Israeli President Isaac Herzog speaks during Israel's National Day ceremony at Expo 2020 Dubai, in Dubai, United Arab Emirates,…
الرئيس الإسرائيلي يحضر اليوم الوطني الخاص ببلاده في معرض إكسبو دبي

ليس من المستغرب أن تتغلب لغة المصالح والمعائش على الشعارات الصاخبة والضجيج الصادر عن جماعات ونخب وحتى أفراد في المنطقة يقدمون أنفسهم على نحو مغاير في ظروف أخرى. فهذا حدث ويحدث مرارا وتكرارا أمام الأعين وخلفها. 

المستغرب هو حالة الإنكار وخلط الأوراق والتعمية على الأحداث على النحو الذي يخلق انطباعا بأن ذلك كله يحدث فحسب ابتغاء لمرضاة الله وما يعتبرونه قضايا ومبادئ ثابتة!

في الأيام القليلة الماضية تحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مقابلة خاصة مع قناتي "NTV" و"Star TV" المحليتين عن الزيارة التي سيقوم بها نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى تركيا هذا الشهر.

أردوغان تحدث ضمنا عن تشوفه لهذه الزيارة التي وصفها تصريحا بأنها تعتبر "تطورًا إيجابيا"، وقال إن مرحلة جديدة في علاقات تركيا وإسرائيل ستبدأ مع تلك الزيارة.

من الواضح أن أردوغان وحكومته تعولان كثيرا على نجاح زيارة المسؤول الإسرائيلي وبالتالي ثمة جهود دبلوماسية وسياسية تركية كبيرة تبذل من أجل أن تتم في الوقت والشكل المطلوبين. 

لكن المفاجأة أن كثيرين تجاهلوا عن عمد هذه التصريحات وأصابتهم حالة من اللعثمة واللجلجة في الحديث عن هذا الموضوع الذي طالما صالوا وجالوا فيه، ومن لم يفعل فقد اعتبر تلك التصريحات جزءا من البراغماتية السياسية والمصالح الطبيعية لتركيا، بل هناك أيضا من وجد العذر لأردوغان فيما يفعل ولم يشكك أحد في دوافعه أو ينتقده على هذه المواقف! 

لكن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ نفسه كان قبل أيام في زيارة إلى الإمارات (30 يناير). هنا كان رد الفعل مختلفا. فقد تجدد الهجوم على الإمارات وتجدد الحديث عن التطبيع وما شابه. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل ما هو حلال على تركيا حرام على تلك الدول؟ 

 أم أن الأمر لا علاقة له بإسرائيل وإنما بمن يقيم العلاقات معها! فإن كان هذا الذي يقيم العلاقات من "جماعاتنا" فلا بأس في ذلك ولنلتمس له الأعذار وأيضا نذكّر الآخرين بالواقعية والمرونة المطلوبة في العلاقات بين الدول، أما إذا كان الذي يقيم العلاقات من "أعدائنا" فهذه فرصة للهجوم لا ينبغي تفويتها، بل يجب استحضار قاموس الشتائم القومية والدينية والتذكير بوحدة الأمة وقضاياها.. الخ!

بالطبع موضوع إسرائيل ليس سوى نموذج لحالة الانفصام أو التوظيف الممنهج للشعارات والقضايا التي تزخر بها الساحتان العربية والإسلامية. 

لكن ثمة نماذج كثيرة على ذلك لا يتسع المقام هنا لذكرها. لعل من بينها الموقف من إيران وميليشياتها في المنطقة. فهناك من جهة كراهية وعداء شديدين حينما يتعلق الأمر بالتدخل العسكري الإيراني سواء في سورية أو العراق أو غيرها، ومن جهة أخرى هناك إعجاب وتأييد كبيرين بإيران حينما يتعلق الأمر بصراعها مع الولايات المتحدة أو صراعها مع إسرائيل.

 بل هناك جماعات ونخب وأفراد تعتاش على الدعم والتمويل الإيراني المباشر وغير المباشر، رغم أنها في قضايا أخرى تلبس أردية مختلفة، مرة رداء القومية العربية ومرة رداء المقاومة ومرة رداء الإسلام السياسي وهكذا.
حالة الانفصام والتشظي هذه انتقلت حتى إلى بعض اليسار والقوميين والعلمانيين، الذين يمكن العثور بينهم على مؤيدين كبار لأحزاب دينية مثل حزب الله فقط بسبب موقف الحزب السياسي من الولايات المتحدة وإسرائيل، ويمكن العثور بينهم أيضا على خصوم لحزب الله بسبب تدخله في سورية، لكن يتحول الحزب إلى حليف إذا تعلق الأمر بالموقف من إسرائيل مثلا!

ومع أن غالبية هذه المواقف تقف خلفها أشكالا متفاوتة من الدعم المالي والسياسي، وأنه لولا ذلك لتبخر هذا التأييد وانقرض، مع ذلك يخيل إليك وأنت تستمع إلى آراء وتحليلات ومواقف هؤلاء كما لو أن المسألة تعود إلى مجرد قناعات وإيمان خالص بالثوابت وما شابه... الخ.

والواقع أن هذا ليس مقتصرا على جماعات دون غيرها، بل هو ينطبق أيضا على الكثير من الجماعات في المنطقة. لكن المشكلة باعتقادي هي أنه إضافة إلى تقديم مسائل المبادئ والثوابت والقضايا المركزية ودفعها إلى الواجهة في كل نقاش أو إطلالة تلفزيونية، هناك أيضا الدفاع المستميت عن هذا النظام أو ذاك، الأمر الذي يجعل محاسبته أو توجيه الانتقاد إليه أمرا بعيد المنال وخاصة في القضايا الحقوقية والسياسية.   

بعبارة أخرى فإن هذه التناقضات وحالات الانفصام ساهمت في تشويه العقول والقلوب في المنطقة، وإلى الدرجة التي أصبح فيها البحث عن موقف عقلاني ومتزن هو مثل البحث عن إبرة وسط كومة من القش!

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.