قوارب الموت
"هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر".

اعتاد المغاربة منذ سنوات وعقود على سماع نعي يتكرر بينهم كل يوم تقريبا، ينبئهم بموت السياسة. وغالبا ما تصاحب هذا النعي مواقف وأحكام قيمة تلخص ما يجري باسم السياسة وتحت يافطتها بالعبث والتضليل والخداع. وهو وصف لا يصدر فقط عن سياسيين وفعاليات ثقافية وفكرية، ربما أصابها التعب واليأس، بل إنه يأتي - وهذا هو الأخطر - من فئات واسعة محبطة، خبرت الأحزاب وجربت برامجها ووقفت على وعودها الكاذبة. كما اكتوت بالسياسة اللاشعبية للسلطات الحاكمة. 

وبعدما كان يتم التحذير من السياسة، كونها قد تسبب المشاكل والمتاعب والسجن، وكانت العامة تتجنب ممارستها، بات العمل السياسي والحزبي "شأنا لا يلوذ به سوى انتهازيين، ولا يرتاده إلا صاحب حاجة ومصلحة ذاتية خالصة".  

وهناك من يقول بيقين: "شوف من هي الأشكال التي تتصارع في الانتخابات، واسأل عمن هي الفئة التي تهيمن على المجالس المحلية وتصل إلى البرلمان، ومن يتكالبون على نيل "كعكة" تسيير ميزانيات المال العام؟ ذوو سوابق، ومتابعون بشيكات من دون رصيد، وناهبو ومبددو المال العام، ومرتكبو جرائم أخلاقية. إنه "البروفايل" المثالي للمشتغلين بالسياسة وأدوارها، الذي ترسمه الذهنية الشعبية حول السياسة ومتعاطيها، بل إن اللفظة الفرنسية "البولتيك" التي تعني "السياسة"، تصبح عند استعمالها في العامية المغربية لفظة تحقيرية، تعني الكذب والتضليل والفهلوة. وأصبح للسياسة مفهوم واحد، هو الارتكان إلى مهادنة السلطة وتأييد سياساتها والتصفيق لها ولو كانت مخطئة. 

***

بعد أن غاب ورحل كبار الزعماء السياسيين، خلت الساحة السياسية المغربية من شخصيات وطنية تتمتع بكاريزما مثالية وذات رمزية. ولو فتشت بين مختلف أورقة اليمين واليسار وما بينهما، فلن تعثر اليوم على واحد من هؤلاء. ولن يتأتى للمجتمعات فهم السياسة إذا لم يشعر الناس بالقدرة على الإعجاب بالسياسيين الكبار، السياسيين الذين لهم القوة على تحريك الناس والتأثير فيهم، من يعرفون كيف يصنعون من الأفراد شعبا متضامنا وينجحون في تعبئته حول قضايا وطنية عامة، فيغيرون إيجابيا مجرى تاريخه. إنها مَلَكَة لا تُمنح لكل من تطأ قدماه دروب السياسة. لذلك فالسياسيون العظماء يظلون قلة في كل جيل. لكن يحدث أن تأتي فترات قاحلة، يمر فيها جيل أو أكثر، بمعاناة التيتم ووطأة الحاجة لقادة وزعماء.  

***  
يتوافق سياق هذا الكلام مع ما يعرفه المشهد السياسي والحزبي المغربي اليوم. فلطالما تمنى المغاربة أحزابا وطنية حقيقية، ديمقراطية ومستقلة. وساورهم أمل أن يستجيب رئيس الحكومة المنتخبة وفريقه الوزاري للتطلعات وللآمال الشعبية في العدالة والكرامة والعيش الكريم. 
بعد دستور "يوليو 2011"، الذي جاء إثر احتجاجات "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي"، تضمن جملة من التحولات التي همّت منصب رئيس الحكومة، بالنص على تعيينه "من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها"، وهو من يقترح الوزراء على الملك. وهذا يعد قطيعة مع "الخروج على المنهجية الديمقراطية"، الذي أخرج عبد الرحمان اليوسفي عام 2002 من السياسة، وأبعده عن استكمال مهامه في منصب الوزير الأول لـ"حكومة التناوب"، بل أرغمه على الاعتزال حتى وفاته في ماي 2020.  

لكن الصناديق أفرزت في 2012 حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) في المرتبة الأولى، ليتبوأ أمينه العام، عبد الإله بنكيران، رئاسة الحكومة. وتكررت النتيجة في 2016، بتعيين محازبه سعد الدين العثماني بدله، بعد اعتراض خفي لأعلى السلطات في البلاد لاستمرار بنكيران في المنصب، فتم اللجوء لما سيسمى بـ "البلوكاج"، الذي قاده عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بمساعدة "تقنية" من إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. 

اعتبر عديدون عبد الإله بنكيران مجرد "حلايقي"، حكواتي ومهرج، بينما بدا لآخرين عبقريا استطاع إنزال السياسة من أبراجها إلى الشارع والبيوت، وذلك لأنه كان يتعمد الكلام بالدارجة بأسلوب فكاهي أحيانا، يشبه "الستاند آب كوميدي". لكن بنكيران سيكتشف في الأخير أنه هو أول من ظل بعيدا عن الدواليب والغرف التي تصنع فيها السياسة "الحقيقية"، التي يتحكم بها مستشارو الملك، أو "حكومة الظل". 

كما أن سعد الدين العثماني الذي خلفه، كان ذا شخصية باهتة وأقل كلاما. وقيل إن الكرسي الذي وضع عليه أكبر منه. ما جعله موضع سخرية من فئات شعبية، خاصة من لدن رواد المواقع الاجتماعية. وزاد الأمر بؤسا لما سجلته الكاميرات في رحاب القصر الملكي، يوقع مذهولا وثيقة التطبيع مع إسرائيل، وتبين أنه لم يطلع على مضمون ما أمضى عليه. بل أوتي به على عجل، كما صرح هو بنفسه لاحقا، وطلب منه التوقيع في حضرة جلالة الملك، فجلس منصاعا بين جاريد كوشنير صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات. وصارت بعض كلمات العثماني وعباراته الطريفة تثير الضحك والتنكيت، منها استسهاله الوصول لمنصب رئاسة الوزراء، ما دام واحد مثله نال المنصب. وكلامه عن التطور الحاصل في المغرب، حيث أصبح سهلا بمجرد الضغط على زر للحصول على الإنارة، كما يكفي تحريك الصنبور ليصب الماء... "ياه له من اكتشاف عظيم!".  

وسبق للأجيال السابقة أن اتخذت من شخصيات بارزة في الحقل السياسي المغربي موضوع سخرية وتنكيت، مثل النقابي والوزير الراحل محمد أرسلان الجديدي، والزعيم الصحراوي الشيخ سعيد ولد خاطري الجماني. بل إن أقوى وزير في عهد الحسن الثاني، ويده الباطشة التي كان يضرب بها، لم يفلت من سخرية الأوساط الشعبية، بسبب لهجته البدوية، وأخطائه اللغوية والإلقائية لما يعمد التحدث بالعربية الفصحى. وأشهر كلماته هي: "شهيد كوميرا" لما نطقها استهزاء من الضحايا الذين سقطوا برصاص القوات الأمنية خلال الانتفاضة الدامية "20 جوان 1981" بالدار البيضاء. 

***

وجاءت الانتخابات الأخيرة بتاريخ 8 سبتمبر 2021، ومكنت حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة عزيز أخنوش، من رئاسة الحكومة الحالية، بعد تحالفه مع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. عندها اعتقد بعض الناس أن عهدا جديدا من الزعامات السياسية انطلق، رغم أن الأمل أو التفاؤل لم يكن بالقدر الكافي، إذ الجميع لم ينس التهديدات التي أطلقها قبل الانتخابات ضد حركة المقاطعة الاقتصادية الشهيرة، متوعدا المواطنين بـ "إعادة تربيتهم". 

وهذا الأسبوع، إثر خروج منتخب المغرب من منافسات كأس افريقيا بالكاميرون، اعتلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش منصة البرلمان، للرد على الإخفاق المغربي في الرياضة، فقلل من شأن المعضلة، ونصح البرلمانيين والشعب المغربي بالتضامن مع لاعبي المنتخب "لأنهم لم يناموا ليلتهم بعد الهزيمة أمام منتخب مصر"، متهربا من مناقشة السياسة الحكومية في قطاع الرياضة، وفي مجال كرة القدم تحديدا، حيث توجه انتقادات كثيرة حول ميزانية كبرى تصرف بالمليارات على منتخب الكرة من عقود من دون تحقيق نتائج تذكر.  

وسبق لبنكيران، ليلة الانتخابات الأخيرة، بعد وصوله خبر اتجاه الأمور صوب ما لا يحمده، أن حذر من تعيين أخنوش على رأس الحكومة. ومما قاله حينها، رغم الغنى الفاحش لأخنوش فإنه يفتقر إلى الكاريزما المطلوبة، وليست لديه إلا الأموال يوزعها على المستعدين لبيع أصواتهم الانتخابية. والحقيقة أن الكاريزما المتحدث عنها اختفت وغابت بغياب الزعماء الكبار، بعدما امتلأت الساحة بأحزاب إدارية مختلقة، وبهيئات تختصر أسباب خلقها في خلط الأوراق وتمييع العمل السياسي والحزبي ليس أكثر. 

***  

وتأكد الهزال والعبث السياسي في آخر مؤتمر عقده حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في آخر يناير 2022. وكان هذا الحزب في السابق يحسب له ألف حساب، ويحظى بشعبية هائلة تتعدى أعداد المنظمين بصفوفه. وبعد ما يقارب الأربعة عقود، قضاها الاتحاد في المعارضة الجذرية، عقود أنتجت أبرز عناوين "سنوات الرصاص"، من اعتقالات وتوقيف وتعذيب وتنكيل، والزج بالمناضلين في السجون والمعتقلات السرية، ومنهم من تمت تصفيته بالاغتيال، بينما وجد آخرون أنفسهم في المنافي، ما أكسب الاتحاد تعاطفا شعبيا واسعا، جعل منه "حالة شعبية"، لأنه يعبر عن نبض الشعب وهمومه. لكن الاختراقات والتنازلات أدت إلى قبول الاتحاد من دون شروط بترؤس ما سمي بـ"حكومة التناوب" في آخر عهد الحسن الثاني، ونصب عبد الرحمان الوسفي وزيرا أول في حكومة مبلقنة تشكلت من أحزاب ظل الاتحاد يصفها باستمرار بالأحزاب الإدارية والمخزنية. وكانت هدية مسمومة بترياق يشوه وجه متناوله، ويفقده الذاكرة، ويتركه بلا أطراف وغير قادر على المشي والحركة من دون مساعدة أو جلوس على كرسي متحرك. ولأنه كرسي الحكومة "متحرك"، فقد عاد الاتحاد إلى خارج الحكومة، لكنه لم يستطع الوقوف، وظل بحاجة لـ"سيروم" (مصل) السلطات. هكذا صار الحزب القوي والعتيد تابعا لحزب "الأصالة والمعاصرة" الذي ولد بـ"أنابيب القصر". ثم تحول الاتحاد إلى منقاد بتعليمات التجمع الوطني للأحرار. بعد أن أفرغ الاتحاد الاشتراكي من مناضليه وأطره ومثقفيه الذي كانوا يزينون ليس فقط صورة الحزب التاريخي، بل صورة بلد بأكمله. وجيء بأشخاص من الأعيان ممن لا يفهمون معنى الاشتراكية كإيديولوجيا، أو ماهية اليسار، وآخرين من  ذوي السمعة السيئة والسوابق، ترشحوا وفازوا في الانتخابات باسم الاتحاد الاشتراكي. وظل الكاتب الأول إدريس لشكر متشبثا بالمشاركة في الحكومة، حتى بعد ترتيب حزبه رابعا، لكن أخنوش ومن معه كان لهم "رأي مختلف"، فانتقل لشكر للاستجداء ولو بحقيبتين، له ولبنته، (كما ذكرت المصادر). لكن النصح أتى يأمره بالاصطفاف في المعارضة، فسارع لشكر للكلام عما أسماه بـ"التغول الحكومي". الغول إذن سطا على أمل الاشتراكي لشكر، رغم تذكيره لصاحبه أخنوش بما قدمه له في 2016 خلال عملية "البلوكاج" من أجل إبعاد بنكيران، إذ لولا فتاوى إدريس لشكر، لما حصل إعفاء بنكيران بتلك الطريقة "السلسة". وهو ما لم ينسه بنكيران العائد من "تقاعد مريح" (هبة ملكية، 9 آلاف دولار شهريا) إلى رئاسة حزب العدالة والتنمية، حيث لا يتردد بنكيران في وصف إدريس لشكر بـ"البلطجي السياسي". 

ولأن القوانين الداخلية لحزب الاتحاد تنص على ولايتين فقط لمنصب الكاتب الأول، ولأن لشكر لم يحقق بعد مشروعه الكبير الذي يحلو له تسميته بـ "التناوب الثالث"، فلا بد من "ولاية ثالثة" ولو طال السفر. هكذا عمد لشكر إلى تغيير قانون الحزب خارج القانون، وترأس لجنة تحضير المؤتمر، و"انتخب" المؤتمرين، وأقصى كل من سولت له نفسه منافسته أو انتقاده. ونصب عدة منصات إلكترونية متفرقة بجهات المغرب، ثم أعلن نفسه كاتبا أول للمرة الثالثة، ليتكلم في الختام عن "المصالحة التاريخية والتوجه إلى المستقبل". 

 ***  

هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر في مضيق جبل طارق وفي المحيط الأطلسي، والموت حنقا وحرقا وقهرا ومرضا، يتوج في هذه الأثناء بالموت في غيابات الجب (الطفل ريان). 

هي "سلطة الحياة والموت" التي تتحكم في رقاب الناس، تمنح الحياة لمن تشاء، وتردي الآخرين بالموت. والناس يحيون في "حياة تفترض الموت ويتعايشون معها"، كما قال الفيلسوف الكامروني أشيل مبيمبي. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.