People sit in a promenade at the Bosphorus in front of the Suleymaniye mosque, background, as the sun sets in Istanbul, Friday,…
يُنْكِر بعض المسلمين وجودَ رجال الدين في الإسلام.

منذ الفجر الأول للإسلام، وإلى اليوم، قام ـ ويقوم ـ رجالُ الدين في الإسلام بدور محوري في تشكيل أنماط الوعي السائدة على امتداد العالمين: العربي والإسلامي. الوعيُ الجماهيري المُكتسِح لكل النُتُوَءات الطارئة، كان يقوده رجال الدين، ويُسْهِمون إسهاما حاسما في تحديد محتواه المعرفي والنفسي، حتى وإن كانوا ـ في البداية أو في النهاية، أو في كليهما ـ واقعون تحت سيطرة العُرف الثقافي السائد الذي يشتغلون في حدوده، أو هم واقعون سيطرة التوجيهات المؤسساتية المباشرة التي كانت تدرك دورهم في الأرقام الصعبة لمعادلات القوة؛ تبعا لدورهم الكبير في التأثير على الجماهير.

قد يُنْكِر بعض المسلمين (ومنهم رجال دين !)، وجودَ رجال الدين في الإسلام؛ بدعوى تَميّز/ تفرّد الإسلام عن غيره من الأديان بأنه خطاب من الله إلى البشر مباشرة؛ دونما وسيط كهنوتي. أي أن المسلم مرتبط بنص مقدس/ نصوص مقدسة، تربطه مباشرة بالمتعالي/ اللاّبشري، فيما هو ـ حينئذٍ ـ يتساوى مع الآخرين أمام هذه النصوص. 

ادعاء التّميّز/ التفرّد هذا، قد يُصَدِّقه أولئك الذين يرون مجرد الادعاء دليلا قائما بذاته. لكن الإسلام كأي دين، يقوم على الخطاب اللاهوتي فيه رجالٌ مُتَخَصِّصُون أو شبه مُتَخصِّصين. الادعاء شيء، والواقع شيء آخر. 

فالجماهير(ويطلق عليهم رجالُ الدين الإسلامي: العوام، ويقصدون بذلك: غير المختصين بالخبرة الدينية؛ حتى ولو كان غير المختص عالِما في مجال آخر) لا تَأخُذ معرفتَها الدينية الأولية، ولا تصورها الديني العام، ولا الافتاء، ولا الإرشاد؛ من النص المقدس مباشرة، بل عبر وسيط كهنوتي، كانت "وساطته هذه" هي السبب المباشر لإنتاج عشرات الألوف من الكتب في المعرفة الدينية عبر تاريخ الإسلام الطويل.  

إذن، من الواضح أن منكري وجود "رجال الدين" في الإسلام من المسلمين، لا يخرجون من الباب إلا لكي يدخلوا من النافذة، إذ هم يعترفون، بل ويؤكدون على وجود "عُلماء دين" يمتهنون ـ احتكارا ـ تفسيرَ الدين، والإفتاء فيه، والدعوة إليه، والوعظ والإرشاد له، وإقامة الطقوس، بل ويُطالِبون الجماهيرَ بالعودة إليهم، والأخذ عنهم، وأنهم "الأمناء على الدين" و "أهل الذِّكر" و "وَرَثة الأنبياء"...إلخ العبارات التي تؤكد وجود طبقة خاصة تمتهن وتحتكر وظائف خاصة، لا يجوز ـ وفق دعواهم ـ لبقية الناس امتهانها إلا بعد مرحلة طويلة من التأهيل الكهنوتي الخاص. وطبعا، هذا التخصص والاحتكار على المستويين: النظري والعملي، هو منهج ومظهر ودور/ وظيفة رجال الدين في كل دين، ومحاولة استبدال الأسماء المُصْطَلحية الشهيرة بأسماء أخرى للظاهرة نفسها لا يُغَيّر من حقيقة الأمر/ المُسَمَّى شيئا.

نعم، في البدايات الأولى للإسلام، لم تكن طبقة "رجال الدين" قد تميّزت عن بقية الأطياف الفاعلة في المجال الحيوي الذي تشتغل فيه. في البدايات كانت المعرفة الدينية، مُضَافا إليها الاستقامة السلوكية، هي التي تُحَدِّد موقع/ مكانة الإنسان في المجتمع الإسلامي. وليس هذا في المجال الديني الذي لم يكن يَتميّز بصورة واضحة عن المجال الدنيوي فحسب، بل في كل المجالات، إذ رجال السلطة السياسية (= أولو الأمر)، على اختلاف مراتبهم ومواقعهم كانوا هم ـ في الوقت نفسه ـ رجال المعرفة الدينية والاستقامة السلوكية؛ كما يتصورها المجتمع الإسلامي آنذاك، أقصد: في الفترة التي شَكَّلَت العقودَ الثلاثة التي تَلت وفاة رسول/ نبي الإسلام ـ ص ـ.

كان خلفاء الرسول الأربعة، ورجال الشورى، والمقربون من السلطة، والقيّمُون على سلوكيات الناس العامة، هم ـ في الوقت نفسه ـ رجال المهام الدينية، بل وكانت ممارساتهم المدنية تتم من خلال صفتهم الدينية، ليس على سبيل الامتزاج/ التداخل المقصود، بل على سبيل الاتحاد المبني على حقيقة أن الدولة الناشئة/ المجتمع الناشئ إنما قام بالدين، وعلى مبررات الدين، وبالتالي، فالصفة الدينية إذ تُعَبِّرُ عن صفة الدولة، إنما كانت تعبر ـ بشكل آلي ومباشر ـ عن صفة القائمين عليها، افتراضا؛ وِفْقَ الاعتراف المجتمعي العام، و واقعا؛ في حدود ما وقع حتى عام 41 للهجرة.

لكن، ما حدث بعد الانقلاب الأموي عام 41هـ، والذي بدأ قبل ذلك بخمس سنوات ـ بصورة فرعية ـ، هو أن الانفصال التام بين المكانة المعتبرة اجتماعيا لـ"المعرفة الدينية+ الاستقامة السلوكية" وَقع في أعلى هرم السلطة، ثم ـ تبعا لذلك ـ في كل تفاصيلها. فالحاكم الجديد بعد 41هـ لم يكن يحظى بأي تقدير على مستوى المعرفة الدينية أو الاستقامة، بل ولا حتى السبق التاريخي في الإسلام، فيما هو يحاول امتطاء صهوة السلطة العليا في مجتمع يتوفّر على الألوف من ذوي السبق التاريخي، ومن ذوي الخبرة الدينية، ومن ذوي الاستقامة، وكثير من هؤلاء يحظون بالتبجيل الاجتماعي العلني والاعتراف الديني المشهود من رجال الإسلام الأوائل(= مصدر المشروعية)، بما يصبح معه الحاكم الأموي/ معاوية وكأنه طارئ نشاز على المسار الطبيعي المفترض في تصور عموم المسلمين آنذاك. 

في مثل هذه الحال، ماذا يفعل "رجل المعرفة الدينية + الاستقامة السلوكية" وقد أصبح معزولا عن أي دور في المراتب السلطوية للدولة الأموية؟ 

كانت السلطة تصدر ـ بشكل أو بآخر ـ عن رأي رجال الدين فترة الخلفاء الأربعة الأوائل، وفي النهاية، تقف محكمات النصوص حُجَجا لازمة بيد المتحدث بلسان الدين. بينما في الزمن الأموي، أصبح رجال المعرفة الدينية، والمكانة السابقة المُبجّلة اجتماعيا، مُهَمَّشين إلى أقصى درجات التهميش، رغم فتات المال الذي كان يتسرب إلى بعضهم على سبيل التهدئة أو الاسترضاء أو محاولة شراء الذمم بشكل صريح.

هنا، في تلك اللحظة الفارقة، أحس رجل المعرفة الدينية أنه أمام سلطة طارئة؛ ليس هو منها ولا هي منه. وفي الوقت نفسه، كان يشعر ـ وبشكل مباشر ويومي ـ أنه مُبَجَّل اجتماعيا؛ باعتباره خازنَ أسرار الدين، وباعتباره ـ بمسلكه التَّوَرّعي التّعفّفي ـ حارسَ أخلاقيات الاستقامة، تلك الأخلاقيات التي كانت السلطة الأموية تنتهكها باستمرار في وضح النهار. 

هكذا، بدأ يشعر رجل الدين بتميّزه عن السلطات الرسمية، وبتميزه إزاءها. وهو ـ إذ يشعر بذلك ـ ليس معدما من أي سلطة، هو ليس أعزلا تماما؛ مقابل مسلحين بالكامل، فنفوذه الاجتماعي راسخ، بل ويتزايد بالاطراد مع تزايد عسف السلطة واضطهادها لمعظم المكونات الاجتماعية، وخاصة فئة "الموالي" التي لم تكن "أموال شراء الذمم" تمتد إليها ولو بالفتات، كما كان عليه الحال مع رجال العشائر المتنفذين الذين كانوا يمثلون وحدات السلطة الصغرى.

هذا يُفَسِّر كيف أن جميع الثورات على الدولة الأموية إنما قام بها رجال دين أو دعمها ـ بشكل مباشر وحاسم ـ رجال دين. وفشلت كل هذه الثورات على امتداد تسعين عاما؛ حتى انتصرت الثورة العباسية بردائها الديني. ومع كل فَشلٍ، كان رجل الدين يلجأ إلى البعد الروحي/ المعرفي لتعويض خسارته، وحيث إن المعارك الفاشلة تُخَلِّف وَرَاءها مآسيَ كبيرة، وأحقادا مكتومة، وثارات مُؤجّلة، فقد كانت كل هذه تسهم في رفع أسهم رجل الدين ـ كملجأ أمين، وربما وحيد ـ للغضب الاجتماعي الذي يتراكم بفعل السياسات الغاشمة للأمويين.

كانت السلطة الأموية مرفوضة وممقوتة دينيا واجتماعيا على نطاق واسع. وفي المقابل، كان رجال المعرفة الدينية والاستقامة الأخلاقية مقبولين اجتماعيا على نطاق واسع. كانت السلطة الأموية تمتلك عناصر القوة المادية القسرية، وكانت سلطة رجال الدين تمتلك عناصر القوة الروحية المؤثرة عميقا في الحراك الاجتماعي. 

مَن هو الأقوى، خاصة وأن عناصر القوة تمايزت وتنوعت؛ بعد أن كانت ـ عهد الخلفاء الأربعة ـ متداخلة، ومتواصلة، ومتفاعلة؟ لا بد من مشهد مبارزة، لا بد مشهد استعراض للقوة، ولو بشكل عرضي. وهنا تأتي المناسبات العامة، وخاصة مناسك الحج؛ لِيُحاول المجتمع التعبير ـ بشكل ضمني ـ عن رفضه لمغتصبي السلطة من الأمويين، ولِيُحاول رجل الدين ومؤيدوه تأكيد نفوذهم المنافس لنفوذ رجال السلطة الرسميين. وهذا ما ينكشف من خلال "العبارات الموجزة" التي ترد في كتب التراث في تراجم رجال الدين، إذ تحكي أن الناس يتبعون عبدالله بن عمر في الحج ليستفتوه، وأن هؤلاء الناس بلغوا من الكثرة ما يفوق الذين التفوا حول الحاكم الأموي، وكذلك الحديث عن التفاف الناس حول التابعي/ عطاء بن أبي رباح، مقابل إهمالهم النسبي للحاكم الأموي/ سليمان بن عبد الملك...إلخ القصص الصادقة أو المتخيلة التي تحكي مشاهد ـ أكثرها غير مقصود بصورة واعية ـ لاستعراض القوة، ليس من قِبَل رموز/ أبطال الحكاية، بل من قبل أولئك الذين أخذوا على أنفسهم مهمة تسطيرها في تراجمهم، وأكثر هؤلاء هم من رجال الدين الذين كانوا يُحاولون تأكيد نفوذ أسلافهم مقابل السلطة في الماضي؛ لتأكيد نفوذهم هم أيضا، على سبيل المعنى السلطوي المتضمن في المشهد الاستعراضي. 

إن مشاهد المبارزة هذه، التي يصنعها ويستعرضها المخيال العام لرجال الدين ولأولئك المتعاطفين معهم، عَبَّرت عن نفسها بوضوح بعد سقوط الأمويين على يد الثورة العباسية التي تَلبّست لبوسَ الديني في البداية، ثم كشفت عن قناعها السلطوي المحض، على الأقل، إزاء/ مقابل رجال الدين الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى خارج نطاق السلطة تماما. وهنا نسمع وصف الإمام مالك بأنه كان يبدو في "هيئة سلطان"، أو أنه كان "مهيبا كسلطان"، أو أنه "أشبه بالسلاطين منه بالعلماء". بل ونسمع من يصف سفيان الثوري، أحد كبار رواة الحديث، بأنه كان "أمير المؤمنين في الحديث"، وربما وُصِفَ بهذا الفقيه/ عبد الله بن المبارك، وكان العز بن عبد السلام يُوصَف بأنه "سلطان العلماء"، تروي كتب التراجم التي كتبها في الغالب رجال الدين، مشاهدَ لِجُرْأة رجال الدين على السلاطين.  

هكذا يستعير رجل الدين ـ أو يُسْتَعار له ـ ألقاب السلطة الصريحة لتأكيد سلطته، لا سلطته هو كفرد، أي ليس سلطة مالك أو سفيان الثوري أو ابن المبارك أو العز بن بعد السلام...إلخ، بل سلطة "رجال الدين" كطبقة تُنَافِس رجال السلطة السياسية على مجال النفوذ/ عناصر القوة في المجتمع. 
وللحديث بقية في هذا السياق.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.