Russian mechanized infantry holds drills in the Rostov region
حشدت روسيا نحو 100 ألف جندي بالقرب من الحدود مع أوكرانيا

عندما تكون القضية مسألة أمن قومي، تحتاج التسوية إلى معجزة، ولأننا لسنا في زمن المعجزات ولا الزعماء التاريخيين، لذلك يمكن القول إننا في مرحلة يحاول فيها بعض القادة صناعة الأحداث حتى لو كانت مأساوية بهدف حجز مكان لهم في التاريخ، وهذا ما قد يجعل من أوكرانيا مسرحا لصناعة تاريخ أوروبي جديد، كما كانت تشيكوسلوفاكيا حيزا لصناعة تاريخ أوروبي دموي.

حتى الآن، فرصة التسوية بين الروس والغرب شبه معدومة والسبب انعدام الثقة بينهما، فكلاهما غير قادر على التراجع، وأي خطوة ولو واحدة إلى الوراء أشبه بهزيمة ستكون سببا لهزائم متلاحقة، لذلك باتت المواجهة ممكنة، كونها بالنسبة لأحد الأطراف شرعية وجودية.

روسيا الصاعدة عسكريا واستراتيجيا باتت ترفض الالتزام بمخرجات الحرب الباردة وانتصار المعسكر الغربي، أو القبول بالأحادية القطبية، وتطالب من خلال الورقة التي قدمتها لواشنطن وبروكسل بالعودة إلى توازنات نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يعني ليس فقط استعادة سلطتها على الفضاء السوفياتي بل الهيمنة على المجال الحيوي السوفياتي، أي عودة المعسكر الشرقي، ومن أجل تحقيق ذلك اختارت المواجهة.

المعضلة أن الحشود الروسية على الحدود الأوكرانية وورقة المطالب بانسحاب الناتو من دول أوروبا الشرقية، لا تعيد الأزمة الأوروبية إلى سنة 1945، بل أنها تعيد إلى ذاكرة الأوروبيين السيناريو الأسوأ وهو السنوات التي سبقت بداية الحرب العالمية الثانية، أي ما بين 1937 و1939 وبالتحديد أزمة إقليم السوديت التشيكوسلوفاكي حيث الأغلبية ألمانية، وقرار أدولف هتلر استعادته، حيث تذكر الوثائق التاريخية أن زعماء أوروبا اجتمعوا في ميونخ 1938 لثنيه عن احتلال تشيك، رضخوا لمطالبه ولكنهم نجحوا فقط في تأجيل الحرب، لأن طبيعة الرايخ الرابع في تلك المرحلة لا تختلف عن طبيعة السلطة في روسيا، حيث كانت القيادة العسكرية الألمانية تريد أن تنتهي من التزامات ما بعد الحرب العالمية الأولى والانتقام من النظام الغربي الذي عاقب ألمانيا، كما يفكر الكرملين الآن في رفض هزيمة 1991 والانتقام من هزيمة المعسكر الشرق والنظام العالمي الجديد.

لذلك ما حدث في اجتماع ميونخ سنة 1938 ما بين هتلر وموسوليني ورئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين والفرنسي دلادييه، وبغياب صاحب العلاقة (التشيك)، لن يختلف عن أي اجتماع يعقده أو سيعقده القادة الغربيون مع القيادة الروسية، حيث من الصعب أن يلتزم الكرملين بأي اتفاق أو تعهدات، بعدما وضع ورقة شروط صعبة أشبه باعتراف غربي بهزيمة لم تحدث. خصوصا أن إقرار الأوروبيين بضم إقليم السوديت 1938 لا يختلف عن إقرارهم الضمني بهيمنة الروسية على إقليم دونباس 2014، والأولى كانت ذريعة لاحتلال كامل التشيك والآن تواجه أوروبا تهديدا باحتلال كامل لأوكرانيا.

عمليا تعيد مخاطر الغزو الروسي لأوكرانيا نهاية إرث النظام العالمي الجديد، وستفرض على الدول الغربية المواجهة، دفاعا عن قيمها وارثها، أمام قوة استبدادية غير معنية في رأي عام داخلي ولا في صناديق الاقتراع، وهذا ما يفرض على الولايات المتحدة مقاربة أخرى تقرض عليها الاختيار ما بين الإمبراطورية والديمقراطية، حيث من الصعب على أي مقيم في البيت الأبيض بعد الآن أن يحدد موقع بلاده على الساحة الدولية إذا ما لم يتخذ قرارا مفصليا في موضوع أوكرانيا.

من سوديت إلى دونباس لا يختلف تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن أن موسكو لا تريد الحرب في أوكرانيا، وترك الباب مفتوحاً أمام احتمال عقد جولات إضافية للحوار مع الغرب عن المهلة التي أعطتها برلين النازية للزعماء الأوروبيين بعد قمة ميونخ  1938 إلا في الفارق الزمني بين أزمتين متشابهتين، الأولى أدت إلى حرب عالمية والثانية قد تتسبب بحرب إقليمية، فبوتين الذي اقتطع إقليم دونباس كما فعل هتلر بإقليم السوديت بات ممكنا أن يتوغل في أوكرانيا كما  قام هتلر باحتلال كافة تشكولسوفاكيا بعد سنة من استحواذه على سوديت، وبالعودة إلى ردود بوتين على الوثيقة التي قدمتها واشنطن قبل أيام لا توحي تراجعا روسيا عن المطالبة بالالتزام بكافة الضمانات الأمنية، حيث يستهلك بوتين الوقت في أحاديثه مع القادة الأوروبيين وفي اجتماعات مجموعة النورماندي ولجنة مينسك، لكنها لا تثنيه عن هدفه وهو العودة إلى تفاهمات 1997 مع الناتو والتي من خلالها يعيد إحياء إرث نهاية الحرب العالمية الثانية وإلا...
 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.