العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في لقاء مع وجهاء عشائر البلاد يتحدث عن مسارات الإصلاح في البلاد
العاهل الأردني في لقاء مع وجهاء عشائر البلاد يتحدث عن مسارات الإصلاح في البلاد - أرشيفية

صباح عيد ميلاد الملك الأردني وهو يدخل عامه الواحد والستين، يتداول رواد التواصل الاجتماعي بنسخته الأردنية مقالا لمدير صحيفة أردنية يومية "عريقة" يتمنى فيها أن يأخذ الرب من عمر الصحفي كاتب المقال، ويعطيه للملك!

للرجل كل الحق في أمنياته الشخصية ما دامت في إطار دائرته الشخصية المغلقة، لكن تقديمها في مقال موجه للعموم في جريدة "عريقة" يومية ليس أكثر من إعادة تدوير اللغة الخشبية، ومحاولة بائسة لإحياء الديناصور والماموث في عصر تكنولوجيا الثورة المعلوماتية.

لكن، ملفت جدا هذا الخطاب "القبلي" الذي يحاول خلق صورة تخيلية للملك في ذات المقال، كأنه شيخ مشايخ قبيلة برتبة ملك، لا رأس دولة فيها "افتراضا" دستور ومؤسسات وقوانين تنظم الحياة بكل تفاصيلها.

في اليوم ذاته، أصدر الملك الأردني رسالة "سياسية" بمناسبة عيد ميلاده الستين، كانت رسالة تحمل لغة رأس الدولة، وفيها تحدث الملك وبوضوح عن البيروقراطية المقصرة والإدارة العامة التي تتكدس فيها الأوراق ويختفي خلف تلك الأكداس الفاسدون.

يتحدث الملك عن التغيير، وبوضوح يبدأ فقرة من فقرات رسالته بأنه يجد نفسه في مقدمة الساعين للتغيير، مما يعني أن الملك يعيد حسمه من جديد في موقفه من كل إرهاصات وارتباكات الدولة الأردنية التي دخلت مئويتها الثانية بخطى ثقيلة، والرسالة التي صدرت باسم الملك تعكس حجم النزاع الكامن والذي تتجلى صوره تباعا ويوميا في الوقائع اليومية للمشهد السياسي الأردني المتخبط بين قوى وضع راهن يسعون للانكفاء نحو الخلف، ومطالبون بالتغيير، وبينهما أصوات مرتفعة غاضبة ومتشظية كل طرف فيها يحمل أجندة معارضة خاصة به، تغذيها نشوة "الشعبوية" الافتراضية في عالم افتراضي.

الملك نفسه، يدرك أن العرش لا يحميه إلا مفهوم الدولة السليم، لا تنازع المصالح بين قوى مصلحية كل منها يختبيء خلف الملك نفسه!

مثلا..

يهتز الجميع لحوار شخصي بين شخصية قبلية "برلمانية سابقة" تعلن عن معارضتها بغضب، مع رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي.

الحوار انتهى باستفزازات بين الشخصيتين، كان يمكن أن ينتهي عند تلك النقطة، لكن الشخصية القبلية استطاعت ان تصنع موجة عالية تلفت الأنظار بإخراج الحوار إلى العلن، وطرحه كقضية عامة، غامزا من طرف الرفاعي أنه قال بأنه محمي من الملك والمخابرات.

تتصاعد المواقف بين رجال الملك ( كلهم رجال الملك في مراحل مختلفة)، فيتدخل "قبليا" وزير الداخلية الأسبق سلامة حماد، منتصرا لابن قبيلته في خطاب بالصوت والصورة يعلي فيها شأن قبيلته ويتحدث باسمها منتقدا بقسوة الرفاعي "الرجل بلا قبيلة"، وتنتهي القصة ببيان اعتذار "متأخر!" يصدره شيخ القبيلة نفسه وهو أيضا "للمفارقة" رئيس الغرفة الأعلى في بيت "الأمة" رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز يعتذر فيه للرفاعي وعائلته "غير القبلية لكن ذات الحظوة في سلالات النخبة"، ويقفل الستار "ربما" على زيارة لبيت المخضرم زيد الرفاعي بحضور سمير الرفاعي نفسه يقوم بها كبير القبيلة فيصل الفايز، وبمعيته الوزير الأسبق الذي كان مكلفا أكثر من مرة في حياته بحقيبة تنفيذ القانون وترسيخ مفهوم الدولة!

تلك قصة بسيطة، تعكس واقعا معقدا للحياة السياسية الراهنة في الأردن.

فنحن أمام صراع مراكز قوى كل طرف فيه يدعي التقرب من الملك، وكل طرف يضع الملك في خطابه الرسمي، ليواجه به خصمه الذي من أدوات دفاعه صورة الملك. 

حكومة الملك ترى أنها تعتقد أنها محاربة من مؤسسات الملك، وطاقم مكتب الملك مشغول بمعارك فض اشتباك مؤسسات أخرى تقول أنها تمشي بأوامر الملك، وهذا يتضمن الأجهزة الأمنية التي يترأسها الملك، وهي دوما تبحث عن "صكوك ولاء" يسعى مدراؤها إثباتها في معارك "طواحين هواء" أمام الملك، وعلى الرصيف المقابل لكل تلك المصفوفات المتناحرة، تبرز مصفوفة فوضوية من المعترضين والمنتقدين أصحاب الصوت المرتفع ومتسلقي الحراك وجنرالات البث المباشر وجهلة يحملون أجهزة ذكية وثوار فقاعات الفيسبوك وقد طرحوا أنفسهم معارضة ضد الملك، بينما في الشارع الذي يفصل الرصيفين، يقف شباب أردني "من كل الأصول والمستويات" غاضب وحانق ومقهور، ويتحدث بوعي عن رؤية طموحة لدولة مؤسسات، ويا للمفارقة الأكبر: رؤيتهم هي بالضبط نفس الرؤية التي يتحدث ويكتب عنها الملك. 

بين الشارع والملك، فجوة "يتكدس" بها كل رجال الملك "بمصالحهم وصراعاتهم التي لا تنتهي" وقد غابت المؤسسات الدستورية عن المشهد.

وفي تلك الفجوة مساحات فراغية هائلة تتسلل منها تيارات العتمة والتجهيل لتلعب على كل أوتار "الوضع الراهن" فتقوض من فكرة الدولة التي تقف على مفترق طرق، مفترق ذكره الملك في رسالته نفسها، ونبه فيها إلى ضرورة الحسم لا الاختيار.

--

وعودا على بدء..

فإنني مما قرأت وسمعت وشاهدت في الأردن وعنه وفيه منذ الصيف الماضي، أعتقد "براحة كاملة" أن ليس للملك أمنيات إلا أمنية واحدة يشترك فيها كل الملوك في التاريخ، بأن يستلقي الرأس مرتاحا.

"للملك الراحل حسين كتاب بالإنجليزية اقتبس من أدبيات شكسبير عنوانه: الرأس يستلقي غير مرتاح".

والراحة تلك لا تكون إلا بدولة مؤسسات وقانون ترفع عن الملك أعباء التفاصيل اليومية، وتلقيها على عاتق مؤسسات "لا أشخاص" تدير الدولة بقوة القانون لا بمزاجية "رجال الملك".

أمنية الملك "إن جاز لي التخيل" أن يعطي لمشروع الملك من بعده، وأعني ولي عهده دولة مكتملة الأركان يرث عرشها مطمئنا ومستقرا، لا مصفوفة نزاعات تتوالد ولا تنتهي يتصاعد فيها الاحتقان والغضب.

وربما "أتمنى صادقا ذلك" كانت رسالة الملك في عيده الستيني حزمة أمنيات قد تحسمها إرادة بذلك.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.