صدام حسين - إعدام - ذكرى
أغلبية من موالي صدام السابقين لايزالون يبدون إعجابهم بطروحاته وسلوكياته السابقة على الرغم من كونهم من ضحاياها السابقين.

تشكل البيئات الاجتماعية داخل المخيمات وما شابهها من الأماكن المحطمة، وفي مختلف أنحاء منطقتنا، مادة خصبة للتعرف على نوعٍ خاص من الوعي التراجيدي لأبناء بلداننا، القائم على ثنائية ذات بُعد تراجيدي: من طرفٍ، ثمة نوع خاص من الأفكار والمقولات الشمولية، التي كانت سبباً أولياً وجوهرياً في محق كل أشكال الحياة الخاصة بهؤلاء الضحايا، ومن طرف آخر ثمة ارتباط وإصرار أسطوري لهؤلاء الضحايا على الإيمان والولاء والتمسك بهذه الأفكار والمقولات والأدوات، حتى أنهم لا يملكون أدنى درجات النقد أو حتى التفكير بنسبيتها. 

ثمة نماذج لا حصر لها عن تلك الثنائية. إذ أظهرت نسبة واضحة من "العرب السُنة" السوريين خلال الأسابيع الماضية تعاطفاً واضحاً مع سجناء تنظيم داعش الذين تمردوا داخل سجن مدينة الحسكة، بالرغم من أن هؤلاء "العرب السُنة" السوريين كانوا أكثر ضحايا مجرمي تنظيم داعش هؤلاء. قبلها بوقت قصير كان العراقيون قد انتخبوا نفس التيارات السياسية، بخطاباتها وآليات عملها ومشاريعها وطروحاتها السابقة، بالرغم من كونها هي نفسها التي حطمت حياتهم، حتى أنها حولتهم إلى مُجرد سكان مخيمات. 

انطباعياً، يمكن التوصل إلى نماذج وأمثلة أكثر مباشرة ووضوحاً عن ذلك: مثلاً ما هي نوعية الأفكار التي يحملها سكان مخيمات الشمال السوري عن موضوعي "الدولة المركزية" و"الإسلام السياسي" راهناً، الموضوعان اللذان محقا بالتعاضد فيما بينهما كل شكل لحياة سكان المخيمات هؤلاء. أغلب الظن ستظهر الغالبية منهم توقاً لذلك الموضعين، مقابل رفض أي نوع من الحكم الذاتي لأكراد سوريا أو علويها أو دروزها لو طُرح الأمر مثلاً، ولرفض نظام سياسي ذو ملامح علمانية كمثال آخر.

في كل تفصيل آخر من الحياة العامة والفكرية لهؤلاء الضحايا، يمكن العثور على نماذج مشابهة لتلك الحالات. فعلى الدوام ثمة مجموعات من الضحايا، من الذين حطمت الأفكار والرؤى والإيديولوجيات الشمولية الكبرى حيواتهم ومستقبلهم، لكنهم لايزالون يوالون تلك الأفكار ويؤمنون بنجاعة وصحة مؤداها، يتمسكون ويؤمنون بها، بالرغم من كل الذي فعلته بهم. 

تملك هذه التراجيديا جذراً تاريخياً في منطقتنا، الناصريون بقوا مغرمين بالناصرية لوقت طويل، وكثيرهم لايزال، بالرغم من فظاعة ما فعلته الناصرية بكل تفاصيلها بهؤلاء. الصدامية البعثية كانت نموذجاً آخر لذلك، فأغلبية واضحة من موالي صدام السابقين، لايزالون يبدون إعجابهم بطروحاته وسلوكياته السابقة، على الرغم من كونهم من ضحاياها السابقين، أو ما يشابهها راهناً. حزب الله نموذج حاضر راهناً، يدفع المؤمنين به نحو الهاوية، لكنها في كل لحظة يزدادون ولهاً به. 

ثمة نوع من التفسيرات الفوقية لهذه الظاهرة، مطروح من قِبل النُخب السياسية والثقافية لهذه الجماعات. تقول تلك التفسيرات من طرف إن هذا النوع من الاستمرار في الولاء والإعجاب إنما هو نتيجة ما مورس على الضحايا هؤلاء من ضخ دعائي من قِبل هذه التنظيمات، سيطروا عبرها على مشاعر وأدوات تفكير هؤلاء الضحايا. كذلك يفسرون الظاهرة بغياب البديل، القادر على احتلال المكانة التي لهذه الأفكار والإيديولوجيات الكبرى. 

تبدو تلك التفسيرات فوقية وغير ذات عمق، لأنها تغض النظر عن 3 ديناميكيات واضحة في هذا النوع التراجيدي من وعي الضحايا. 

تغض تلك التفسيرات الطرف عن سيادة الأفكار العصبوية المضادة للآخر التي تبناها هؤلاء الضحايا، حيث تلك العصبوية ذات مقام وسطوة على غيرها من الأفكار "التعايشية" بما لا يقاس. 

فمثلما يتمسك الصداميون والناصريون بأفكارهم القديمة، وإن كانت تُحطم حياتهم، لكن فقط كي لا يقدموا تنازلاً واحداً لأبناء الجماعات والهويات الأخرى، فإن أغلبية واضحة من العرب السُنة في سوريا مثلاً مستعدة للإعجاب بتنظيم كداعش، فقط لأنه قادر على توجيه أذية جارحة لنظرائهم من المجموعة الكردية، وهكذا. 

مناهضة الآخر ومحاولة تحطيمه هي الفكرة الأكثر حضوراً وشمولاً في الذات الجمعية لمختلف أبناء المنطقة، هذه المناهضة العصبوية هذه هي الترسانة الأكبر والأكثر شكيمة، التي يتزود منها الضحايا بأفكارهم ومواقفهم وخياراتهم، حتى لو كانت تلك الترسانة طريقاً يؤدي بهم إلى التهلكة. ذلك النوع من التفكير الذي يجمع سذاجة أفكار القبيلة بعنف التطرف القومي، ودون أية التفاتة إلى ما قد تُحدثه من فداحة لذات الضحايا وحياتهم.

أما الديناميكية الثانية، فمرتبطة بما يُمكن تسميته بـ"سوء الهزيمة" وتعكر الوعي بها.

فهؤلاء الضحايا، وبالرغم من كل الذي طالهم من أهوال، إلا أنهم متأكدون في باطن وعيهم بأن ذلك لم يحدث لعطب فيما يعتقدون أو يؤمنون به، بل لمؤامرة ما، خارجية دوماً، تسعى لتحطيم ما يعتقدون بأنها "أفكارهم العظيمة".

فالهزائم مثل غيرها من الأشكال الوعي، لا تتمركز وتنشط في ذوات المنخرطين والخاضعين لها لمجرد حدوثها، بل تحتاج لنوع خاص من العمل الدؤوب والشجاع، ينتجه المثقفون والمعرفيون وأعضاء النخب السياسية من أبناء هذه الجماعات، الذين من المفترض أن يواجهوا ويقولوا لهؤلاء الضحايا، وبشجاعة متناهية، بأن الهزيمة حدثت لهذا العطب الذاتي تحديداً، وإن الهزيمة لا يمكن تجاوزها دون تجاوز هذا العطب بجوهره. 

المثقفون الألمان واليابانيون فعلوا كثيراً في أواسط القرن العشرين، لذلك أنتجت هزائمهم شيئاً خاصاً من التجاوز، فيما لم تنتج هزائم منطقتنا إلا مزيداً من مراكمة الاستقطاب والإصرار التراجيدي على إنتاج نفس الأسس والأسباب. 

أخيراً، فإن هذا الوعي التراجيدي هو كشف للجانب الشاعري البطولي والذكوري في الذات الجمعية لأناس منطقتنا، تلك الجوانب التي تراكمت طوال عقود وقروناً كثيرة، التي أفرزتها نوعيات مختلفة ومتعاونة من الخطابات الدينية والسرديات القومية، حتى أنها صارت ذات مركزية وقداسة خاصة في هذه الذات الجمعية. 

لا تشبه تلك التفاصيل الشاعرية والذكورية والبطولية نوعية الأفكار الطبيعية الأخرى، بل تشغل مكانة تداخلية وارتباطية بوعي هؤلاء الأناس لذواتهم وهوياتهم، وصار التخلي عنها بمثابة تخلٍ عن الذات والهوية نفسها. لأجل ذلك، لا يُمكن محوها إلا عبر بنى تعليمية وثقافية طويلة الأمد، وحيث أن هذه هي مفرزات الاستقرار المديد، الذي يبدو بعيداً أكثر من أي شيء آخر.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.