علم أوكرانيا - الصراع الروسي الأوكراني - جندي أوكراني
"في الصراع الروسي الأوكراني، لكل طرف عوامل قوة وعوامل ضعف"

ترى أغلب شعوب أوروبا الشرقية أن حظها العاثر هو الذي وضعها قرب إمبراطورية قوية لم تفارقها يوما الأحلام التوسعية، فقد عانت هذه الشعوب طويلا من روسيا القيصرية ثم من روسيا السوفييتية، وقامت بالكثير من الثورات ضد هاتين الإمبراطوريتين.

واليوم تعاني نفس هذه الدول من السياسات الاستفزازية التي تقوم بها روسيا تحت حكم الرئيس، فلاديمير بوتين، وكلما كانت الدولة أقرب جغرافياً إلى روسيا، كان نصيبها من إزعاجات هذا الجار أكبر، ولذلك كان لأوكرانيا قصتها الخاصة مع هذا الجار الكبير.  

فعندما أرادت أغلبية الشعب الأوكراني الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسعت الحكومات المتعاقبة لتحقيق ذلك، اتبع الرئيس الأوكراني، فيكتور يانوكوفيتش، الموالي لروسيا والمكروه في غرب أوكرانيا سياسة المماطلة لعرقلة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حتى اندلعت ضده ثورة "الميدان الأوروبي" عام 2014.

وحضت روسيا هذا الرئيس على استعمال العنف لسحق المتظاهرين دون جدوى، فسقط حكمه وفرّ إلى روسيا وطالبها بالمساعدة ضد ما اعتبرته موسكو انقلاباً غير شرعي، فقام البرلمان الأوكراني بإعفائه من مناصبه بأغلبية 328 صوتا مقابل 0، لترد روسيا باحتلال شبه جزيرة القرم وأنشأت وسلحت ميليشيات في جنوب وشرق أوكرانيا سيطرت على المناطق التي يتحدث الكثير من سكانها اللغة الروسية.

وسقط منذ ذلك الوقت الآلاف في الصراع المسلح بين أوكرانيا والموالين لموسكو، ومع كل ذلك فقد فشلت المحاولات الروسية في إسقاط السلطة الأوكرانية الجديدة التي وقّعت اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي كما انضمت إلى اتفاقية التجارة الحرة مع أوروبا دون أن تتمكن من الانضمام بشكل كامل للاتحاد مثل أغلب دول أوروبا الشرقية.  

ثم تصاعد التوتر مجددا خلال الأشهر الماضية، نتيجة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، لأنه يوفر لها حماية من غزو روسي، ورفضت موسكو بشدة انضمام أوكرانيا لهذا الحلف وبدأت في سلسلة من المناورات والاستعراضات العسكرية التي وصلت إلى حافة مواجهة شاملة.

وفي الصراع الروسي الأوكراني، لكل طرف عوامل قوة وعوامل ضعف، ومن عوامل قوة  أوكرانيا أنها بلد غير صغير، فعدد سكانها 45 مليوناً، ولدى أغلبيتهم مشاعر وطنية قوية ورغبة في الدفاع عن بلدهم، كما أنه في مجال الحرب التقليدية تعتبر الأسلحة الغربية التي يمتلكها الأوكرانيون أكثر فعالية من الأسلحة الروسية، إضافة إلى أن هجوما روسيا واسعا على أوكرانيا سيترتّب عليه عقوبات وأثمان اقتصادية باهظة لا تصب في مصلحة روسيا أو نظام بوتين.  

وفي المقابل نقطة الضعف الرئيسية في الموقف الأوكراني هو وجود "كعب أخيل"، المتمثل في دولة بيلاروسيا التي تشكل كامل الحدود الشمالية لأوكرانيا، والتي تشرف على المناطق الحيوية فيها.

ويحكم بيلاروسيا، منذ عام 1994، ألكسندر لوكاشينكو، الذي ينتهج في ولائه لبوتين قاعدة "ملكي" أكثر من "الملك"، وتنعدم في بلاده الحريات السياسية وتعتبره أوروبا آخر ديكتاتور على أرضها، ولذلك منعته من زيارتها كما فعلت الولايات المتحدة.

ورغم أن عدد سكان هذا البلد عشرة ملايين فقط، لكن أراضيه تخترق جغرافيا شرق أوروبا وله حدود مع ليتوانيا ولاتفيا من الشمال وبولندا من الغرب وأوكرانيا من الجنوب، مما يشكل خطرا على جميع هذه الدول التي تنتهج سياسة معارضة لموسكو، كما أن وجود قوات روسية في بيلاروسيا جعل من أوكرانيا بلدا محاصرا من جميع الجهات.  

ونقطة الضعف الأوكرانية الأخرى، تتمثل في عدم وحدة الموقف الأوروبي من القضية الأوكرانية، حيث تنتهج ألمانيا وفرنسا سياسة غير حازمة تجاه روسيا وتطالب بنزع فتيل التوتر لأسباب اقتصادية وانتخابية ولو على حساب حق الشعب الأوكراني بانتهاج السياسة التي يراها مناسبة، بعكس الموقف البريطاني وموقف دول أوروبا الشرقية التي أرسل بعضها أسلحة لأوكرانيا، مثل دول البلطيق ورومانيا وبولونيا والتشيك. 

كما أن هناك تساؤلات لها ما يبررها عند أوكرانيا حول درجة التزام الإدارة الأميركية في الوقوف إلى جانبها، وإلى أي مدى يمكن أن تذهب في مواجهة روسيا، مع أن مسؤولًا أميركياً قال إن موضوع انضمام أوكرانيا لحلف الأطلسي لا يعني بوتين أبداً وإن حرية الاختيار لكل دولة مبدأ أساسي.  

وضمن هذه المعطيات تبدو المواجهة العسكرية مستبعدة، رغم أن روسيا ستستمر في استعراضاتها وتهديداتها حتى تحصل على ضمانات بعدم توسع الناتو شرقا، حتى أنها قد تدخل في مغامرة عسكرية محدودة عبر إحدى الميليشيات الموالية لها لإظهار درجة من الجدية حتى تؤخذ مطالبها بعين الاعتبار.    

ونقطة الضعف الأخرى هي أن وسائل الإعلام العالمية تردد البروباغندا الروسية التي تظهر حجم القوة التقليدية الروسية أكبر من الواقع، وكأنها لا تقهر، حتى أن الرئيس الأوكراني طلب من الإعلام الغربي التوقف عن بث الرعب في قلوب الشعب الأوكراني.   

وهناك قضية أخرى لا يمكن فصلها عما يحدث في أوكرانيا اليوم، فقبل بضعة أسابيع حصلت حركة احتجاجات واسعة في جمهورية كازاخستان المحكومة كذلك منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي بنظام ديكتاتوري موالٍ لموسكو.

وأرسلت روسيا جسرا جويا عاجلا، وخلال أيام، تم قمع الاحتجاجات دون أن يعرف العالم العدد الحقيقي للضحايا المدنيين الذين سقطوا، لأن هذا النوع من الأنظمة قادر على القيام بأي شيء للاحتفاظ بالسلطة، ومرت هذه المذابح مرور الكرام وغض العالم نظره عنها وكأن شيئا لم يكن، مما أعطى دفعا لروسيا  لاتباع نهج متشدد في القضية الأوكرانية.  

وقبل سنوات، عاقبت روسيا جورجيا لانتهاجها سياسة مستقلة عنها ولقيامها بطرد جواسيس روس من أراضيها، فقامت بحرب اقتصادية كبيرة عليها واضطهدت الجورجيين المقيمين في روسيا ثم دعمت منشقين في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا للانفصال عن جورجيا.

وعندما اقتربت الحكومة الجورجية من القضاء على التمرّد، تدخل الجيش الروسي نفسه لدعمهم وحتى اليوم ما زالت أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية خارج سلطة الحكومة الجورجية، وتم في هذه الحرب تدمير القرى الجورجية الواقعة في هذه الأقاليم في عملية تطهير عرقي، وساعد روسيا في تحقيق أهدافها أن جورجيا بلد صغير لا يتجاوز عدد سكانه أربعة ملايين.  

وعندما تنظر شعوب أوروبا الشرقية ناحية الغرب ترى أوروبيين مثلهم، لكنهم يعيشون في دول غنية مزدهرة ذات اقتصادات قوية، ومتطورة علميا وثقافيا وفنيا ومحكومة من أنظمة ديمقراطية يتم تداول السلطة فيها بشكل دوري وتحترم فيها حقوق الإنسان وكرامته.

وعندما تنظر شرقا ترى دولة بوليسية يحكمها نفس الزعيم منذ سنوات طويلة وتستخدم فيها كل الوسائل لقمع وإسكات المعارضين في الداخل والخارج بما فيها غاز الأعصاب، مع مستوى معيشة متواضع لا يتناسب مع الحجم الهائل لهذا البلد الغني بالثروات الطبيعية، لأن اقتصادها متخلف يعتمد على تصدير المواد الخام مثل دول العالم الثالث.  

وفي هذا الواقع، من الطبيعي أن تسعى شعوب شرق أوروبا نحو اللحاق بالغرب رغم معرفتها أن هذا الطريق لن يكون قصيرا أو سهلا، بينما يبذل الجار الكبير في الشرق كل ما في وسعه لمنع هذه الشعوب من تحقيق أحلامها، بذريعة أن دول شرق أوروبا ليست حرة في خياراتها فهي ليست سوى حديقة خلفية أو مجال حيوي لروسيا.

ولكن السبب الحقيقي لهذا الموقف الروسي المتشدد أن نجاح دول أوروبا الشرقية في التحول الديمقراطي وبناء دول مزدهرة تحترم فيها حقوق الإنسان على حدود روسيا يشكل تهديدا وجوديا لنظام حكم بوتين لأنه قد يعطي دفعاً لشعوب روسيا الاتحادية نفسها بمواصلة النضال لنيل حريتها. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.