الخط العربي - القرآن - فن التخطيط
"اللغة العربية على وجه التحديد استفادت من عاملين أساسيين لتعزيز القناعة بالاستقرار"

ثمة منهجان لدراسة اللغة واستبيانها شكلاً ومضموناً، المنهج "القواعدي"، ثم المنهج "الألسني". ربما أن اعتبار التديّن في المحيط العربي قد يستفيد من قراءة تأخذ تجاور هذين المنهجين بالحسبان.

المنهج الأول، "القواعدي"، هو التمرّس التدريجي في علوم اللغة، أي قواعدها، الصرف والنحو، والبلاغة والبيان والبديع، والعروض، بالتوازي مع قراءة الأدب شعراً ونثراً، وصولاً إلى اكتساب متنامٍ لدرجات من الاطلاع والتذوّق والقدرة على المساهمة والانتاج.

المنهج القواعدي هو المتبّع تلقائياً، قصداً مع اللغة الفصيحة المعتبرة، وضمناً مع اللهجات الدارجة أو العامية الأقل اعتباراً وتقديراً (وهي التي لا تفتقد من مقومات اللغة التامة إلا إقرار الناطقين بها بمقامها). حصيلة هذا المنهج هو الاستقرار عند قناعة أنه للّغة بنية أو هيكلية ثابتة، هي مجمل القواعد، وهي ربما قابلة في أقصى الحالات لبعض التعديلات الفرعية وحسب. وللّغة كذلك مخزون تراكمي من النصوص التي تشكل المرجعية الأدبية والفكرية المشتركة للناطقين بها.

واللغة العربية على وجه التحديد استفادت من عاملين أساسيين لتعزيز القناعة بالاستقرار. فهي موضوعياً، لاعتمادها الواسع على الأصول الثلاثية والأمثلة البنيوية في اشتقاقها لمصطلحها، أكثر قدرة على تمكين استمرار الفهم عبر مراحلها التاريخية، بالمقارنة مع اللغات التي تُكثر من استيعاب الكلمات من خارجها.

ثم أنها لغة النصوص الدينية الإسلامية الأولى، ما يجعل التمرّس بها، والمحافظة على مصطلحها وصرفها ونحوها ولفظها، مطلباً متواصلاً لمنع الابتعاد عن المصادر الدينية.

هذا الواقع أضفى على هيكلية اللغة العربية ما يتجاوز المعيارية الآنية، أي المقيّدة بالمرحلة، ليفترض لها إطلاقية تكاد أن تكون غيبية. بل هي بالفعل غيبية من وجهة نظر دينية (حيث العربية هي لغة النص القرآني غير المخلوق).

من المفارقات بالتالي، أن يعمد البعض (ملحدون أو تنويريون)، في إطار السعي إلى نقد النص القرآني، إلى استكشاف مواطن "الأخطاء اللغوية" في القرآن، مشيرين مثلاً إلى حالات تستوجب النصب ولكن النصّ رفعها، وما شابه. نقدهم هذا هو تسليم صريح بإطلاقية هيكلية اللغة، أي موافقة صريحة على غيبيتها.

المغالطة النافية لهذا الجهد بالكامل هي أن قواعد اللغة العربية لم تتواجد ابتداءاً كنظام قائم بذاته يشكل مقياساً لكافة النصوص، بما فيها النصوص الدينية الأولى، بل إن القواعد هي وليدة جهد استقرائي، استخرجها من هذه النصوص تحديداً، ومن بعض ما سبقها من الأشعار، وبعض ما جاورها من شواهد في "عصر الاحتجاج".

فالقواعد اللغوية "ناجحة" وشاملة وموفّقة إن تمكنت من الإحاطة بكافة ما ورد في النص القرآني. أما إذا خرج بعض هذا النص عنها، فذاك دليل أن القاعدة اللغوية جاءت تقريبية ولم تبلغ حد الكليّة في صياغتها. أي أن النص القرآني، ومتون الأحاديث الصحيحة، والشعر الجاهلي، وكلام أهل البادية على مدى القرن الأول وبعض ما تلاه، بلغاتهم المختلفة، هي المقياس الذي يحاسب قواعد اللغة، وليست القواعد هي التي تحاسبه.

وفيما يتعدى هذا الالتباس العرضي بشأن "مساءلة" النص القرآني، فإن المنهج القواعدي يحظى بمكانة فائقة الارتفاع فكرياً واجتماعياً نظراً لواقع الازدواجية اللغوية القائم في محيط الناطقين باللسان العربي، حيث تتجاور اللغة (والأصح اللغات) الفصيحة المعاصرة مع اللغات المحكية ذات القواعد المتباينة.

فبما يقارب الإجماع، يجري التقليل من الاختلاف في استعمال اللغة الفصيحة المعاصرة بين المجتمعات المختلفة (رغم أن اللغة العربية الفصيحة المصرية المعاصرة تظهر تباينات عديدة في البناء والمصطلح واللفظ ومصادر النحت عن اللغة العربية الفصيحة المغاربية المعاصرة، مثلاً) كما يجري افتراض ما يقارب التطابق بين اللغة الفصيحة المعاصرة ولغة عصر الاحتجاج، فيطلق عليهما معاً اسم "اللغة الفصحى" وتهمل الاختلافات العميقة بينهما.

والنتيجة هي أن معظم النصوص المكتوبة اليوم باللغة "الفصحى" تعاني من "ضعف" في مبناها ومعناها، ومعظم الناطقين باللغة الفصيحة يلحنون و"يخطئون" في أكثر من وجه، وفق معايير الفصاحة المقرّرة في مجامع اللغة العربية ومعاجمها.

و"الكهنوت" اللغوي لا يقتصر على المجامع والمعاجم، بل يشمل العديد من فقهاء اللغة من ذوي الاطلاع الفعلي على دقائقها، أو من المطوّعين الذين يعترضون على أي خروج عن صحة التعبير. والواقع هو أنه رغم "تردي" الأداء العام لمقتضيات الفصاحة اللغوية، فإن السواد الأعظم من الناطقين باللغة العربية يرى وجوب الارتقاء في الأداء، وإن أهمله أو عجز عنه.

أما المنهج الثاني في دراسة اللغة، فهي المقاربة المعتمدة في الدراسات الألسنية، والتي تقوم على متابعة وصفية وقائعية للّغة في استعمالاتها.

فإذا كان المنهج القواعدي يعتبر اللغة صرحاً مبنياً ونظاماً ضابطاً، ويهدف بالتالي إلى تبيّن القواعد والدفع نحو الالتزام بها، فإن المنهج الألسني يتعامل مع اللغة على أنها منظومة حية، متواصلة في تبدلها وتشعبها وتفاعلها مع محيطها، ويسعى وحسب إلى استشفاف واقع استعمالات اللغة وعوامل تبدلها لدى الأفراد والجماعات، بما في ذلك تقرير القواعد واعتمادها وتعديلها والتخلي عنها.

وفق المنهج القواعدي، ثمة لغة عربية معيارية دائمة، هي اللغة الفصحى، وثمة لهجات عربية مهجنّة هي تحريف للغة الفصحى، وثمة واجب ارتقاء للمتكلمين بهذه اللهجات إلى الأصل، أي اللغة الفصحى، على الأقل في خطابهم العام والمكتوب.

وفق المنهج الألسني، ثمة منظومة لغوية عربية في نطاق يعتمد ازدواجية لغوية، تشغل المستوى الأعلى منها مجموعة من اللغات الفصيحة المتقاربة، متوافقة إلى درجة مرتفعة في صرفها ونحوها، إنما على قدر من التباعد في استعمالاتها ولفظها ومخزونها المعرفي، دون خسارة التفاهم بينها.

في حين تشغل المستويات الدنيا لغات تعود في العديد من أصولها إلى المشترك اللغوي التاريخي العربي، على مستوى البنى والمصطلح والاستعمال، ولكن مع بلوغ درجة من الخصوصية تضعف التفاهم المتبادل بينها أو تنفيه.

ويغلب ضمن هذه المنظومة تصور قِيَمي للّغة، وهو الذي يصرّح عنه المنهج القواعدي، وصولاً إلى ما يقارب استئثار اللغة الفصيحة بالتعبير الأدبي المكتوب، وإن تمكنت "اللهجات"، أي لغات المستويات الدنيا، من الغلبة في الغناء والمسرح والبرامج الإذاعية والإعلانات وغيرها.

عند اعتبار التديّن في المحيط العربي، بل على مدى العالم الإسلامي، يكاد الأمر أن ينحصر بما يقابل المنهج القواعدي لغوياً.

يتّفق علماء الدين (أي "الكهنوت" الرسمي للإسلام، دون أن يكون في التسمية طعناً بل إقرار وحسب بالدور الفعلي) والإسلاميون، والعديد من الإصلاحيين، على أن الإسلام نظام قائم ثابت كامل، بل هو "دين ودولة".

وقد يختلفون بالتفاصيل، وصولاً إلى إقصار جانب "الدولة" على المبادئ العامة بالنسبة للإصلاحيين. ويلتقون على أن التديّن الواجب على المسلمين يقتضي التزامهم به، بكافة أوجهه، سواء ضاقت هذه الأوجه أو اتسعت.

أي أن عالم الدين والإسلامي قد يعتبران إطلاق اللحية من الواجب، وينكرون حلقها، فيما قد يرى المصلح أن السنّة ليست ملزمة، أي أن الإسلام يبيح الإطلاق والحلق على حد سواء. فهم كلّهم يؤيدون النظرة التي ترى في الإسلام هيكلية تامة متجانسة، وإن رأى بعضهم اللين غالباً على الشدة فيها.

بل يشترك معهم التنويريون والعلمانيون والملحدون بقناعة أنه ثمة بنية متناسقة، وإن لم تكن بالنسبة لهم هي الإسلام، يكمن الصلاح (والمنطق والرقي ربما) بالامتثال لها.

العوام، بالنسبة لهؤلاء جميعاً، مقصرّون. علماء الدين والإسلاميون يعتبرونهم عصاة لتركهم أوجهاً من الفرض، وضالين لفعلهم أقداراً من البدع والمحرّمات. وينال العوام من سائر النخب صفات ونعوتاً تبخيسية متنوعة.

النتيجة المترتبة عن التطبيق الضمني للمنهج القواعدي على التديّن في الإطار الإسلامي، على مدى الزمان والمكان، هي توجّب اللطميات: مع هذا التطبيق، التاريخ الإسلامي برمّته فشل يليه الفشل، وكذلك الواقع الإسلامي. الإسلام تخلّف عن تأطير المسلمين، إذ هم عصاة، الأمس واليوم وغداً. ودعوات الإصلاح والتنوير والعقلانية عجزت عن اختراق أذهان عوام المسلمين، الغائصين في الخرافات والتناقضات والغباء. تباً لهم.

بل تباً للتسطيح. ربما أن الإشكالية ليست في "عوام المسلمين"، بل في المقاربة إليهم. لا بد أولاً من فضّ الجوهر والعَرَض. هم ناس في جوهرهم، والإسلام، حين هو حاصل، عَرَض ضمن غيره، وإن قدّموه. وإذا ما جرى تطبيق المقاربة الوقائعية المقابلة للمنهج الألسني لغوياً، فإن إسلام عامة الناس هو كما يمارسونه، لا كما يقرّره لهم علماء الدين، وإن جاهروا بالتزامهم بما يقرّره علماء الدين.

بدلاً عن القراءة "القواعدية"، بما تتضمنه من هيكلية ثابتة كاملة وفشل ذريع في الاندراج بها، من شأن المقاربة الوقائعية، الشبيهة بالمنهج الألسني لغوياً، أن تقدّم قراءة ترى أنه، على مدى التاريخ، منذ ظهور الإسلام، بل حتى قبل ظهوره إزاء الأديان المتعاقبة والمتجاورة، حياة الناس كانت ولا تزال "دين ودنيا"، تأخذ من المعيارية الدينية ما يتناسب ويطيب، وتترك ما دونه، وتضيف من هو من خارج هذه المعيارية، بما يرضي الفرد ومجتمعه، وإن امتعض رجل دين أو مثقّف تنويري من غياب الوضوح والتجانس عنها.

والحصيلة الفعلية، من خلال مراجعة التاريخ، هي أن هذه المقاربة التوفيقية، بل ربما التلفيقية، قد أثبتت قدرتها على البقاء.

من حقّ المؤمن بطبيعة الحال أن يعترض على هذه المقاربة قِيَمياً لقناعته الإيمانية بأن ما تتتبعه من تبدّل لا يتوافق مع كمال الدين ووجوب عدم تبديله. واقع الأمر بأنه قد يجوز استيعاب جدلية التبدل ضمن الإرادة الإلهية، من وجهة نظر إيمانية.

غير أن ذلك شأن ديني داخلي، فيما المقاربة الوقائعية قابلة للمراجعة والتمحيص من المؤمن وغير المؤمن. وهي على أي حال ليست مطروحة كبديل قِيَمي، بل كأداة إضافية لتفنيد واقع مأزوم.

من شأن هذه القراءة أن تساهم في إعادة اعتبار موطن التأزم، في موضوع التدين كما فعلت نظيرتها في موضوع اللغة.

لغوياً، المسألة "قواعدياً" كانت في كيفية تغليب اللغة "الفصحى" على "اللهجات العامية". المقاربة الألسنية أعادت عملياً طرح المسألة،  فتوجهت نحو توضيح وسائل التعبير للمتكلم بالعربية، والذي قد يقتصر على لغته المحكية، أو يزاوجها صيغة فصيحة، كما قد يشاطرها لغات محلية وعالمية أخرى. فالغرض هو تمكينه، لا تكبيله بمواجهة لغوية مفترضة خارج حاجته واهتمامه.

وكذلك الأمر في موضوع التديّن. التعارض بين "دين ودولة"، و"دين ودنيا"، ليس بين كلمة وأخرى، ولكن هو في اعتبار المركزية.

في العبارة الأولى المركزية للإسلام، بالمعنى الشمولي المتجرد كما هو إثباتاً ونفياً في سجالات المفكرين. في العبارة الثانية، المركزية هي للحياة بما تتضمنه من الأهمية العالية للدين كما يعيشه أهله. والتاريخ يشير إلى أن تغليب الناس كان ولا يزال للعبارة الثانية. وربما أنه على العقائديين من مختلف الألوان تعديل مقارباتهم.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.