مساحة الاتفاق بين الدولتين أوسع بكثير من مساحة الافتراق
مساحة الاتفاق بين الدولتين أوسع بكثير من مساحة الافتراق

إن البحث في عمق المواقف/المصالح الروسية والأميركية في سوريا، يظهر بشكل واضح، أن مساحة الاتفاق بين الدولتين، أوسع بكثير من مساحة الافتراق.. وأن إمكانية التجسير بين الجانبين، تبدو متاحة للغاية إن توفرت الرغبة والإرادة المشتركتين لفعل ذلك، لكن أسباباً أخرى، خارج سوريا، ربما تكون العقبة الأهم في طريق عمل أميركي – روسي في سوريا، وأهمها احتدام حدة الصراع بين الدولتين في ملفات دولية أخرى: أوكرانيا، الناتو وأمن أوروبا، الحرب السيبرانية، أمن الطاقة والأمن الاستراتيجي وغيرها من ملفات أشد صعوبة وأكثر خطورة وتعقيداً.

ويُعد تمسك الجانبين بنظرية "الرزمة الشاملة" في علاقاتهما الثنائية، عقبة تحول دون "فصل الأزمات" إحداها عن الأخرى، والتعامل مع كل واحدة منها، وفقاً لظروفها ومعطياتها، والدولتان الكبريان كما يتضح، تفضلان تكتيك "التهدئة على مختلف الجبهات، أو التصعيد على جميع خطوط التماس".

حددت واشنطن مصالحها في سوريا بأربع: الحرب على الإرهاب، احتواء النفوذ الإيراني وتغيير سلوك النظام في إطار عملية سياسية ذات مصداقية، تحفظ من ضمن ما تحفظ، مصالح وحقوق حلفائها الكرد في شمالي سوريا.

وفي التفاصيل، ترى واشنطن أن "داعش" والقاعدة والمنظمات الإرهابية المتفرعة عنهما، ما زالت تشكل تهديداً لأمنها وأمن حلفائها في العالم، وليس في الإقليم وحده، وتنهض أحداث الحسكة والاشتباكات الكبرى بين "داعش" و"قسد" ودخول القوات الأميركية على خط المعارك للسيطرة على "سجن الصناعة"، كشاهد على واحدة من أولويات الوجود الأميركي في سوريا، كما أن العملية النوعية التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية وانتهت إلى مصرع أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، زعيم داعش، تبرز كدلالة إضافية على أن الحرب على الإرهاب لم تضع أوزارها بعد.

حول هذه الأولوية، لا يبدو الموقف الروسي بعيداً عن الموقف الأميركي، فلموسكو مصلحة في القضاء على التطرف الإسلامي العنيف، وبعض مقاتلي داعش والقاعدة، يتحدرون من أصول روسية، أو من الدول المسلمة الدائرة في فضاء روسيا وجوارها... لكن التعريف الروسي للإرهاب، يتوسع قليلاً عن التعريف الأميركي، فروسيا تنظر عموماً لمعظم الجماعات المسلحة، ذات المرجعية الإسلامية، بوصفها تنظيمات إرهابية يتعين اجتثاثها... هنا يُعتقد أن قليلاً من التعاون والتنسيق بين الجانبين، من شأنه التسريع في "تحييد" خطر الإرهاب، سيما وأن الإرهابيين يمتدون على مناطق سيطرة كل منهما... التكامل يبدو خياراً مفضلاً في الحرب على الإرهاب، مع أن التنافس في استهداف الإرهابيين، يبدو بدوره أمراً حميداً، ويخدم مصالح جميع الأطراف.

على أن الملاحظة الأهم في هذا السياق، هو ضمان ابتعاد الأطراف عن أي مسعى لتوظيف جماعات الإرهاب للمس بمصالح وقوات الطرف الآخر، سواء أتم ذلك بحجب المعلومات الاستخبارية، أو بالدعم والتشجيع، أو بالصمت المتواطئ.

الهدف الثاني، وربما الأول، للسياسة الأميركية في سوريا، هو احتواء النفوذ الإيراني إن تعذّر استئصاله، ويتجلى ذلك في جملة من الأهداف الفرعية:

إبعاد الميليشيات الإيرانية عن الحدود مع إسرائيل والأردن لـ"مسافة آمنة".

منع إيران من السيطرة على ممرات برية تصل العراق بسوريا، وتؤمن لطهران طريقاً برياً يربط قزوين بالمتوسط، ولهذا رأينا واشنطن تحتفظ بقاعدة "التنف" جنوباً، وبحضور مباشر في مناطق "قسد" شمالاً. 

منع إيران من الاحتفاظ بوجود عسكري وازن في سوريا، مباشر أو من خلال ميليشيات محسوبة عليها. 

الحيلولة دون إيصال السلاح النوعي والصواريخ الدقيقة لحزب الله في لبنان، عبر سوريا.

روسيا ليست بعيدة عن هذه الأهداف، سيما بعد انقضاء زمن المعارك البرية الكبرى في سوريا، كما أعلن الكرملين ذاته، فكافة الدلائل تشير، إلى رغبة ومصلحة روسية مباشرتين، في إضعاف التأثير والنفوذ الإيرانيين في سوريا، وبشتى الوسائل، وهي عملت عن قرب مع الأردن وإسرائيل لإبعاد الميليشيات المذهبية عن الحدود ما أمكن، وهي دفعت بالفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد المقربة من إيران، بعيداً عن ترتيبات محافظة درعا، وأحلت محلها الفرقة الخامسة المحسوبة عليها، وهي ساعدت بالتنسيق مع الأردن، في تقليص أعداد اللاجئين المقيمين في مخيم الركبان على مقربة من المثلث الحدودي الأردني – السوري – العراقي، وغير البعيد عن قاعدة "التنف".

وموسكو تعطي أذناً من طين وأخرى من عجين، لكل نداءات أصدقائها في سوريا وإيران ولبنان، ولا تبالي بانتقاداتهم لها، على خلفية امتناعها عن التصدي للضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية ضد أهداف لإيران وميليشياتها في سوريا، وصولاً إلى ميناء اللاذقية على مبعدة كيلومترات قلائل من قاعدة "حميميم"، فيما يشبه "تفاهم الجنتلمان" بين الجانبين، تعطي بموجبه موسكو الأمان للطائرات الإسرائيلية التي تعربد في السماوات السورية، نظير امتناع إسرائيل عن ضرب أهداف حيوية للجيش السوري، أو تهديد الوجود العسكري الروسي في سوريا.

وفي المرات القليلة التي أعربت فيها موسكو عن غضبها للضربات الإسرائيلية، كانت حين استهدفت مواقع حيوية للجيش السوري، أو هددت أو كادت تهدد، حركة الطيران أو القوات الروسية المنتشرة في شتى البقاع السورية.

روسيا راغبة في تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، والحد من الهيمنة الإيرانية على بعض مؤسسات صنع القرار السياسي والأمني في سوريا، وما يتردد عن "سحب" كثير من صلاحيات رجل سوريا الأمني القوي الجنرال علي مملوك لصالح اللواء حسام لوقا، النجم الصاعد في عالم الأمن والمخابرات السورية، إنما يندرج في سياق التنافس الروسي الإيراني في سوريا وعليها... وعليه فإن فرص الوصول إلى تفاهمات أميركية – روسية حول الوجود الإيراني الرسمي والمليشياوي، تبدو راجحة، إن توفرت للجانبين الرغبة المشتركة في العمل المشترك.

واشنطن كفّت منذ زمن، عن المطالبة بـ "تغيير النظام" في دمشق، وقد تعزز هذا التوجه، بمقدم إدارة بايدن، وأكد هذا المعطى إلى جانب كثير من المسؤولين الأميركيين، الموفد الأممي غير بيدرسون مؤخراً... واشنطن تريد تغيير "سلوك النظام"، ولا تريد إسقاطه.

تفتح هذه المقاربة الباب لحوار روسي – أميركي، حول المقصود بتغيير السلوك، في أية مجالات وبأية حدود، وكيف سيتم ذلك... هنا، يبدو من الهام الإنصات إلى ما يقوله بيدرسون عن مقاربة "خطوة مقابل خطوة"، وهي مقاربة سبق للأردن والإمارات أن تحدثا بها، بعد أن أدركت الدولتان أن زمن الحروب الكبرى وتغيير النظام قد ولّى، وبعد أن تيقنتا من أن مسار أستانا لم يعد لديه "فائض قيمة" يضفيها على فرص الحل السياسي، وأن واشنطن وحلفائها، لن يكون بمقدورهم وحدهم، من دون روسيا، التقدم على دروب الحل السياسي، ولعل فكرة "المؤتمر الدولي" التي يتحدث عنها الموفد الأممي، ومقاربته الجديدة، "خطوة مقابل خطوة"، هي التجسيد لهذه المعطيات والمتغيرات، وربما هذا هو ما حدا بالموفد للقول بأن لديه "دعم صلب" من قبل كل من روسيا والولايات المتحدة.

ستحتاج مسألة النظام وتغيير سلوكه، إلى جهد أكبر للتقريب بين واشنطن وموسكو... الأولى، قد تصر على إثارة الكثير من ملفات حقوق الانسان و"العدالة الانتقالية" (وقد لا تفعل)، أما الثانية فأقل اعتناء بهذه الملفات، وحليفها في دمشق، أقل مرونة في الاستجابة لهذه العناوين، ولا ندري إن كان بوارد "تغيير سلوكه" أصلاً، أم أنه يفكر بخطوات تجميلية، تجعل التوافق متعذراً.

تصر واشنطن على رعاية المشروع الكردي في شمالي سوريا، وبالذات في شماليها الشرقي، وهي تجازف بعلاقات مضطربة مع حليفتها "الأطلسية" نظير حمايتها ورعايتها للكيان الكردي الذي تناصبه أنقرة أشد العداء، وتصفه إرهابياً... لكن موسكو في المقابل، تحتفظ بعلاقات تاريخية وراهنة طيبة مع أكراد سوريا والمنطقة، وهي تعمل بكثافة على خط القامشلي – دمشق، ولكن دون جدوى، فالأكراد ما زالت "سقوفهم عالية" و"رهاناتهم مرتفعة" متشجعين بالدعم الأميركي، ودمشق، كما يقول دبلوماسيون روس في مجالس خاصة، لا تبدي أي قدر من المرونة حيال مطالب الأكراد، ويبدو أنها ما زالت تراهن على العودة بهم إلى ما كان عليه حالهم قبل العام 2011.

موسكو، وليست واشنطن، وفي الجولة الثانية من مفاوضات استانة بين النظام والمعارضة، تقدمت للطرفين بمشروع دستوري "فيدرالي" لسوريا، رفضه النظام والمعارضة سواء بسواء، وجرى طي صفحة المشروع، أما الاستنتاج المتأتي من هذه المحاولة، فيقول أن موسكو يمكن أن تكون منفتحة على أية أفكار للإدارة المحلية للكرد، في إطار فيدرالي أو "لا مركزية موسعة"، شريطة أن يظل الكرد جزءاً من الدولة السورية، وهو أمر لا شك، ستجد فيه واشنطن، ما يمكن أن يشكل حلاً للمسألة الكردية، سيما وأن واشنطن تدرك أن أي مسعى انفصالي كردي، سيقود إلى مواجهة مع أنقرة ودمشق وبغداد وطهران، وهذا آخر ما تريده واشنطن في الوقت الحالي.

هنا أيضاً، تبدو فرص التوافق بين موسكو وواشنطن، أعلى بكثير من فرص الافتراق والتباعد، لكن الظروف المحيطة بتصاعد الأزمة الأوكرانية، وحالة الاستقطاب شديدة الخطورة بين القطبين، تجعل التفكير ببناء جسور تقارب بينهما في سوريا، أمراً غير مندرج على جدول أعمالهما، أقلهما في المدى المرئي.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.