قبول ضرب المرأة تحت أي مسمى أمر يرفضه العقل. أرشيفية - تعبيرية
قبول ضرب المرأة تحت أي مسمى أمر يرفضه العقل. أرشيفية - تعبيرية

عاد الجدل بشأن قضية "ضرب الزوجات" مرة أخرى إلى الواجهة، لا سيما بعد إعلان مشروع قانون في مجلس النواب المصري لتغليظ العقوبة ضد الفاعل. 

وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تفاعلا واسعا بين مؤيد ومعارض، كما امتد الجدل ليشمل نقد شيخ الأزهر أحمد الطيب.

وكان الطيب قد تناول القضية مؤخرا على التلفزيون المصري، مؤكدا أن "ضرب الزوجة ليس فرضا ولا سنة، لكنه أمر مباح لمواجهة الزوجة الناشز وصولا للحفاظ على الأسرة من الضياع والتشرد"، وذلك على حد قوله.

ودخل في الصراع حول "ضرب الزوجة" في الإسلام العديد من الشخصيات المعروفة مثل الإعلامي الرائع، عمرو أديب، والباحث، إسلام البحيري وغيرهم. ووصل الأمر إلى إهانة إسلام البحيري على الهواء مباشرة من مبروك عطية والداعية المثيل للجدل عبد الله رشدي.

والسؤال المطروح لكل من يقبل ضرب المرأة هو هل يقبل إن كانت أمه متزوجة من رجل غير أباه أن يضرب "زوج أمه" أمه (بفتح الميم) أو – كما نقول في اللهجة الدارجة المصرية - "يمدها على رجليها" ليؤدبها! 

فإن كان من يقبل ضرب الزوجة يقبل هذا الأمر على أمِه فإن "الأحرار" من البشر لا يقبلون ذلك!   

وبأمانة فإنه حتى مناقشة أمر مهين للمرأة مثل هذا الأمر هو دلالة على درجة من الإنهيار الفكري تفوق التصور جعلت إهانة الزوجة بهدف "التأديب" تبدوا وكأنها شيء ممكن قبوله  وإباحته للرجال. 

وأرى خمسة جوانب رئيسية في هذا الأمر:  

الأمر الأول

شيزوفرينيا فكرية غير مسبوقة وصلت إلى درجة إباحة ضرب المرأة ثم الفخر بعد ذلك أمام العالم في المنتديات والمؤتمرات العالمية بأن الإسلام هو الديانة التي كرمت المرأة! 

فإن كان إباحة ضرب المرأة "تكريما" لها فما هي الإهانة إذا؟

الأمر الثاني

نفاق من رجال الدين جعل كثيرين منهم يتكلمون حديثا - كما يقولون - "وسطيا " برفض ضرب المرأة أمام الإعلام ولكن نفس الأشخاص يرفضون سن قانون يجرم ضرب الزوجة! نفاق لم أشهد له مثيلا! 

الأمر الثالث

شذوذ فكري يتكلم عن "قوامة الرجل" وفي نفس الوقت يقبل أن يضرب الزوج زوجته وهو أي - ضرب المرأة - أمر تنتفي فيه كل معاني الرجولة، وكما كنا نقول بالتعبير المصري الدارج "الراجل ما يمدش إيده على واحدة ست". أي أن الرجل الحقيقي لا يضرب إمرأة. وكنا في المدرسة نقول عمن يضرب من هو أضعف أو أصغر منه حجماً بأن من يفعل ذلك ليس رجلاً! فكانت الرجولة الحقيقية في مفهومنا حينذاك هو الدفاع عن الضعيف وليس إهانته! 

الأمر الرابع

إرهاب فكري للمرأة. فحينما نرى العديد من النساء يدافعن عن ضرب الزوج لزوجته نرى بوضوح درجة الإرهاب الفكري الذي صنعه الفكر الديني المتطرف في المجتمع حتى أخاف النساء وأرهبهن من "عذاب جهنم" ومن "عذاب القبر" حتى فقدن القدرة على محاولة التفكير، وبالتالي قبول الضرب والدفاع عنه بجنون خشية أن يحل عليها الغضب الإلهي إن تجاسرت وفكرت خارج الصندوق الديني التقليدي.

الأمر الخامس

أما الأمر الخامس الذي ظهر جليا في هذه القضية فهو عجز رجال الدين عن وضع فهم أو تفسير آخر للآية التي يتم إستخدامها لإباحة ضرب المرأة وهي الآية التالية في سورة النساء: "اللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا" (سورة النساء 34). 

وحاول البعض فهم الضرب بأنه "الابتعاد" عن الزوجة. وعرض الباحث إسلام البحيرى فهما للنشوز بأنه "الخيانة الزوجية". ورفض الكثيرون الفهم الأخير لأنه لم يكن منطقيا في نظرهم أن يعظ الرجل زوجته إن وجدها تخونه مع رجل آخر ثم يهجرها في الفراش كعقوبة لها على خيانتها له. وهاجم البعض الباحث إسلام البحيري لأنهم رأو أن ما يقول محاولة لتزييف "الحقائق" وإباحة لمبدأ استخدام العنف بصورة قد تبرر "جرائم الشرف". 

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن القرآن الكريم جعل للعلاقة بين الزوج والزوجة إحتمالين فقط مقبولين عند الله تعالى وهما كما قالت الآية الكريمة "فإمْساك بمعروف أو تسريح - أي ترك - بإحسان ". والضرب لا هو "معروف" ولا هو "إحسان"! 

وفوق ذلك فإن القرآن لم يبح للرجل استخدام العنف ضد زوجته حتى إن وجدها تعاشر رجلا آخر في سريره. وأقصى ما سمح له القرآن في هذه الحالة هو أن يشتكيها بأدب إلى القاضي في قضية "الملاعنة" المعروفة في سورة النور والتي انتهت بقوله تعالى "ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين".

فإن كان القرآن الكريم لا يبيح العنف مع الزوجة في حالة تلبسها بالخيانة الزوجية، فكيف يبيحه إذا لم تطع أوامره في الحياة العادية! 

وأخيرا فإن ماحدث من جدال حول موضوع "ضرب المرأة" هو شيء يظهر (بضم الياء) أمراضا فكرية ومجتمعية لابد من علاجها.

فإن قبول ضرب المرأة تحت أي مسمى وبأي صورة من الصور هو أمر يرفضه العقل والضمير ويحتاج إلى تشريعات قانونية ودينية وتعليمية جديدة لمحاربة هذا الشذوذ الفكري المتناقض مع كل مبادئ الضمير والرجولة والإنسانية.

وللحديث بقية

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.