على وفق هواجس التهميش والمخاوف من التعرّض للإقصاء، أصرَّ السياسيون الكرد في لجنة كتابة الدستور على أن انتخاب رئيس الجمهورية يكون بأغلبية ثلثَي عدد أعضاء مجلس النوّاب في الجولة الأولى، وذلك كمحاولة لبقاء هذا المنصب من حصتهم. وعلى اعتبار أنهم بيضة القبّان في ضمان النصاب المطلوب لانتخاب رئيس الجمهورية.
لم يخطر ببال أحد من السياسيين الكرد أن هذا الشرط سيكون عائقاً أمام تمرير مرشحهم لِلمنصب في حال عدم اتفاقهم على مرشح واحد، وأن الفرقاء الآخرين يمكن لهم أن يراهنوا على اختلافهم ويمكن أن تكون الكرة في ملعب الثُلث المعطَّل وليس الثُلث المطلوب للانتخاب.
كذلك لم يخطر ببال الكتل السياسية الشيعية أن الكتلة النيابية الأكثر عدداً لا يمكن أن تبقى فقط محصورة بين القوى السياسية الشيعية، حتى إن دخلوا الانتخابات مختلفين متخاصمين، فإنَّ هذا الاشتراط الدستوري سيوحدهم داخل مجلس النواب حتى يضمنوا بقاء رئاسة الوزراء من حصتهم باعتبارهم المكوّن المذهبي الأكبر في العراق. ولذلك تفاجؤوا في 2010 بأن هذه الكتلة ليس بالضرورة أن تضم جميع الفرقاء الشيعة إذا استطاعت قائمة انتخابية من اكتساح أعلى المقاعد في الانتخابات، لكنّهم تداركوا الوضع بالعودة إلى تحالفات بين القوى السياسية الشيعية يمكنها الحفاظ على بقاء منصب رئيس الحكومة من حصة الشيعة.
إذاً، تحالف المعارضة والمظلومية الذي أنتج دستور جمهورية العراق لسنة 2005، لم تكن نصوصه تراعي بناء دولة المؤسسات بالقدر الذي أهتمت بضمان حقوق المكونات الطائفية في البقاء في معادلة الحكم. إذ حتى اختيار النظام البرلماني لم يكن نتيجة لاعتبارات أفضليته على بقية الأنظمة، وإنما السبب الرئيس هو بقاء المنصب التنفيذي الأعلى في الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حصرياً بيد القوى السياسية الشيعية باعتبار هذا المنصب حقّ المكون الشيعي، مِن دون اعتبارات سياسية أخرى.
من المفارقات الدستورية أن اختيار رئيس مجلس النواب يتطلب تمريره الأغلبية المطلقة، رغم أن هذا المنصب يدير المؤسسة الرقابية والتشريعية والتي مِن خلالهما يتجسّد دورها كشريك في صنع السياسات العامة ومراقبة تنفيذها، من دون الالتفات إلى أهمية أن يحظى رئيس البرلمان بأعلى نسبة من الاجماع بين أعضاء مجلس النواب. وفي قبال ذلك، اشترط الدستور على ثلثَي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو منصب بصلاحيات محدودة جدّاً وأغلبها تشريفية في النظام البرلماني. لذلك فإن مَن كتبوا الدستور لم يهتمّوا لمنصب رئيس مجلس النواب، ما دام هذا المنصب ليس مطلق اليد فهو محكوم بالتوافق بين هيئة رئاسية تضم الرئيس ونائبَيه.
معادلة الحكم في العراق أسس لها تحالف بين الكرد والشيعة، وأنضمَّ إليها لاحقاً السياسيون السنة، ومنذ ذلك التأسيس باتت محكومة بين متناقضين: الأول، هو التنافس بين الفرقاء السياسيين على توسيع نفوذهم وسطوتهم على الدولة ومؤسساتها ومواردها. والثاني، رغبة الزعامات السياسية في الاستفراد بالسلطة والنفوذ والتي تدفعهم إلى إقصاء الخصوم والمنافسين. هذه المعادلة أنتجت لنا منظومة حكم تدار بأعراف سياسية تقوم على أساس تقاسم السلطة لا على أساس نتائج الانتخابات وما تفرزه من أوزان سياسية، ولا على الاحتكام إلى الدستور.
ولم تعد الساحة السياسية قادرة على تحمل تعدد مراكز القرار السياسي بين الزعامات السياسية داخل المكونات الطائفية والقومية، إذ لم تعد التدخلات الخارجية قادرة - مثل السابق - على احتواء التناقضات بين أطراف المعادلة السياسية، وباتت قواعد اللعبة السياسية لا تقبل البقاء ضمن معادلة تقاسم السلطة حتى مع القوى التي تخسر مقاعدها في الانتخابات. والقواعد الجديدة التي يعتمدها اللاعبون الكبار، وفقاً لحصولهم على أعلى المقاعد في الانتخابات، هي لعبة صفرية، فما يربحه طرفٌ سياسي هو خسارة لِلطرف السياسي الآخر، وبالنتيجة لا بقاء لِلخاسرين في دائرة النفوذ السياسي.
يريد الصدريون فرض الانقلاب على معادلة تقاسم السلطة بين الفرقاء الشيعة، وبالنتيجة هم يعتقدون أن الأعراف السياسية التي قامت على أساسها إدارة الحكم، لا تتلاءم مع نفوذهم السياسي، وهم ليسوا مضطرين إلى الإبقاء على نمط الحكم الذي يسمح بتعدد مراكز القوى بدلاً من تركيزها بيد الفائزين بالانتخابات. ويريد الحزب الديمقراطي الكردستاني فرض معادلة حكم جديدة في إقليم كردستان من جانب، وفي شراكتهم في الحكومة الاتحادية من جانب آخر. فهذه المعادلة يجب أن تؤسس على إضعاف الخصوم بدلاً من الإبقاء على الترضيات القائمة على الاعتبارات الشخصية بين الزعيمَين مسعود البرزاني والراحل مام جلال طالباني.
الحراك السياسي الذي يسعى إلى تشكيل حكومة أغلبية، بصرف النظر عن النجاح أو الإخفاق في تحقيقه على أرض الواقع، محاولة لكسر المنظومة السلطوية التي تراهن على سرمدية وأبدية تحالفات استراتيجية وتاريخية، ولا تريد الاعتراف بأن السياسيين في العراق يجب أن يفهموا أن الأرجحية إلى لتحالفات جديدة تؤسسها نتائج الانتخابات لا مساومات الترضية وجبر الخواطر.
لم تعد شعارات الماضي التي أسست لِلعملية السياسية قادرة على الاستمرار أمام الحراك السياسي الراهن الذي يراد له أن يؤسس لملامح نمط حكم جديد تؤسسه الأطراف الأقوى في المعادلة السياسية الراهنة، إذ لم يعد أسيراً لتفاهمات سابقة لا تتلاءم مع رغبة القوى الفائزة في انتخابات 2021، التي تريد أن تؤسس لِتمركز نفوذها بدلاً مِن مشاركة خصومها بضغوط خارجية، وإن محاولة التمرّد على الصفقات والتوافقات التي كانت تشكل على أساس الحكومات السابقة ستكون هي البداية نحو منظومة حكم جديد.

