تقف أوروبا بشقيها الغربي والشرقي ومعها الولايات المتحدة أمام اختبار الثقة
تقف أوروبا بشقيها الغربي والشرقي ومعها الولايات المتحدة أمام اختبار الثقة

تبرر النخب الغربية توسع الناتو في الفضاء السوفياتي السابق بأن دول المعسكر الاشتراكي السابق مرت بمرحلة انتقالية وتحولت إلى ديمقراطيات ناشئة مؤسساتية مقيدة بالدستور والقانون، لذلك فإن قياداتها المنتخبة تراعي مصالح مواطنيها عند اتخاذ قرارات إستراتيجية تتعلق بقرار الحرب والسلم، وهذا يقيد أي قرار قد تتخذه هذه الحكومات يتعلق بإعلان الحرب أو شن عدوان على أحد. وهنا ترى الدول الغربية المؤسسة لحلف شمال الأطلسي أن طلب هذه الدول الانضمام إلى حلف الناتو من خلفية دفاعية، أي انها تبحث عن ضمانات أمنية تحميها من أي اعتداء خارجي، لكن الأزمة أن هذه المبررات تضعها موسكو ضمن سياسات الخديعة تحت ذريعة حرية الشعوب في تقرير مصيرها، فروسيا ونظامها الاستبدادي مستعدة أن تعيد احتلال نصف أوروبا ووسط آسيا دون الاكتراث إلى أي رأي عام داخلي، خصوصا أن طبيعة نظامها لا يؤمن أصلا لا بالحريات العامة ولا باقتصاد السوق ولا رفاهية المواطنين ويعادي صناديق الاقتراع باعتبارها قد تأتي بشخصيات لا تنتمي لمؤسسة النظام.

إذن، نتيجة الاختلاف الجوهري في طبيعة القوتين المتواجهتين في أوروبا (الناتو وروسيا) تصبح مطالب روسيا التعجيزية من الناتو ورد الأخير عليها دون أدنى مراعاة لهواجسها، تأتي ضمن سياق التصعيد الذي عطل إيجاد مخرج ملائم للطرفين اللذين يدافع فيه كل طرف عن جوهر طبيعته التي يراها مهددة من الطرف الآخر، لذلك تسلك موسكو مسارا تصعيديا، حتى لو أنها تلوح بالحرب، ولكن تحاول تجنبها، لكنها تظهر أنها على استعداد لخوضها مهما كانت تداعياتها.

في المقابل تقف أوروبا بشقيها الغربي والشرقي ومعها الولايات المتحدة أمام اختبار الثقة، أولا ثقة الأوروبيين ببعضهم خصوصا دول أوروبا الفاعلة أو ما يسمى بـ "كبار أوروبا" (فرنسا وألمانيا ) ودفاعهما عن مصالحهما مع روسيا بوجه دول أوروبا الشرقية المتخوفة من ان تكون هذه المصالح على حساب استقرارها، أما الثانية فهي الثقة ما بين الولايات المتحدة والأوروبيين، والتي تفتح الان السؤال واسعا حول مستقبل الشراكة ما بين ضفتي الأطلسي وخصوصا دور حلف الناتو ومستقبله، والذي يواجه الان الامتحان الأوكراني الذي سيحدد طبيعته الجديدة بعد نهاية مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبتفسير أدق الناتو ما بعد الرد على المطالب الروسية أي ما يمكن وصفه بنهاية مرحلة 1991 وبداية مرحلة 2022.

من هنا فإن إصرار الناتو على توسيع عمله في أوروبا يكشف عن تغيير جديد في طبيعته خصوصا انه هذه المرة يتموضع في محاذاة الحدود الروسية الأمر الذي يشكل تهديدا أمنيا لروسيا، ما دفع موسكو إلى تهديد الاستقرار الأوروبي، أي اللجوء إلى الهجوم من أجل الدفاع، وبات خيار غزو أوكرانيا قائما فعليا وامكانياته متاحة، كما أن بعض صناع القرار الروسي يعتبرون أن نتائج الغزو واضحة هي إبعاد التهديد عن حدودنا ونقله إلى قلب أوروبا.

وبناء عليه فإن انفجار الصراع المسلح لم يعد بحاجة إلى خديعة من أي طرف ليس كما ذكرت مصادر أميركية عن خديعة روسيا تؤدي إلى قرار الغزو ولا استدراج أوكرانيا إلى احتكاكات عنيفة مع إقليم دونباس كما جرى في جورجيا من أجل تبرير التدخل الروسي لحماية الجماعات الروسية من مليشيات أوكرانية يمينية، فالأزمة تبدو أبعد من جغرافيا وأمن، وأصبحت تمثل جوهر العلاقات بين أعضاء الناتو حول مستقبل تحالفهم من جهة، ومن جهة روسيا واختبار القوة ومحاولاتها انتزاع احترامها.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.