سعد الحريري أعلن عدم ترشحه للانتخابات المقبلة
سعد الحريري أعلن عدم ترشحه للانتخابات المقبلة

ثلاثة عقود، أو أزيد قليلاً، هي عمر "الحريرية السياسية"، تناصَفَها الحريري الأب والأبن...تميز شطرها الأول، بالصعود والتمدد وصولاً إلى النهاية التراجيدية لرفيق الحريري...فيما غلب على شطرها الثاني، النكوص والانحسار، إلى "تعليق" الحياة السياسية لسعد الدين الحريري في خطبة وداع عاطفية خلّفت من الأسئلة أكثر مما وفرت من الأجوبة عن مستقبل العائلة والطائفة ولبنان...الحريري الأب سطر بدمه نهاية حقبة صعوده، والحريري الابن سطر بدموعه نهاية حقبة هبوطه...وفي كلتا الحالتين، رسم الحريريون صورة "البطل التراجيدي" ونهاياته المأساوية المنتظرة. 

في فهم صعود الحريرية وهبوطها، ليس الأمر منحصراً فقط، في الفوارق الشخصية بين الأب وابنه، على أهمية هذه الفوارق التي لا مجال لنكرانها...ثمة سياق مُفارِق، مكّن الأب مما حُرِم منه الأبن، إن أردنا للتقييم أن يكون موضوعياً، ومنصفاً قدر الإمكان. 

دخل الحريري الأب، معترك الحياة السياسية اللبنانية في مختتم الحرب الأهلية، نهاية ثمانيات وبداية تسعينات القرن الفائت...وغالباً من بوابة "إعادة الإعمار" و"التعافي الاقتصادي"، وسجل نجاحات لا ينكرها إلا جاحد، برغم ما قيل، ويمكن أن يقال، عن فسادٍ وإثراء غير مشروع، وتعدٍ على حقوق الآخرين و"زبائنية" صاحبتها...الحريري الابن، يغادر مسرح السياسة فيما البلاد تكابد تداعيات الفساد والإفلاس وانهيار العملة الوطنية وتآكل الخدمات وتفشي الجوع والفقر والفاقة والمرض...ثلاثون عاماً على الحريرية، جاءت خواتيمها مرة للغاية، والعبرة دائماً في النهايات والخواتيم، مع أنه من الظلم، ردّ المسؤولية عن الفشل والانهيار للحريرية، فثمة أطراف أخرى، ضالعة من الرأس حتى أخمص القدمين في هذه المسؤولية. 

يومها كانت الرياض تخوض حرباً ضروس ضد عراق صدام حسين الذي غزا الكويت، لم تكن إيران في موقع العدو الأول، أو "الدولة الراعية للإرهاب والمزعزعة للاستقرار"، وكان الأسد الأب، حليف الملك فهد في "تحالف حفر الباطن"، وحافظ الأسد، رجل المقايضات والتسويات الكبرى، ذهب إلى حفر الباطن بقوة رمزية، وحصل في المقابل على رأس ميشيل عون، ومن بعده سمير جعجع، فدان له لبنان بقرار دولي، أشرف على نسج خيوطه جيمس بيكر، وبرضى سعودي – مصري (اللقاء الثلاثي). 

جاء الحريري الأب، إلى لبنان، مسلحاً بالثقل السعودي، وحلقت الحريرية السياسية بجناحين: سوري وسعودي، أو ما سيختصر لاحقاً بمعادلة "س – س"...لم يكن في لبنان زعيماً بوزنه، لا في الطائفة السنية ولا على المستوى الوطني، إن باقتداره المالي أو بعلاقاته العربية والدولية الراسخة...عون في منفاه الباريسي المديد، وسمير جعجع يتحضر لدخول زنزانته في سجن اليرزة لعشرية من السنين، أما الزعامات والبيوتات السنية، فقد توارت خلف عباءة رفيق الحريري الواسعة. 

في تلك الأثناء، كان حزب الله يبني بهدوء وخلف الأضواء، عناصر قوته واقتداره...وضع نفسه خارج المعادلات والحسابات اللبنانية الداخلية، وكرس أولوياته لمقارعة الاحتلال الإسرائيلي للبنان...لم يكن أمراً كهذا يستفز كثيراً من اللبنانيين، طالما أن معارك حزب الله، تساعد لبنان على استرداد ما هو له، من حقوق وسيادة وتراب وطني، وصولاً للخامس والعشرين من أيار 2000، حين أصبح الجنوب على موعد من التحرير. 

لم يكن صعباً على الحريري الأب، أن يدير علاقاته بحزب الله بطريقة يمكن احتمالها، لبنانياً وعربياً ودولياً، إيران كانت بعيدة نسبياً عن الصورة، وسوريا هي المتحكم بالمشهد اللبناني، وهي المتحكمة أيضاً بوتائر ومستويات الخلافات الداخلية أو الصراع مع إسرائيل، أو حتى بمستوى وسوية علاقة الأطراف اللبنانية بإيران، يومها لم تكن لطهران الكلمة الفصل، لا في دمشق، ولا في بيروت. 

على أن مهمة الحريري لم تكن سهلة، لا مع دمشق، ولا مع منظومتها الأمنية في لبنان، ولا مع حلفائها ومريديها، فكانت العلاقة تمر بمراحل مدّ وجزر، صعود وهبوط، تقبل المشاركة الكثيفة، ولا تستبعد الاستنكاف والمقاطعة...لكن العلاقة ظلت من النوع القابل للتسيير والترتيب والاحتواء. 

هذا الوضع لم يتوفر للحريري الأبن، فهو علاوة على "قلة خبرته" في الشأن السياسي والعام، وجد نفسه في العام 2005، أمام زعامة على صفيح ساخن، حتى أن رحيل والده المأساوي، كان تعبيراً عن نهاية حقبة وبداية أخرى...كان عراق صدام حسين قد سقط في قبضة الاحتلال الأمريكي...وكان "الهلال الشيعي" قد بدأ يبزغ في سماء المنطقة، تحول العراق من سدّ في وجه إيران إلى جسر لعبورها إلى شواطئ المتوسط، كان حزب الله قد أنجز التحرير، وبدأ يولي اهتماماً متزايداً بالداخل اللبناني، مثيراً القلق والتحسب، كانت حرب تموز 2006 إيذاناً بدخول لاعب جديد على ساحة الصراع مع إسرائيل ومن أوسع البوابات: لبنان، وكان فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية، شاهداً على العصر الإيراني الوشيك، لتأتي بعدها أحداث 7 أيار في بيروت (2008)، وقبلها انقلاب غزة (يونيو 2007)، لتكتمل الصورة. 

لن يمضي وقت طويل، حتى تندلع ثورات الربيع العربي، ويتردد صداها في أحياء دمشق، لتتطور الأزمة السورية وتتعقد، جالبةً إلى ساحاتها وميادينها، إيران وحزب الله سواء بسواء...سوريا التي فقدت نفوذها المهيمن في لبنان بعد اغتيال الحريري الأب، ستجد نفسها في قبضة نفوذ إيراني طيلة سنوات أزمتها الممتدة منذ العام 2011...وسرعان ما سيفقد طائر الحريرية السياسية أحد جناحيه، فلم يعد قادراً على التحليق لمسافات طويلة، وبدا أن القول باستبدال معادة "س – س" بمعادلة "س – إ"، قولاً ساذجاً بامتياز...فالشقة بين طهران والرياض، لم تتسع فقط على أسس مذهبية، بل ستتعمق لاعتبارات جيو-استراتيجية وجيو-أمنية وتحديداً مع اندلاع الحرب في اليمن وعليه، وعلى خلفية "حروب الوكالة" في أكثر من ساحة عربية. 

لم تتوفر للحريري الأبن، الفرصة لإبرام تسويات وعقد مقايضات بين الرياض وطهران، كما توفرت الفرصة لوالده مع كل من سوريا والسعودية، كل ما أتيح له، صياغة "تهدئات" وهدنات" مؤقتة، من اتفاق الدوحة، إلى التسوية التي جاءت بميشيل عون رئيساً وبه رئيساً للحكومة...لا مطرح لتحولات كبرى واستراتيجية بحجم اتفاق الطائف، فالشقة بين إيران والسعودية، لم تعد قابلة للتجسير. 

وسيشهد العام 2015 تغييراً جذرياً في تركيبة القيادة في السعودية، تنتهي معه صلاحية "النمط السعودي" في إدارة الأزمات...ستُشن "عاصفة الحزم" على اليمن، وستُحاصر قطر، وسيرتفع شعار من ليس معنا فهو ضدنا، وسيبلغ الصراع مع إيران حد التهديد بنقل الحرب إلى داخلها...لم تكن لسعد الحريري فرصة مواتية يوماً، لمفاتحة ابن سلمان "بالخصوصية" اللبنانية، بل وسيتعرض هو نفسه، للاختطاف والاعتقال (ويقال التعذيب)، وسيجبر على تقديم استقالته على الهواء مباشرة من الرياض، وسيتكثف العمل لخلق بدائل له من داخل عائلته (بهاء) أو من خارجها، وسيصبح معيار القرب أو البعد عن المملكة، ينحصر في رفع لواء الحرب على حزب الله، ودون ذلك، لا معنى له ولا قيمة في عرف القيادة السعودية الجديدة. 

داخلياً، بدت الساحة خالية للحريري الأب، وأمكن لعلاقته بالرياض "تحييد" النفوذ المهمين لسوريا في لبنان، غالباً وإلى حد كبير...أما الحريري الابن، فقد بدأ ولايته بعودة "التسونامي" ميشيل عون، والإفراج عن السجين الأشهر سمير جعجع، وتفلّت قيادات سنيّة لم تجد عند سعد ما فقدته برحيل رفيق، وسيكون الثنائي الشيعي قد عزز نفوذه المهيمن المهمين داخل الطائفة الشيعية وخارجها كذلك. 

عائلياً، بدا أن زلزالاً قد ضرب بيت الحريري في العام 2017، عندما طلب ولي عهد السعودية من أفراده "مبايعة" بهاء، وهو مصطلح ينتمي للقاموس السعودي وليس اللبناني...وبدا أن الحريرية السياسية مهددة بالانقسام من داخلها، بعد عقد من رحيل مؤسسها وخيمتها، الذي توزعت ثروته بين الورثة المتنافسين، ليفقد سعد على نحو خاص، الجزء الأكبر منها، في ظل انسداد قنوات الدعم والتمويل السعودي والخليجي، والمال في لبنان، أكثر من غيره، صنو السياسة ومحركها. 

في خطبة الوداع الباكية، عدد سعد الحريري أبرز المحطات التي أرغم فيها على التنازل وتقديم التسويات، بدءاً من 7 أيار، وحتى تعديل قانون الانتخابات الأخير...ومن يرجع لها جميعها، يرى أنها عائدة لزيادة النفوذ الإيراني في لبنان كما قال شخصياً، والذي حلّ محل النفوذ السوري فيه بدءاً من العام 2005، رحيل القوات السورية عنه...بيد أن ما لم يقله الحريري، ولم يكن منتظراً منه البوح به، هو ما الدور الذي لعبته السعودية بقيادة ابن سلمان، في إحراجه وإخراجه، بل وكيف انتهت السياسة السعودية في لبنان إلى ترك البلاد لقمة صائغة للنفوذ الإيراني، وكيف يمكن لدولة بحجم المملكة أن ترتضي بحلفاء هي تعرف قبل غيرها، أنهم أضعف من أن يحملوا مشروعها أو أن يفوا بوعودهم المقطوعة لها؟ وأنهم منقسمون على أنفسهم، تسود علاقتهم غريزة "نهش القطط"؟ ... كيف يمكن تفسير كل هذا الفشل في إدارة الأزمة اللبنانية، حتى من منظور المصالح والحسابات السعودية الإقليمية الأوسع؟  

كيف سينتهي الأمر بالحريرية والطائفة ولبنان بعد كل هذه التطورات؟ ... سؤال رهن بالتطورات خارج لبنان وليس داخله، على ما يبدو، طالما أن اللاعبين اللبنانيين ارتضوا تحويل بلادهم من وطن إلى ساحة، وقبلوا على أنفسهم، أن يكونوا رؤوس جسور للخارج نحو الداخل...سؤال ربما نجد جواباً عليه، في قناتي حوار سالكتين بصعوبة: واحدة في فيينا حول "نووي إيران"، والثانية في بغداد بين طهران والرياض...وإلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، علينا ألا نسقط من حساباتنا احتمال أن يفاجئنا القدر بواحدة من "سخرياته"، كأن يفضي الانفتاح العربي على سوريا، وإن بعد حين، للعودة مجدداً إلى معادلة "س – س"، بالحريري سعد أو بهاء أو من دونهما. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.