حصد الشهر الفائت جائزة غولدن كلوب لأفضل ممثل
حصد الشهر الفائت جائزة غولدن كلوب لأفضل ممثل

فرضت جائحة كورونا خلال العامين الفائتين عزلة قسرية بعثت السأم والضيق في النفوس، لكنها في وجهها الإيجابي كانت كمثل "ربّ ضارة نافعة"، حيث أتاحت للعديد من الناس مساحة وافية من السكينة، وفرصة وجودية لتأمل الذات، انعكستا بشكل خاص على صناع الإبداع الهوليودي بما أفرزوه من إنتاجات حديثة بدت في معظمها أكثر استرخاء، تنحو نحو محتوى أقل صخباً وعنفاً، يطغى فيها إبهار النفس البشرية على الابهار البصري، أو يتوازنان في كثير من الحالات.

 "King Richard-الملك ريتشارد" 2021 لمخرجه رينالدو ماركوس غرين وبطولة ويل سميث الذي حصد الشهر الفائت جائزة غولدن كلوب لأفضل ممثل، والمتوقع أن تؤهله للمنافسة بقوة على جوائز التمثيل في حفل الأوسكار لهذا العام، فيلم ينتمي إلى هذه الفئة النوعية من الانتاجات ذات الصبغة الانسانية المنعشة، التي تقتحم العوالم النفسية وتضيء على مشاعر أبطالها بغرض تحريض مشاعر المشاهد المتلقي بجملة من الأهداف السامية.

أهداف تثيرها في المعتاد قصص النجاح المدهشة المستندة إلى الإلهام، وقوة الحلم والطموح، ومعنى التخطيط للحياة، والتي تبنى بالحب تحت سقف عائلة داعمة، وتسعى إلى تغيير أقدارها عبر سلوكيات ممنهجة، تستند إلى ركيزة أخلاقية سليمة وسلمية، تناهض العنف والعنصرية، وتحرص على المساواة الجندرية، أضف إلى أهمية التحلي بالشجاعة للنجاح في صناعة التوازنات الخاصة بمقادير مكونات هذه الخلطة في مواجهة تحديات الحياة وقسوتها.

نجح "الملك ريتشارد" كفيلم ينتمي إلى أفلام السيرة الذاتية في صياغتها وتقديمها بسلاسة، عبر استعارته لواحدة من القصص الحقيقية المؤثرة في التاريخ الأميركي والعالمي الحديث، وإعادة سرد مشوق لتفاصيل قصة حياة الأب ريتشارد وليامز، الأميركي من أصول أفريقية، الذي تمكن بكفاحه وإيمانه بحلمه من صناعة أشهر لاعبتين نجمتين في رياضة التنس وتقديمهما للعالم: فينوس وسيرينا وليامز.

الملك ريتشارد الملقب بريتشارد قلب الأسد، والذي ألهمت شخصيته شكسبير في واحدة من أبرز إبداعاته، كما أثرت شخصيته عوالم الابداع بأعمال أدبية وسينمائية ومسرحية خالدة، سيلهم مجدداً زاك بايلين كاتب سيناريو هذا الفيلم، الذي لا يتحدث عن ملك بسيف وتاج وحاشية وحروب، بل عن أب متواضع الحال حمل قدرياً اسم ريتشارد وحمل قلب أسد، ينتمي إلى بشرة سوداء مورست ضد أبنائها جميع أشكال العنصرية وبشاعتها، يقرر أن يصير ملكاً، بل وملكاً من البشرة السوداء.

الملكية هنا ليست منصباً، بل شعوراً فخرياً مكّنه من الاحساس والتفاخر بنصره بعد نجاحه في تحقيق حلمه، ليس في كسب المال وتحقيق الثراء الباهظ الذي تحقق لاحقاً فقط، بل في تخطيطه السلمي لتغيير قدره وقدر أسرته، وقيادة المجتمع بأسره نحو التعامل الانساني الندّي معهم، المؤسس على الاحترام المفتقد في سيرته الذاتية من الرجل الأبيض ومن أبناء جلدته على حد سواء، والعزم على تعويضه عبر جوهرتيه فينوس وسيرينا الموهوبتين، وأيضاً عبر بناته الثلاث اللواتي اتجهن للعلم وتفوقن به.

العلم كهدف أول للأب ريتشارد الملك، لا يتساهل بشأنه ولا يلين، يمنحه الفيلم أهمية قوته في إنجاح حياة الفرد عبر مسلكين دراميين، يتمثل الأول بتشبث الأب بإلزامية تعليم بناته وحرصه على تفوقهن في الدراسة قبل أي تفوق آخر في الحياة، مؤمناً بأنه الأولوية كسلاح يحمي المستقبل وينمي المدارك ويلجم الغرور ويرفد الموهبة.

فيما يتمثل الثاني باحترام دور المعلم الأستاذ في الحياة، والذي يصقل بخبرته وتخصصه أية موهبة سواء كانت رياضية أو أدبية أو غيرها، حيث يفضي أي اتكاء أو ارتخاء أو الغرور بامتلاك موهبة وحدها إلى الاندثار والذوبان إن لم تدعم بالإشراف والتدريب العلمي التخصصي.

أن تكون مضطهداً، ويتوجب عليك كأب وأم أن تربيا خمس بنات في مجتمع مشحون بالعنصرية والعنف والمخدرات وكافة الشرور التي يطفح بها الشارع، مهمة عسيرة للغاية، يضيء الفيلم على تفاصيلها العميقة وثقل أعبائها كمهمة عظيمة متشابكة مع مهمة حلم النجاح.

وهي إضاءة من الأهمية أن تساهم السينما في تعزيزها تربوياً للمشاهد الأميركي والعالمي، عبر التركيز المتكرر على ضرورة تعزيز مفهوم العائلة المحصنة بالحب والتفاهم والسلام، وما تفرزه هذه الأساسات من قصص لاحقة لنجاح الأبناء والبنات.

نجاح فينوس وسيرينا كان نجاحاً وإلهاماً لكل بنات جنسهما، ونجاحهما كنجمتين تنتميان إلى البشرة السوداء بشكل خاص، بدا مضاعفاً وأكثر إلهاماً برمزيته، قاده أب وأم، تمكنا بشجاعة من إلهام السينما وصناعها للخروج بهذا الفيلم، الذي يعلم المشاهد الأميركي قصته الحقيقية ونهايته مسبقاً.

لكن إعادة طرح قصته كقصة نجاح هي حاجة مجتمعية ملحة في كل حين، بانتمائه إلى ما يعرف في التصنيفات السينمائية الاحترافية بأفلام UPLIFTING  أي القادرة على رفع الروح المعنوية للمجتمع، وبشكل خاص مقدرة هذه القصص على تعزيز حضور المرأة الناجحة ومكانتها، عبر الاضاءة المركزة على بعض الحالات الاستثنائية التي يقف فيها رجل زوج، أو أب أو أخ، أو أسرة عظيمة، وراء نجاح امرأة، نجاحاً مبهراً.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.