وكأنه يقرأ من نفس الكتاب الذي أستوحى منه والده الأفكار التي أبقته على رأس الحكم في تشاد لأكثر من 30 عاما، ها هو محمد إدريس ديبي يدعو الأحزاب السياسية والحركات المسلحة ومعارضو الخارج إلى حوار وطني تماما كما فعل والده بعد سنتين من وصوله إلى السلطة عبر تمرد مسلح أطاح بسلفه الدكتاتور الراحل حسين هبري أواخر عام 1990.
توسم التشاديون خيرا في المؤتمر الأول الذي سُمي بـ"المؤتمر الوطني المستقل" ونُقلت جلساته التي استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر عبر التلفزيون الرسمي والمحطات الإذاعية المحلية وفيه ناقشوا العديد من القضايا الجوهرية وعبروا عن آمالهم وتطلعاتهم في أن يفي الرئيس إدريس ديبي بوعوده في تحقيق السلام والتحول الديمقراطي والنهوض بالبلاد في جميع المجالات.
وبغض النظر إن كان ديبي الأب وقتها صادقا في نواياه أم مخادعا، فقد كانت دعوته إلى الحوار بادرة مهمة في تاريخ تشاد من أجل وضع حد للنزاعات وإرساء دعائم الديمقراطية التي أعلن ديبي في أول خطاب له بعد وصوله إلى السلطة أنها هديته إلى الشعب التشادي. وبعد مداولات مطولة تخللتها العديد من المداخلات الجريئة، صاغ المجتمعون بنود دستور عام 1996 الذي حدد للرئيس البلاد الحكم لفترتين رئاسيتين كحد أقصى إلا أن ديبي الأب، وقبل انتهاء فترته الرئاسية الثانية بعام قام بتعديل الدستور في عام 2005 ليجيز لنفسه الاستمرار في السلطة وهو ما كرره في عامي 2013 و2018 نفس السبب.
إجمالا، يمكن القول بأن ديبي الأب كان أكثر المستفيدين من الديمقراطية التي يدعي أنه من جلبها للشعب التشادي فقد استطاع ممارسة الاستبداد والتنمر على منافسيه والاستئثار بالسلطة لأكثر من ثلاثة عقود بآليات ديمقراطية.
والآن بعد رحيل ديبي الأب المفاجئ في شهر أبريل من عام 2021، يسعى نجله إلى تكرار ما فعله والده بالتشبث بالسلطة بعد أن نصب نفسه رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي وبدأ عهده بدعوة إلى حوار وطني أسوة بوالده.
لقد نجح محمد ديبي في اقناع الكثير من المعارضين بالعودة إلى البلاد من أجل المشاركة في الحوار الوطني القادم فيما يتفاوض حاليا من أجل إقناع قادة الحركات المسلحة للانضمام إلا أن الهوة بين الجانبين تبدو أعمق من أن تُردم بوعود فضفاضة وحوار لن يفضي إلا إلى اسباغ الشرعية لديبي الابن وتمهيد الطريق أمامه للانفراد بحكم تشاد عبر الآليات الديمقراطية تماما كما فعل والده.
أؤمن تماما بأن الحوار هو السبيل الوحيد لحل المشكلات ولكن من الضروري أن يتأسس على قواعد متينة وضمانات لا يمكن الالتفاف عليها حتى يحقق النتائج المرجوة وهي أمور لا تتوفر فيما يطرحه محمد ديبي الذي تسيطر عشريته على السلطة والثروة والسلاح والمناصب الحساسة سيطرة كاملة تجعل فرص تحقيق العدالة والمساواة والتداول السلمي للسلطة أمرا شبه مستحيل.
وعليه، فمن خلال قراءة الواقع السياسي الحالي في تشاد واستنادا إلى التجارب العديدة السابقة فإن التشكيك في نوايا محمد ديبي وتوقع فشل حواره المرتقب يعد أمرا منطقيا، كما يصدق وصف المتفائلين الذين يأملون في أن يحقق الحوار أمنيات التشاديين في السلام والعدالة والمساواة بالسطحية وضحالة التفكير.
وكما أضاع ديبي الأب فرصا عديدة لإنجاح التجربة الديمقراطية في تشاد وسن سنة التداول السلمي للسلطة وترسيخ ثقافة الشفافية والمحاسبة وتحجيم دور الولاءات القبلية في الواقع السياسي التشادي، ها هو نجله يسير على خطاه في أهدار الفرص والإصرار على إبقاء تشاد رهينة الحكم القبلي والتفاوت الطبقي من خلال حرصه على الاحتفاظ له ولعشيرته بحصة الأسد من الثروة والنفوذ والسلطة وتوزيع الفتات على باقي الشرائح.

