إقليم كردستان في احتفالات عيد النوروز
أكراد يحتلفون بعيد النوروز في إقليم كردستان- أرشيف

في مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وبشكل دائم، وفي مختلف دول المنطقة التي تحوي "أقليات" قومية كُردية وازنة، في سوريا العراق إيران وتركيا، يُمكن رصد تدفق أخبار وحوادث تتعلق بأفعال فجة عدائية مناهضة لأبناء هذه الجماعة القومية الكردية. 

في الشهر الأخير فقط، وكمثال ليس إلا، حُكمت المعلمة الكُردية/الإيرانية زارا مُحمدي بالسجن لمدة خمس سنوات من قِبل "محكمة الثورة" في مدينة "سنه" ذات الأغلبية الكُردية غرب البلاد، فقط لأنها كانت تُدرس طلاب صفها المدرسي بعض قواعد اللغة الكُردية أثناء فترات الفراغ.

قبل ذلك الحدث بأسبوعين، أيدت المحكمة الدستورية التُركية العُليا حُكماً بالسجن على سائق من مدينة دياربكر التركية يُدعى قدري بروان، بالسجن لمدة عامين، فقط لأنه كان يسمع أغنية كردية! بعدها بأيام قليلة حكمت محكمة تركية أخرى على رئيسة بلدية مدينة نصيبين عائشة كوكان بالسجن لثلاثين عاماً، حيث من بين التُهم التي وجهت إليها، زراعة الأشجار في مقبرة تضمن قبوراً لبعض المعارضين السياسيين!  

في نفس تلك الأيام، كانت الكثير المناطق الكُردية في محافظة كركوك العراقية تشهد مواجهات بين الفلاحين الأكراد ونظرائهم العرب المُستقدمين من محافظات أخرى. فهؤلاء الأخيرون يحملون وثائق مُلكية لأراضي الفلاحين الأكراد، كانوا قد حصلوا عليها أثناء حملات التعريب ونزع الملكيات والتغيير الديموغرافي التي مارسها النظام العراقي السابق في ثمانينات القرن المنصرم، ويستندون راهناً إلى المؤازرة التي يتلقونها من الفصائل المسلحة والمؤسسات القضائية والتنفيذية الحاكمة لهذه المناطق الكردية، التي تتابع فعلياً سياسات التعريب السابقة.

في سوريا ثمة منهجية كاملة لإخلاء كامل المناطق الكُردية المُحتلة من فصائل المعارضة السورية من سكانها الأكراد، فأخبار التهجير والاختطاف والقتل على الهوية، إلى جانب اقتلاع الأشجار وفرض الإتاوات تتوارد بشكل يومي، من أقاليم عفرين ورأس العين وتل أبيض.   

كل تلك الأحداث، هي فقط رأس هرم الجليد، مما يُمارس فعلياً وبشكل يومي، طوال خط زمني يطول لسنوات، في مختلف تلك الدول، بحق أبناء الجماعة القومية الكُردية، من تهشيم رمزي ومجتمعي وسياسي ومؤسساتي وأمني، أساسه إحساس الفاعلين بهشاشة العنصر الكُردي، وقبلية منعه من أبسط الحقوق وسحب حقوقه الطبيعية منه. 

يجري ذلك، بعد تحول أساسي حدث خلال السنوات العشرين الماضية، خلق ما أُعتبر قطيعة مع الماضي.

فبينما كانت الجماعة القومية الكُردية غير مُعترف بها تماماً في هذه الدول الأربعة قبل عقدين من الزمن، منكرة سياسياً واجتماعياً وقانونياً، فإن الأكراد نالوا شيئاً كثيراً من ذلك. بفضل نضالاتهم الدامية، ولتحولات جذرية على مستوى العالم. تحولات سياسية، تتعلق بتراجع قدرات الدول على القمع الماحق لجماعاتها الداخلية، ولتبدلات جذرية في بُنية وسائل الاتصال وقدرة المجتمعات على التجمهر والتعبير عن وحدتها الداخلية والدفاع الجماعي عن أنفسها. وهو أمر حال دون استمرار هذه الدول في نكران وجود الجماعة القومية الكردية ضمن بلدانها. فعلت شيئاً من الاعتراف، لكن أبداً دون حقوقٍ سياسية وثقافية ورمزية مساوية لغيرهم من أبناء الجماعات القومية المركزية في هذه الدول. 

في وضعهم الجديد هذا، كان الأكراد يشبهون ما كان عليه اليهود في ظلال الأنظمة الفاشية الأوروبية في أوائل القرن المنصرم. فصحيح أنه كان ثمة اعتراف ما بوجود اليهود في تلك الدول، لكنه كان مشوباً بكل سمات الشك والتخوين والاستضعاف والنبذ، فاُستسهل محقهم سياسياً ورمزياً وفيزيائياً. وبذا كانت أحوالهم مع ذلك الاعتراف أسوء بكثير من أحوال جماعات أخرى غير مُعترف بها. 

هذه الممارسات الواضحة من المناهضة والقمع التي يتعرض لها الأكراد في هذه الدول، إنما تُزيل أية غمامة سابقة عن ثلاثة ركائز هيكلية في بنية العمران السياسي والاجتماعي والمؤسساتي لهذه الدول، تشكل هذه المناهضة شاهداً دالاً ودائماً على حضورها وحيويتها وفاعليتها القصوى. 

فهذا القمع بكل أشكاله إنما يتم في ظلال وتحت شريعة قوانين عامة واضحة المعالم. فالمُعلمة الكردية تمت محاكمتها لأن التدريس بغير اللغة الفارسية واللغات الأجنبية العالمية ممنوع في إيران حسب القانون، وسائق الحافلة حكمته أعلى هيئة قضائية في البلاد، التي ترى في شرائعها، نصاً وروحاً، ربطاً واضحاً بين الغناء بالكردية وتقسيم البلاد، والفلاحون العراقيون المستقدمون يملكون وثائق وقرارات من المحاكم النافذة في البلاد.. وهكذا. 

بهذا المعنى، فإن البنية الدستورية والتشريعية والقانونية في هذه البلدان هي المناهض الأول لأبناء هذه الجماعة القومية، وأياً كانت خطابات الأخوة والعيش المشترك التي يطلقها السياسيون، فإن أي تحول جذري في العالم التعاقدي الأساسي الذي ينظم حقوق الجماعات داخل هذه الدول لم يحدث طوال السنوات العشرين الماضية، حيث ظلت الشرائع والقوانين والتعاقدات العليا محافظة على هويتها التقليدية، من زمن الدول الشمولية القهرية التقليدية. 

إلى جانب القوانين، فإن مختلف أجهزة ومؤسسات الدولة تُظهر فاعلية وذات حماسة استثنائية في فعل ذلك. فأجهزة الأمن ومؤسسات التربية وأقسام الشرطة ودوائر العمل وهيئات القضاء والبلديات المحلية، وكل وحدة إدارية وتنظيمية أخرى، تعمل بجسارة وتكاتف وشعور منقطع النظير بالحماسة، ترى فيما تفعله نوعاً من الواجب الوظيفي المُلح، بل تعبيراً عن الفاعلية ووحدة البنيان والدفاع عن الذات. 

لا يتعلق الأمر بموظف عمومي هنا أو آخر هناك، بل بالنظام التوجيهي والعقيدة الداخلية المركزية لهذه المؤسسات، التي تعتبر نفسها الممثل المادي والفعلي للدولة. فهذه المؤسسات إنما تعي نفسها كملك احتكاري وخاص للجماعة القومية المركزية الرئيسية في هذه الدول.

المؤسسات هنا، هي فعلياً هي الدولة بأعمق معانيها وأدوارها، والتحولات التي طرأت خلال السنوات العشرين الماضية بشأن الاعتراف بوجود الجماعة القومية الكُردية، أنما كانت شيئاً من خطابية القوى السياسية المركزية فحسب، ولأغراض مختلفة، ولم تطل قط بنية التشكيل الجوهري لهذه الدول، أي مؤسساتها الفاعلة. 

فوق الأمرين، فإنه من الواضح أن قطاعات غير قليلة من مجتمعات هذه الدول منخرطة بإيمان إيديولوجي قومي لفعل ذلك. فعملية مراقبة سلوكيات وأفعال الأفراد الأكراد في المجال العام إنما تتم من قِبل أفراد آخرين من أبناء الجماعات القومية الأخرى، الذين يوصلون تلك الأفعال إلى المؤسسات المختصة، ويساندون تلك المؤسسات في أدوارها القمعية، ويزودونها بكل ما تحتاجه من أدوات ودلائل لتثبيت "الفعل الإجرامي" الذي يعتقدون أن نظرائهم الأكراد يقومون به، بحقهم وحق شرائعهم ومؤسسات دولتهم. 

منصات التواصل الاجتماعي تتيح فرصة مناسبة لرصد ذلك بوضوح تام، فالأغلبية شبه المُطلقة من أفراد جماعة الأغلبية القومية، إنما تقارب تلك الأفعال والسلوكيات والأحداث المناهضة للأكراد من موقع ومقاسات "صاحب المُلك"، تمنح تلك الأفعال سمات الصواب والشرعية، معتبرة أنها بالتكاتف مع القوانين والمؤسسات إنما تقوم "بما يجب" لحفظ الوحدة الكيانية واحتكارية امتلاك الدولة وسيادتها. مقابل عدم مبالاة مُطلقة بقيم المساواة القومية والحق في الحُرية، التي من المفترض أن تحظى به مختلف الجماعات والأفراد ضمن هذه الدول، بغض النظر عن هوياتهم القومية. 

بظهورهم الحديث على مسرح التاريخ الحديث لهذه المنطقة، يشغل الأكراد مكانة "الشوكة التي تحت الظفر"، يؤلمون الخيال القومي والأوهام الإمبراطورية لأبناء ومؤسسات وشرائع هذه الكيانات الأربعة، يقولون لهم إن هذه البلاد والجغرافيات ليست صافية كما يتوهمون، وإن للآخرين حقوقا مساوية لهم، لذلك يواجهون بكل هذه الأفعال.         

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.