"خمس سنوات عاشها ريان يجب أن تكون كافية لتنتهي صفعة على وجه هذا البؤس الذي نعيشه"

أنا قادم سلالة ذلك العالم العربي المتناسل بدوره من خيبات التاريخ والوارث الشرعي لكل الدجل والشعوذة والمقدسات التي تتوالد دوما من لدن أنصاف الجهلة فيه.

ومثل غيري من تلك السلالة المدهشة على هذا الكوكب، تابعت ما تيسر لي من ساعات طويلة البث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي والتي كانت تقذف في وجوهنا صور بؤسنا أثناء عملية إنقاذ الطفل المغربي ريان.

ولأن الحياة فيها تفاصيل كثيرة تمنع المرء من ترف المتابعة المتواصلة، فكنت أتسلل بين فواصل التفاصيل اليومية أراقب بتوجس وقلق وخوف ووجع تفاصيل عملية الإنقاذ التي لم نر منها شيئا طوال تلك الأيام، كل ما رأيناه كان زوايا متعددة لمشهد جبلي وكثير من الآليات الثقيلة وجموع تحتشد بكل ما في ذلك من أصوات وتهليلات وحوقلات وأدعية وابتهالات.

إن كنت تتابع أيا من مواقع التواصل الاجتماعي الكثيرة بالمئات في العالم العربي، فقد كان شريط التعليقات على جانب البث المرئي لا يتوقف عن الحركة وقد كانت التعليقات تتدفق عليه، وكانت بغالبيتها أدعية وآيات وأحاديث وابتهالات إلى الله.

المدهش، أنه وبينما نشاهد بؤسنا بأم أعيننا وقد تجلى بوقوع الفتى الحلو البريء في بئر ناء في منطقة نائية كان لدينا الوقت الكثير والترف الضروري لنواصل استعراض خيباتنا في شريط التعليقات.

مثلا، الفنانة اللبنانية أليسا، غردت على تويتر بصلاة للعذراء أن ينجو ريان.

لكن هل يمكن أن تمر الصلاة إلى السماء بدون فلترة وسلسلة حواجز ينصبها حراس الدين والعقيدة؟ بالطبع كلا، وقد تابعت بدهشة ومعي كثير من "المندهشين" ذلك السجال الطويل والشتائم والإهانات في العقائد والإقصاء القاتل في التعليقات والتعليقات المضادة، كل ما فعلته تلك المرأة أنها تعاطفت، قلقت، ربما لم تنم ليلها كله، وسهرت تدعو أقدس الأقداس في إيمانها ويقينها أن ينقذ ريان.

تماما كما في صلوات أمي المتصلة من الفجر حتى الليل وهي تسألني بكل قلق الأمهات كل صباح ومساء عن ريان، السيدة أمي والفنانة أليسا لديهما إيمان مساو في القوة. ولا يتعاكس في الاتجاه كما أرى أنا، لكن الرؤى الإيمانية في عالمنا المجبول على الجهل في بئر عميق ومعتم.

كثير من الصلوات والأدعية والابتهالات والرجاء تم سفحها على مذابح التواصل الاجتماعي، وتخيلتُ لو أن كمية الصلوات والأدعية والابتهالات تم تكثيفها من حالتها الافتراضية إلى مادة صلبة لتفوقت على كل جبال أطلس في المغرب حجما وطولا وارتفاعا، لكنها كلها لم تنقذ ريان!

أيعقل أن السماء لم تفتح أبوابها ولو لساعة طوال خمسة أيام من الإنقاذ؟

حسنا. مثل أي أب، وبوجع أي أم، كنت موجوعا على فاجعة موت ريان الصغير، لكن وبعد نهاية المشهد وانطفاء كاميرات البث، تساءلت: ألم يحن الوقت للتفكير في البئر؟

لا أقصد البئر ذاته الذي أحياه ريان بأنفاسه الخائفة، بل ذلك البئر الذي وقعنا فيه منذ عرفنا الخيبات الأولى ولم نخرج منه، بئر الجهل والبؤس والأمل العقيم!

الأمل لا ينجب ويكون عقيما حين يكون معلقا على الأمنيات الجوفاء، تلك الأمنيات التي لا تسندها معرفة ولا يدعمها علم، ولا تتأسس على وعي.

المعرفة والعلم والوعي لن تترك في جغرافية الإنسان أمكنة نائية، وتحت خط الفقر، وآبارا مفتوحة تبتلع أطفالا لا أمان لخطواتهم.

المعرفة التي لا يضرها الإيمان، بل يسندها ويحميها ويطمئن حاملها، لكنها الأساس وهي تتطلب وعيا يبني ذلك الإنسان، لا جهلا يرمي به حالة منسية.

كانت الكاميرات في البث المباشر تحمل ابتهالات الملايين، رجاءاتهم وأدعيتهم، كان أحد المذيعين في المغرب يتحدث كأنه في تغطية لشعائر الحج في مكة، لم يتحدث، كصحفي، عن إحداثيات المنطقة، لم يكلف نفسه في التعليق أن يعطي حقائق عن جيوب الفقر التي كان منها ريان، لم يسأل أسئلة في الوقت المناسب، وأي وقت مناسب أكثر من تلك اللحظة؟ تحرك الراكد في كل هذا الضجيج الصامت.

كانت خاتمة مفجعة، انطفأت الكاميرات.وانتهى البث الحي، وما بقي في المكان القصي ذاك إلا الوجع والفقر ومنسيون عادوا إلى مكانهم في الهامش الأكبر من النص، وبقيت كميات هائلة من مخلفات بلاستيكية على الأرض اليباس وأطفال المنسيين سيجدون في كل ما بقي من فضلات ألعابا تثير دهشتهم.

وفي الجوار أيضا ودوما، بئر مفتوح على كل بؤسنا من المحيط إياه إلى الخليج ما غيره.

وباستطراد أخير، بينما أقفل المقال على الجملة الأخيرة قبل الاستطراد، أتلقى اتصالا من الصديق الدكتور، مهند المبيضين، ليخبرني بمصادفة مدهشة وأنا أسرد كل ذلك الوجع أعلاه، أن ابنه "أحمد" ومعه فريق من الشباب من مختلف الجامعات الأردنية طوروا تطبيقا تقنيا يعتمد على العلوم الطبوغرافية والجيولوجية وعلوم الحاسوب المتقدمة تكشف عن كل الآبار المفتوحة في الأردن، وأن فريق الشباب هذا سيعرض التطبيق على السلطات الأردنية بمبادرة شجاعة من الشباب أنفسهم.

هذا خبر مشرق، كضوء خفيف في عتمة نفق كبير، ضوء خفيف لا يضيء النفق، لكنه آنسني وربما يؤنس من يؤمن بالمعرفة والعلم.

طبعا، لا أشك أن في المغرب أيضا شبابا ربما هم الآن يقدمون معرفتهم وعلمهم، وفي عالمنا العربي شباب بمساحات عريضة يؤمن بالعلم والمعرفة، ويرغب بشدة أن ينفض الجهل المتغطرس الكامن في عالمنا باسم الأديان والمعتقدات.

إن تلك الابتهالات والأدعية القادمة من رحم المعرفة والعلوم، والمتفجرة من قلوب الوعي الإنساني لن تعيد ريان إلى الحياة، لكنها بلا شك قادرة على أن تجعل لموته المفجع قيمة حقيقية للإنسان الغائب في عالمنا.

إن خمس سنوات عاشها ريان يجب أن تكون كافية لتنتهي صفعة على وجه هذا البؤس الذي نعيشه.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.