من السهل والتلقائي أن يكون الإنسان "فخوراً" بالدين الذي ولد عليه. شأن الدين هنا شأن أية صفة ذاتية أخرى، البلد، النَسَب، العرق، اللغة. ربما ما يتطلب جهداً إضافياً هو أن ينظر المرء إلى جواره ليرى، لا العيوب التي لا يخلو منها فرد أو جماعة، بل المواقف الداعية إلى الاعتبار، وصولاً إلى التفهم والتسامح، وربما التقدير والاعتزاز بوحدة الحال مع هذا الجار، القريب، الأخ، الصديق.
لكل من ليس من لبنان، أو ليس من خلفية مسيحية، وخاصة من هم من خلفيات إسلامية، فيما يلي نظرات إلى ثلاث حالات كل واحدة منها تشكل تعاطياً مختلفاً مع الدين والإله، تقدّم هنا بصيغتها الفردية، أي خارج كل زعم شمول أو معيارية. ورغم طبيعتها الخاصة، هي حالات تتلاقى وتتكامل، إذ تنطلق من مسلمات ضمنية واحدة، ربما من شأن من يطّلع عليها، ممن لا يشترك بهذه المسلمات، اعتبارها فيما تقدمه من نموذج مختلف لعلاقة الفرد بدينه، إيماناً وممارسة، والتفاعل معها، تقريباً باستحسان، أو استبعاداً بإدراك.
الأولى هي التي جسّدها المغني خالد الهبر بأغنيته "أبانا الذي في السما" قبل زهاء عقد. خالد الهبر قدّم عقوداً من الكلمات الداعية إلى الوجدان، بأسلوب راسخ في الالتزام، يضع الأصبع على الجرح ويشرح الصدر في الآن نفسه. هو مناضل يساري، لا يسأل عن دينه وإيمانه، ولكنه ابن بيئة مسيحية لبنانية أتاحت له، في هذه الأغنية، أن يتوجه، بالحقيقة أو بالمجاز، إلى الرب بصفته أباً للناس، مستعملاً عبارات وإشارات من صميم الصلاة المسيحية ليسأل أسئلة حول العدالة والإنصاف والحق والفساد والظلم في هذا العالم.
الخلفية الفكرية لعدد من هذه الأسئلة هي بالتأكيد موضوع خلاف بين التوجهات السياسية والعقائدية، ومضمونها اليساري جلي. وهي، بحكم الصيغة الغنائية تبسيطية وتسطيحية. بل إن بعض الكلام المتهكم يصل إلى حد التجريح الخفيف ("كيف الأميركاني حكم، هيدا الغبي بين الأمم"). غير أن ما يقدمه خالد الهبر هنا في سرد من عشرة أسئلة تتنقل بين العام والخاص، وتشير إلى غلبة الشر على الخير في هذا العالم، هو تعبير صادق عن امتعاض واسع النطاق لدى جمهوره في لبنان وخارجه، وصولاً إلى إدانة للأحوال القائمة من موقع قدرة الإنسان على تقييمها والحكم عليها والاعتراض على استتبابها. رغم أن الخطاب موجه إلى "أبانا الذي في السما"، فإن المقصود من الكلام ليس ملكوت الرب، بل هذه الدنيا، وكل الناس فيها، في دعوة إلى التأمل بمواطن الظلم.
أي أن الاستماع إلى الأغنية يستوجب الإدراك بوضوح أن موضوعها ليس الدين ولا الإله، بل الإنسان وما يعيشه في مجتمعه من أحوال. الدين هنا، بما فيه الصلاة ومخاطبة الرب، جزء كغيره ضمن البنية الذهنية لخالد الهبر وجمهوره. واستدعاءه في هذه الأغنية لا يُقصد به التعبّد، بل استعمال لغة مشتركة بمرجعية مفهومة. ورغم استتباب التدين في لبنان إلى درجات مرتفعة في الأوساط المسيحية والمسلمة على حد سواء، فإن أغنية خالد الهبر في اعتمادها أسلوباً حوارياً مع الإله، وصولاً إلى قدر من العتب وإن غير المباشر، دون أن يكون في كلام الأغنية خروج عن أدب المخاطبة من وجهة النظر المغني وبيئته، تشير إلى قناعة ضمنية في هذا المجتمع وما يتعداه، تنكرها التوجهات الدينية المتشددة، وهي أن موقع الإنسان هو في صدر العالم، وأن الحركات والدعوات والبشارات قامت على أساس أن الهدف من الدين وغيره من الظواهر الاجتماعية هو العناية بهذا الإنسان وتحصيل الخير له.
قراءات عديدة في العديد من الأديان تؤكد أن تمام الخير مستحيل في هذا العالم، وأن الإيمان بالآخرة هو بالتالي السبيل إلى الجنة أو الملكوت أو الوحدة. وربما تصل هذه القراءات في المحيط العربي، كما الوقائع والخيبات فيه، إلى حد التيئيس من إمكانية تحقق حتى قليل الخير في هذه الدنيا. مع خالد الهبر هنا نموذج عن فسحة أمل، الإنسان فيها قادر بذاته أن يتبيّن الحق والخير، وأن يعمل بالتالي لتحصيلهما. ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، بلا لا يترك حتى ما قلّ منه.
الحالة الثانية تتطلب بسطاً وتفصيلاً، ولكنها تُكفى هنا باقتضاب، وهي قصة غصيبة كيروز، ابن بلدة نبحا البقاعية اللبنانية، في قضاء بعلبك. في أعتى أيام الحرب الأهلية اللبنانية في أواسط السبعينات، استشعر غصيبة بالخطر الناتج عن الانهيار الأمني والاجتماعي، مع انتشار الفصائل المسلحة ونزوح الأهالي على أساس طائفي. فما كان من هذا الشاب الذي وهب نفسه لدينه والتحق بدير تعنايل للآباء اليسوعيين، إلا أن خطّ وصية قصيرة من صفحتين. بل هي شهادة للإنسانية.
هذا نص الصفحة الأولى، مستخرجة من صورة خاطفة لها ضمن وثائقي كاثوليكي فرنسي عن غصيبة كيروز:
"بسم الآب والأبن والروح القدس:
لما بلشت بكتابة هالوصية كان مثل كأن في شخص تاني عميحكي عني. كل الناس اليوم بخطر خاصة أهل لبنان، واللي ع أرض لبنان. وبما اني واحد منن تصورت حالي مخطوف ومقتول بطريقي ع ضيعتي نبحا. واذا صح هالحدس بترك كلمة لأهل بيتي وكلمة لأهل ضيعتي ووطني
بقول لأمي ولخياتي بكل ثقة لا تحزنوا أو لا تكتروها بالبكي والنحيب لأن هالغربة مهما تطول هيي قصيرة رح نلتقي. أكيد رح نلتقي بساحات السما الأبدية، هونيك الفرح. وهونيك الحزن إذا تفرقنا عن بعضنا، بس لا تخافوا رحمة الله رح تجمعنا سوى.
الي عندكن طلب واحد! سامحوا اللي قتلوني من كل قلبكن واطلبوا معي ت يكون دمي فدية ولو كان دم خاطي عن خطية لبنان وقربان ممزوج بدم كل هالضحايا اللي سقطوا من كل الأطراف من كل الأديان، تمن السلام والحب والإلفة اللي انفقدوا من هالوطن حتى من كل الأرض، علّموا كل الناس عالمحبة بموتي والله بيعزكيم، بيدبركم بيساعدكم بهالحياة لا تخافوا مش نادم أبداً ولا متأسف ع هالدني لكن زعلان لأنكم رح تكونو حزينين صلوا، صلوا، صلوا، وحبوا أعدائكم.
ولأهل وطني بقول: أهل البيت بيختلفوا بس ما بيحقدوا، بيتزاعلوا بس ما بيتخاصموا، بيتقاتلوا بس ما بيقتلوا بعضن، تذكروا ايام الوفق والمحبة وكبوا ايام الزعل والخصام، سوى أكلنا، سوى شربنا، سوى اشتغلنا، سوى رفعنا الصلاة للأله الواحد، وسوى لازم نموت، كان بيي شريك شخص متوالي كنت عيطلو خالي حسين، وكان يرتاح قلبي لما قول هالكلمة، بقيوا شراكة ٧٥ سنة وماتوا وما قسموا الشراكة ما عملوا حساب، تذكروا انو مرات واحد خيو ما بيدينو مية ليرة بيروح ع ابن ضيعتو المتوالي أو الماروني أو السني أو الدرزي وبيرتاح من حملو، كل هالأشياء الكل بيعرفوها بس الخطية بتعمي، كل واحد يرجع ويصلي حسب معتقدو وضميرو"
وهنا إعادة كتابة هذه الصفحة الأولى من الوصية باللغة الفصيحة المعاصرة:
"بسم الآب والابن والروح القدس :
عندما ابتدأت بكتابة هذه الوصية، كان وكأن ثمة شخص ثاني يحكي عني. كل الناس اليوم بخطر، خاصة أهل لبنان، والذين هم على أرض لبنان. وبما أني واحد منهم، تصوّرت حالي مخطوفاً ومقتولاً وأنا بطريقي إلى ضيعتي نبحا. وإذا صحّ هذا الحدس، أترك كلمة لأهل بيتي ولأهل ضيعتي ووطني.
أقول لأمي ولأخواتي بكل ثقة لا تحزنوا أو لا تكثروا بالبكاء والنحيب، لأن هذه الغربة مهما تطول هي قصيرة وسوف نلتقي. أكيد سوف نلتقي بساحات السماء الأبدية. هناك الفرح، وهناك الحزن إذا تفرقنا عن بعضنا. ولكن لا تخافوا رحمة الله سوف تجمعنا معاً.
لي عندكم طلب واحد! سامحوا الذين قتلوني من كل قلبكم واطلبوا معي أن يكون دمي فدية، ولو كان دم خاطي، عن خطية لبنان وقربان ممزوج بدم كل هؤلاء الضحايا الذين سقطوا من كل الأطراف، من كل الأديان، ثمن السلام والحب والألفة التي انفقدت من هذا الوطن، حتى من كل الأرض. علّموا كل الناس المحبة بموتي والله يعزيكم ويدبركم ويساعدكم بهذه الحياة. لا تخافوا. أنا لست نادماً أبداً ولا متأسف على هذه الدنيا، ولكنني زعلان لأنكن سوف تكونون حزينين. صلوا، صلوا، صلوا، وأحبوا أعداءكم.
ولأهل وطني أقول: أهل البيت يختلفون ولكن لا يحقدون، يتزاعلون ولكن لا يتخاصمون، يتقاتلون ولكن لا يقتلون بعضهم البعض. تذكروا أيام الوفق والمحبة، وارموا أيام الزعل والخصام. معاً أكلنا، معاً شربنا، معاً اشتغلنا، ومعاً رفعنا الصلاة للإله الواحد، ومعاً يجب أن نقضي. كان أبي شريك شخص شيعي كنت أناديه «خالي حسين»، وكان قلبي يرتاح حين أقول هذه الكلمة، بقوا على شراكتهم ٧٥ سنة وماتوا دون أن يقسمّوا الشركة أو أن يقيموا حساب. تذكروا أنه قد لا يتمكن المرء أن يستدين مئة ليرة من أخيه، فيذهب إلى أبناء ضيعته، الشيعي أو الماروني أو السني أو الدرزي ليرتاح من حمله. كل هذه الأشياء الكل يعرفها ولكن الخطية تعمي. ليرجع كل واحد ويصلي حسب معتقده وضميره"
الصفحة الثانية لم تظهر في الوثائقي، ولكن ثمة من نقلها عن جريدة "النهار"، وهي تتضمن رغبات غصيبة حول دفنه وطلبه من أهله تسديد "واجباته" أي الديون التي تكبدها. هي مبالغ قليلة، تكشف عن أحوال الشاب المتواضعة، ذكرها، طالباً من الجميع أن يصلوا لأجله، وأن يذكروا الرهبان والراهبات في صلاتهم لما قدمّوه من مساعدات روحية ومادية.
وبالفعل، مات غصيبة مقتولاً عند أحد حواجز الفرز الطائفي. ووجدت وصيته بالصدفة في مكان إقامته. البعض اعتبر أن إلهاماً ربانياً أنبأ غصيبة باقتراب حتفه. ومن هذا البعض من يسعى إلى تطويبه وصولاً إلى القداسة (وهذا هو القصد من الوثائقي المذكور أعلاه). البعض الآخر قد يرى في كلمات غصيبة تعبيراً وحسب عن إدراكه أن عالمه يتهاوى وأنه بدوره إلى زوال.
في جميع الأحوال، قدّم غصيبة للعالم بضع كلمات تخاطب القلوب، وأراد وفاءاً للطيبة التي رآها بالآخرين في حياته، أن يسامح المجرم قبل أن يقدم على جريمته، لا من موقع الخوف، ولا من موقع القدرة، بل من موقع المحبة. غصيبة عاش إيمانه، وأراد أن يبقى روح إيمانه بعد مماته.
أما الحالة الثالثة، فهي لشاعر باللهجة المحكية من جوار الأرز، قزحيا ساسين، مشهود له الحضور والأداء ودقة المعنى، كما التزامه الديني الظاهر في كل أوجه حياته، وخاصة شعره. قصيدة له (من 38 كلمة، تلاها بـ 38 ثانية، أقرب إلى الهايكو منها إلى المعلّقات) تستحق التوقف عندها. هذا نصّها:
"نيالن اللصّين. حدّي يا بيّي، علّقت لصّين. لصيّن، لبّسّتن هنا النعمة. لصيّن، تحتن ما شفت إمّين. مش رح بقلك وين قلبك وين. ولا رد خلّي الموت، مش همّي. ولنو احسبني لصّ، كيف لك عين، عالجلجلة تعزم معي إمي"
هنا إعادة كتابة هذه القصيدة باللغة الفصيحة:
"سعداً للصّين. بالقرب مني يا أبي، صَلَبْتَ لصّين. لصّان، ألبستَهما هناء النعمة. لصّان، عند صليبيهما لم أرَ والدتين. لن أقول لك أين قلبك؟ ولن أقول ردّ عني الموت، هذا ليس همّي. ولكن ليتك على الأقل اعتبرتني لصّاً، إذ كيف لا تشعر بالحياء، أن تَجلُب على درب الجلجلة معي أمي".
قزحيا ساسين يتكلم هنا بلسان يسوع المسيح مخاطباً الرب الآب، معاتباً إياه بشدّة للألم الذي ألقاه على السيدة مريم، إذ كان عليها أن تشهد عذاب ابنها وصلبه.
على الهامش، الرجاء هنا من المجادلين ألا يَضيعوا في أهوائيات البحث عن التناقض والاستحالات من باب: "إله يخاطب نفسه! إله يعذّب إله! إله يُصلب ويموت! إله يؤنّب إله!"، وألا يُمعنوا بالجدل العقيم واهمين الظفر والإفحام. المعايير في قراءة الرواية والمغزى وطبيعة الثالوث مختلفة عن القواعد التي يبنون عليها تحقّقهم وتقوم عليها محاجاتهم. لديهم، كما بالمقابل لدى قزحيا ومن جاراه في إيمانه، هي قواعد قلبية إيمانية، ليست من أصول المعرفة المتوافق عليها عقلياً، وإن زعموا خلاف ذلك. فالطعن مبني على أدوات الطاعن ومادته، ولا يصيب الغرض، إلا وفق حساباته هو، بمقدار جدل إيماني قائم على ادعاء الإطلاق والعقلية ويُنقض بزعم آخر مضاد.
على أي حال، إيراد هذا الشعر السهل الممتنع هنا ليس لهدف المفاضلة بين الأديان ولاهوتها وقصصها. بل هو لإظهار حالة هذا الشاعر المسيحي الفائض بالإيمان والوقار، يستدعي قمة المقدسات في دينه للتعبير عن شعور من عمق الإنسانية، حب الأمّ لابنها، وحب الابن ووفائه لأمّه. بل ما حقّقه حزقيا في هذه القصيدة هو تغليب هذا الحب على أي اعتبار آخر.
دخلت الحداثة المحيط العربي لتوهم العديدين، إسلاميين و"إصلاحيين" و"تنويريين" و"ملحدين"، أن مقتضاها قطعي، وأنه ثمة حقيقة واحدة من نالها ظفر ومن لم يتمسك بها كافر أو متخلف أو ظلامي أو سفيه. من حسن طالع الجمهور الذي يزعم هؤلاء جميعاً الوصاية عليه أنه يبقى في هذا المحيط العربي من ليس معنياً بصراعاتهم. ليس كل المسيحيين طبعاً من هؤلاء، ولا كل هؤلاء قطعاً من المسيحيين.
على أنه من لبنان، حيث الوجود المسيحي لا يزال حرّاً وفاعلاً، تشكل المساهمات الفردية، مسيحية وغيرها، القائمة بذاتها ولذاتها، أي غير المعنية بحروب الأديان التي يخوضها البعض، عاملاً أساسياً في التوازن الفكري الأخلاقي في الوطن وعموم المنطقة، للتذكير بأن بعض ما استتب كمسلّمات في القراءة التي تريدها السلطويات السياسية والدينية معياراً أوحداً، ليس كذلك.
المرجعية الذاتية لإدراك الحق والعدل، وجدوى الغفران على أساس المحبة حتى لمن ظلم وقتل، وأولوية الحب الخالص، هي وغيرها من القيم التي كانت استقرت في هذه الأصقاع على مدى الزمان، لتمسي اليوم مشكّك بها ومختلف عليها أمام غلَبة القراءة التي تجعل من الدين والكتاب والإله أصناماً لها العبودية دون سؤال. ثم يأتي أمثال خالد وغصيبة وقزحيا، ليتذكر من أراد أن يسمع أنْ هي غلبة مرحلة وحسب. طابت ذكرى غصيبة إذ رحل، والشكر الصادق لخالد وقزحيا. هم بذاتهم، دون تكلف أو تحمل، من الرسالة المناطة بلبنان.

