوم ويشدد من مواقفهم وعدائهم.  

وبالفعل هذا ما شاهدناه من زيادة اعتداءات الحوثي وكذلك من تعنت الطرف الإيراني في المفاوضات وهو الذي أدى إلى انتخاب تيار متشدد متمثل بشخص إبراهيم رئيسي، الذي كان عضوا في "لجنة الموت" عام 1988 وكان له دورا بارزا في قرارات إعدام نحو 30 ألف شخص من السجناء السياسيين في أخطر انتهاك لحقوق الإنسان.

ونتيجة لذلك، فإن سياسة الدبلوماسية القصوى، أو بالأصح سياسة الاسترضاء، التي تمارس الآن في عهد جو بايدن على الأنظمة المؤدلجة والميليشيات التابعة لها لم تقدم أي حلول، بل زاد العنف والاضطراب في المنطقة.

إن إدانة الولايات المتحدة لهجمات الحوثيين على الإمارات أمر جيد لكنه لا يكفي، فلولا سياسة الاسترضاء التي مارستها إدارة بايدن تجاه الحوثيين وممولهم النظام الإيراني لما حدثت هذه الاعتداءات ولفكروا كثيرا قبل الإقدام على أي فعل عدواني، ولما خرج المتحدث باسم الحوثيين، محمد عبد السلام، بكل وقاحة من طهران ليبارك العدوان مع التزام إيران الصمت رسمياً وكأنها راضية عما حدث فعلياً.

إن ردة فعل إيران تثبت أن السياسة الدبلوماسية لا تنفع مع نظام مؤدلج، فبالرغم من زيارة مستشار الأمن الوطني الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، إلى طهران وسعي الإمارات للانتقال إلى علاقات إيجابية إلا أن إيران سمحت للحوثيين باستهداف الإمارات، لأن العدوان وسيلة النظام الإيراني المؤدلج في إدارة علاقاته الخارجية خاصة مع دول الخليج، فالكويت مثلاً لم تسلم من تدخلات إيران وميليشيا حزب الله اللبناني، رغم علاقتها الجيدة بإيران.   

فلو استمرت سياسة الضغوط القصوى الأميركية على إيران والميليشيات التابعة لها، لما احتاجت أميركا مساعدة الإمارات في إسقاط الصاروخين الباليستيين اللذين استهدفا البلاد وتدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في اليمن.

لذلك فلو كانت إدارة بايدن جدية فعلاً في إدانة العدوان الحوثي على الإمارات، عليها أن تقوم بتنفيذ الخطوات التي أكد عليها يوسف العتيبة، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في الولايات المتحدة، وهي وقف التدفقات المالية والأسلحة من داعمي الحوثيين (النظام الإيراني) وإعادة إدارة بايدن الحوثيين إلى القائمة الأميركية للجماعات الإرهابية الأجنبية. 

فعلى الإدارة الأمريكية الحالية أن تتوقع كلما زاد نجاح الاستراتيجية الإماراتية في اليمن بدحر الحوثيين من خلال دعم ألوية العمالقة العسكرية الجنوبية، من المرجح أن يزداد عدوان الحوثيين على الإمارات.

فما قام به الحوثيون من عدوان ضد الإمارات بسبب حاجتهم للتغطية على هزائمهم في شبوة ليتم تضخيمها واستغلالها إعلامياً لبث الثقة والحماس بين قواتهم. فهل ستكتفي هذه الإدارة بالتنديد أو المساعدة بصد صاروخين؟

لذلك تتجه الأنظار الآن نحو واشنطن لترقب ما إذا كانت ستعلن إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية، فهل ستقدم إدارة بايدن على هذه الخطوة أم أنها تخشى أن يؤثر ذلك على المفاوضات مع إيران؟ هنا سيتضح ما إذا كانت هذه الإدارة على قدر المسؤولية باتخاذ القرارات الحازمة في شأن الأمن الدولي أم ستكتفي بالتصريحات والإدانات والاستمرار بسياسة الدبلوماسية القصوى والاسترضاء التي أثبتت فشلها مع الأنظمة المؤدلجة والميليشيات التابعة لها.  

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.