قوارب الموت
"هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر".

اعتاد المغاربة منذ سنوات وعقود على سماع نعي يتكرر بينهم كل يوم تقريبا، ينبئهم بموت السياسة. وغالبا ما تصاحب هذا النعي مواقف وأحكام قيمة تلخص ما يجري باسم السياسة وتحت يافطتها بالعبث والتضليل والخداع. وهو وصف لا يصدر فقط عن سياسيين وفعاليات ثقافية وفكرية، ربما أصابها التعب واليأس، بل إنه يأتي - وهذا هو الأخطر - من فئات واسعة محبطة، خبرت الأحزاب وجربت برامجها ووقفت على وعودها الكاذبة. كما اكتوت بالسياسة اللاشعبية للسلطات الحاكمة. 

وبعدما كان يتم التحذير من السياسة، كونها قد تسبب المشاكل والمتاعب والسجن، وكانت العامة تتجنب ممارستها، بات العمل السياسي والحزبي "شأنا لا يلوذ به سوى انتهازيين، ولا يرتاده إلا صاحب حاجة ومصلحة ذاتية خالصة".  

وهناك من يقول بيقين: "شوف من هي الأشكال التي تتصارع في الانتخابات، واسأل عمن هي الفئة التي تهيمن على المجالس المحلية وتصل إلى البرلمان، ومن يتكالبون على نيل "كعكة" تسيير ميزانيات المال العام؟ ذوو سوابق، ومتابعون بشيكات من دون رصيد، وناهبو ومبددو المال العام، ومرتكبو جرائم أخلاقية. إنه "البروفايل" المثالي للمشتغلين بالسياسة وأدوارها، الذي ترسمه الذهنية الشعبية حول السياسة ومتعاطيها، بل إن اللفظة الفرنسية "البولتيك" التي تعني "السياسة"، تصبح عند استعمالها في العامية المغربية لفظة تحقيرية، تعني الكذب والتضليل والفهلوة. وأصبح للسياسة مفهوم واحد، هو الارتكان إلى مهادنة السلطة وتأييد سياساتها والتصفيق لها ولو كانت مخطئة. 

***

بعد أن غاب ورحل كبار الزعماء السياسيين، خلت الساحة السياسية المغربية من شخصيات وطنية تتمتع بكاريزما مثالية وذات رمزية. ولو فتشت بين مختلف أورقة اليمين واليسار وما بينهما، فلن تعثر اليوم على واحد من هؤلاء. ولن يتأتى للمجتمعات فهم السياسة إذا لم يشعر الناس بالقدرة على الإعجاب بالسياسيين الكبار، السياسيين الذين لهم القوة على تحريك الناس والتأثير فيهم، من يعرفون كيف يصنعون من الأفراد شعبا متضامنا وينجحون في تعبئته حول قضايا وطنية عامة، فيغيرون إيجابيا مجرى تاريخه. إنها مَلَكَة لا تُمنح لكل من تطأ قدماه دروب السياسة. لذلك فالسياسيون العظماء يظلون قلة في كل جيل. لكن يحدث أن تأتي فترات قاحلة، يمر فيها جيل أو أكثر، بمعاناة التيتم ووطأة الحاجة لقادة وزعماء.  

***  
يتوافق سياق هذا الكلام مع ما يعرفه المشهد السياسي والحزبي المغربي اليوم. فلطالما تمنى المغاربة أحزابا وطنية حقيقية، ديمقراطية ومستقلة. وساورهم أمل أن يستجيب رئيس الحكومة المنتخبة وفريقه الوزاري للتطلعات وللآمال الشعبية في العدالة والكرامة والعيش الكريم. 
بعد دستور "يوليو 2011"، الذي جاء إثر احتجاجات "حركة 20 فبراير"، المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي"، تضمن جملة من التحولات التي همّت منصب رئيس الحكومة، بالنص على تعيينه "من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها"، وهو من يقترح الوزراء على الملك. وهذا يعد قطيعة مع "الخروج على المنهجية الديمقراطية"، الذي أخرج عبد الرحمان اليوسفي عام 2002 من السياسة، وأبعده عن استكمال مهامه في منصب الوزير الأول لـ"حكومة التناوب"، بل أرغمه على الاعتزال حتى وفاته في ماي 2020.  

لكن الصناديق أفرزت في 2012 حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) في المرتبة الأولى، ليتبوأ أمينه العام، عبد الإله بنكيران، رئاسة الحكومة. وتكررت النتيجة في 2016، بتعيين محازبه سعد الدين العثماني بدله، بعد اعتراض خفي لأعلى السلطات في البلاد لاستمرار بنكيران في المنصب، فتم اللجوء لما سيسمى بـ "البلوكاج"، الذي قاده عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، بمساعدة "تقنية" من إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. 

اعتبر عديدون عبد الإله بنكيران مجرد "حلايقي"، حكواتي ومهرج، بينما بدا لآخرين عبقريا استطاع إنزال السياسة من أبراجها إلى الشارع والبيوت، وذلك لأنه كان يتعمد الكلام بالدارجة بأسلوب فكاهي أحيانا، يشبه "الستاند آب كوميدي". لكن بنكيران سيكتشف في الأخير أنه هو أول من ظل بعيدا عن الدواليب والغرف التي تصنع فيها السياسة "الحقيقية"، التي يتحكم بها مستشارو الملك، أو "حكومة الظل". 

كما أن سعد الدين العثماني الذي خلفه، كان ذا شخصية باهتة وأقل كلاما. وقيل إن الكرسي الذي وضع عليه أكبر منه. ما جعله موضع سخرية من فئات شعبية، خاصة من لدن رواد المواقع الاجتماعية. وزاد الأمر بؤسا لما سجلته الكاميرات في رحاب القصر الملكي، يوقع مذهولا وثيقة التطبيع مع إسرائيل، وتبين أنه لم يطلع على مضمون ما أمضى عليه. بل أوتي به على عجل، كما صرح هو بنفسه لاحقا، وطلب منه التوقيع في حضرة جلالة الملك، فجلس منصاعا بين جاريد كوشنير صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات. وصارت بعض كلمات العثماني وعباراته الطريفة تثير الضحك والتنكيت، منها استسهاله الوصول لمنصب رئاسة الوزراء، ما دام واحد مثله نال المنصب. وكلامه عن التطور الحاصل في المغرب، حيث أصبح سهلا بمجرد الضغط على زر للحصول على الإنارة، كما يكفي تحريك الصنبور ليصب الماء... "ياه له من اكتشاف عظيم!".  

وسبق للأجيال السابقة أن اتخذت من شخصيات بارزة في الحقل السياسي المغربي موضوع سخرية وتنكيت، مثل النقابي والوزير الراحل محمد أرسلان الجديدي، والزعيم الصحراوي الشيخ سعيد ولد خاطري الجماني. بل إن أقوى وزير في عهد الحسن الثاني، ويده الباطشة التي كان يضرب بها، لم يفلت من سخرية الأوساط الشعبية، بسبب لهجته البدوية، وأخطائه اللغوية والإلقائية لما يعمد التحدث بالعربية الفصحى. وأشهر كلماته هي: "شهيد كوميرا" لما نطقها استهزاء من الضحايا الذين سقطوا برصاص القوات الأمنية خلال الانتفاضة الدامية "20 جوان 1981" بالدار البيضاء. 

***

وجاءت الانتخابات الأخيرة بتاريخ 8 سبتمبر 2021، ومكنت حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة عزيز أخنوش، من رئاسة الحكومة الحالية، بعد تحالفه مع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال. عندها اعتقد بعض الناس أن عهدا جديدا من الزعامات السياسية انطلق، رغم أن الأمل أو التفاؤل لم يكن بالقدر الكافي، إذ الجميع لم ينس التهديدات التي أطلقها قبل الانتخابات ضد حركة المقاطعة الاقتصادية الشهيرة، متوعدا المواطنين بـ "إعادة تربيتهم". 

وهذا الأسبوع، إثر خروج منتخب المغرب من منافسات كأس افريقيا بالكاميرون، اعتلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش منصة البرلمان، للرد على الإخفاق المغربي في الرياضة، فقلل من شأن المعضلة، ونصح البرلمانيين والشعب المغربي بالتضامن مع لاعبي المنتخب "لأنهم لم يناموا ليلتهم بعد الهزيمة أمام منتخب مصر"، متهربا من مناقشة السياسة الحكومية في قطاع الرياضة، وفي مجال كرة القدم تحديدا، حيث توجه انتقادات كثيرة حول ميزانية كبرى تصرف بالمليارات على منتخب الكرة من عقود من دون تحقيق نتائج تذكر.  

وسبق لبنكيران، ليلة الانتخابات الأخيرة، بعد وصوله خبر اتجاه الأمور صوب ما لا يحمده، أن حذر من تعيين أخنوش على رأس الحكومة. ومما قاله حينها، رغم الغنى الفاحش لأخنوش فإنه يفتقر إلى الكاريزما المطلوبة، وليست لديه إلا الأموال يوزعها على المستعدين لبيع أصواتهم الانتخابية. والحقيقة أن الكاريزما المتحدث عنها اختفت وغابت بغياب الزعماء الكبار، بعدما امتلأت الساحة بأحزاب إدارية مختلقة، وبهيئات تختصر أسباب خلقها في خلط الأوراق وتمييع العمل السياسي والحزبي ليس أكثر. 

***  

وتأكد الهزال والعبث السياسي في آخر مؤتمر عقده حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في آخر يناير 2022. وكان هذا الحزب في السابق يحسب له ألف حساب، ويحظى بشعبية هائلة تتعدى أعداد المنظمين بصفوفه. وبعد ما يقارب الأربعة عقود، قضاها الاتحاد في المعارضة الجذرية، عقود أنتجت أبرز عناوين "سنوات الرصاص"، من اعتقالات وتوقيف وتعذيب وتنكيل، والزج بالمناضلين في السجون والمعتقلات السرية، ومنهم من تمت تصفيته بالاغتيال، بينما وجد آخرون أنفسهم في المنافي، ما أكسب الاتحاد تعاطفا شعبيا واسعا، جعل منه "حالة شعبية"، لأنه يعبر عن نبض الشعب وهمومه. لكن الاختراقات والتنازلات أدت إلى قبول الاتحاد من دون شروط بترؤس ما سمي بـ"حكومة التناوب" في آخر عهد الحسن الثاني، ونصب عبد الرحمان الوسفي وزيرا أول في حكومة مبلقنة تشكلت من أحزاب ظل الاتحاد يصفها باستمرار بالأحزاب الإدارية والمخزنية. وكانت هدية مسمومة بترياق يشوه وجه متناوله، ويفقده الذاكرة، ويتركه بلا أطراف وغير قادر على المشي والحركة من دون مساعدة أو جلوس على كرسي متحرك. ولأنه كرسي الحكومة "متحرك"، فقد عاد الاتحاد إلى خارج الحكومة، لكنه لم يستطع الوقوف، وظل بحاجة لـ"سيروم" (مصل) السلطات. هكذا صار الحزب القوي والعتيد تابعا لحزب "الأصالة والمعاصرة" الذي ولد بـ"أنابيب القصر". ثم تحول الاتحاد إلى منقاد بتعليمات التجمع الوطني للأحرار. بعد أن أفرغ الاتحاد الاشتراكي من مناضليه وأطره ومثقفيه الذي كانوا يزينون ليس فقط صورة الحزب التاريخي، بل صورة بلد بأكمله. وجيء بأشخاص من الأعيان ممن لا يفهمون معنى الاشتراكية كإيديولوجيا، أو ماهية اليسار، وآخرين من  ذوي السمعة السيئة والسوابق، ترشحوا وفازوا في الانتخابات باسم الاتحاد الاشتراكي. وظل الكاتب الأول إدريس لشكر متشبثا بالمشاركة في الحكومة، حتى بعد ترتيب حزبه رابعا، لكن أخنوش ومن معه كان لهم "رأي مختلف"، فانتقل لشكر للاستجداء ولو بحقيبتين، له ولبنته، (كما ذكرت المصادر). لكن النصح أتى يأمره بالاصطفاف في المعارضة، فسارع لشكر للكلام عما أسماه بـ"التغول الحكومي". الغول إذن سطا على أمل الاشتراكي لشكر، رغم تذكيره لصاحبه أخنوش بما قدمه له في 2016 خلال عملية "البلوكاج" من أجل إبعاد بنكيران، إذ لولا فتاوى إدريس لشكر، لما حصل إعفاء بنكيران بتلك الطريقة "السلسة". وهو ما لم ينسه بنكيران العائد من "تقاعد مريح" (هبة ملكية، 9 آلاف دولار شهريا) إلى رئاسة حزب العدالة والتنمية، حيث لا يتردد بنكيران في وصف إدريس لشكر بـ"البلطجي السياسي". 

ولأن القوانين الداخلية لحزب الاتحاد تنص على ولايتين فقط لمنصب الكاتب الأول، ولأن لشكر لم يحقق بعد مشروعه الكبير الذي يحلو له تسميته بـ "التناوب الثالث"، فلا بد من "ولاية ثالثة" ولو طال السفر. هكذا عمد لشكر إلى تغيير قانون الحزب خارج القانون، وترأس لجنة تحضير المؤتمر، و"انتخب" المؤتمرين، وأقصى كل من سولت له نفسه منافسته أو انتقاده. ونصب عدة منصات إلكترونية متفرقة بجهات المغرب، ثم أعلن نفسه كاتبا أول للمرة الثالثة، ليتكلم في الختام عن "المصالحة التاريخية والتوجه إلى المستقبل". 

 ***  

هو موت السياسة الذي لا ينتج عنه سوى سياسة الموت، فمواكب "قوارب الموت" لا تتوقف، وغرقاها بلا حصر في مضيق جبل طارق وفي المحيط الأطلسي، والموت حنقا وحرقا وقهرا ومرضا، يتوج في هذه الأثناء بالموت في غيابات الجب (الطفل ريان). 

هي "سلطة الحياة والموت" التي تتحكم في رقاب الناس، تمنح الحياة لمن تشاء، وتردي الآخرين بالموت. والناس يحيون في "حياة تفترض الموت ويتعايشون معها"، كما قال الفيلسوف الكامروني أشيل مبيمبي. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.