الخط العربي - القرآن - فن التخطيط
"اللغة العربية على وجه التحديد استفادت من عاملين أساسيين لتعزيز القناعة بالاستقرار"

ثمة منهجان لدراسة اللغة واستبيانها شكلاً ومضموناً، المنهج "القواعدي"، ثم المنهج "الألسني". ربما أن اعتبار التديّن في المحيط العربي قد يستفيد من قراءة تأخذ تجاور هذين المنهجين بالحسبان.

المنهج الأول، "القواعدي"، هو التمرّس التدريجي في علوم اللغة، أي قواعدها، الصرف والنحو، والبلاغة والبيان والبديع، والعروض، بالتوازي مع قراءة الأدب شعراً ونثراً، وصولاً إلى اكتساب متنامٍ لدرجات من الاطلاع والتذوّق والقدرة على المساهمة والانتاج.

المنهج القواعدي هو المتبّع تلقائياً، قصداً مع اللغة الفصيحة المعتبرة، وضمناً مع اللهجات الدارجة أو العامية الأقل اعتباراً وتقديراً (وهي التي لا تفتقد من مقومات اللغة التامة إلا إقرار الناطقين بها بمقامها). حصيلة هذا المنهج هو الاستقرار عند قناعة أنه للّغة بنية أو هيكلية ثابتة، هي مجمل القواعد، وهي ربما قابلة في أقصى الحالات لبعض التعديلات الفرعية وحسب. وللّغة كذلك مخزون تراكمي من النصوص التي تشكل المرجعية الأدبية والفكرية المشتركة للناطقين بها.

واللغة العربية على وجه التحديد استفادت من عاملين أساسيين لتعزيز القناعة بالاستقرار. فهي موضوعياً، لاعتمادها الواسع على الأصول الثلاثية والأمثلة البنيوية في اشتقاقها لمصطلحها، أكثر قدرة على تمكين استمرار الفهم عبر مراحلها التاريخية، بالمقارنة مع اللغات التي تُكثر من استيعاب الكلمات من خارجها.

ثم أنها لغة النصوص الدينية الإسلامية الأولى، ما يجعل التمرّس بها، والمحافظة على مصطلحها وصرفها ونحوها ولفظها، مطلباً متواصلاً لمنع الابتعاد عن المصادر الدينية.

هذا الواقع أضفى على هيكلية اللغة العربية ما يتجاوز المعيارية الآنية، أي المقيّدة بالمرحلة، ليفترض لها إطلاقية تكاد أن تكون غيبية. بل هي بالفعل غيبية من وجهة نظر دينية (حيث العربية هي لغة النص القرآني غير المخلوق).

من المفارقات بالتالي، أن يعمد البعض (ملحدون أو تنويريون)، في إطار السعي إلى نقد النص القرآني، إلى استكشاف مواطن "الأخطاء اللغوية" في القرآن، مشيرين مثلاً إلى حالات تستوجب النصب ولكن النصّ رفعها، وما شابه. نقدهم هذا هو تسليم صريح بإطلاقية هيكلية اللغة، أي موافقة صريحة على غيبيتها.

المغالطة النافية لهذا الجهد بالكامل هي أن قواعد اللغة العربية لم تتواجد ابتداءاً كنظام قائم بذاته يشكل مقياساً لكافة النصوص، بما فيها النصوص الدينية الأولى، بل إن القواعد هي وليدة جهد استقرائي، استخرجها من هذه النصوص تحديداً، ومن بعض ما سبقها من الأشعار، وبعض ما جاورها من شواهد في "عصر الاحتجاج".

فالقواعد اللغوية "ناجحة" وشاملة وموفّقة إن تمكنت من الإحاطة بكافة ما ورد في النص القرآني. أما إذا خرج بعض هذا النص عنها، فذاك دليل أن القاعدة اللغوية جاءت تقريبية ولم تبلغ حد الكليّة في صياغتها. أي أن النص القرآني، ومتون الأحاديث الصحيحة، والشعر الجاهلي، وكلام أهل البادية على مدى القرن الأول وبعض ما تلاه، بلغاتهم المختلفة، هي المقياس الذي يحاسب قواعد اللغة، وليست القواعد هي التي تحاسبه.

وفيما يتعدى هذا الالتباس العرضي بشأن "مساءلة" النص القرآني، فإن المنهج القواعدي يحظى بمكانة فائقة الارتفاع فكرياً واجتماعياً نظراً لواقع الازدواجية اللغوية القائم في محيط الناطقين باللسان العربي، حيث تتجاور اللغة (والأصح اللغات) الفصيحة المعاصرة مع اللغات المحكية ذات القواعد المتباينة.

فبما يقارب الإجماع، يجري التقليل من الاختلاف في استعمال اللغة الفصيحة المعاصرة بين المجتمعات المختلفة (رغم أن اللغة العربية الفصيحة المصرية المعاصرة تظهر تباينات عديدة في البناء والمصطلح واللفظ ومصادر النحت عن اللغة العربية الفصيحة المغاربية المعاصرة، مثلاً) كما يجري افتراض ما يقارب التطابق بين اللغة الفصيحة المعاصرة ولغة عصر الاحتجاج، فيطلق عليهما معاً اسم "اللغة الفصحى" وتهمل الاختلافات العميقة بينهما.

والنتيجة هي أن معظم النصوص المكتوبة اليوم باللغة "الفصحى" تعاني من "ضعف" في مبناها ومعناها، ومعظم الناطقين باللغة الفصيحة يلحنون و"يخطئون" في أكثر من وجه، وفق معايير الفصاحة المقرّرة في مجامع اللغة العربية ومعاجمها.

و"الكهنوت" اللغوي لا يقتصر على المجامع والمعاجم، بل يشمل العديد من فقهاء اللغة من ذوي الاطلاع الفعلي على دقائقها، أو من المطوّعين الذين يعترضون على أي خروج عن صحة التعبير. والواقع هو أنه رغم "تردي" الأداء العام لمقتضيات الفصاحة اللغوية، فإن السواد الأعظم من الناطقين باللغة العربية يرى وجوب الارتقاء في الأداء، وإن أهمله أو عجز عنه.

أما المنهج الثاني في دراسة اللغة، فهي المقاربة المعتمدة في الدراسات الألسنية، والتي تقوم على متابعة وصفية وقائعية للّغة في استعمالاتها.

فإذا كان المنهج القواعدي يعتبر اللغة صرحاً مبنياً ونظاماً ضابطاً، ويهدف بالتالي إلى تبيّن القواعد والدفع نحو الالتزام بها، فإن المنهج الألسني يتعامل مع اللغة على أنها منظومة حية، متواصلة في تبدلها وتشعبها وتفاعلها مع محيطها، ويسعى وحسب إلى استشفاف واقع استعمالات اللغة وعوامل تبدلها لدى الأفراد والجماعات، بما في ذلك تقرير القواعد واعتمادها وتعديلها والتخلي عنها.

وفق المنهج القواعدي، ثمة لغة عربية معيارية دائمة، هي اللغة الفصحى، وثمة لهجات عربية مهجنّة هي تحريف للغة الفصحى، وثمة واجب ارتقاء للمتكلمين بهذه اللهجات إلى الأصل، أي اللغة الفصحى، على الأقل في خطابهم العام والمكتوب.

وفق المنهج الألسني، ثمة منظومة لغوية عربية في نطاق يعتمد ازدواجية لغوية، تشغل المستوى الأعلى منها مجموعة من اللغات الفصيحة المتقاربة، متوافقة إلى درجة مرتفعة في صرفها ونحوها، إنما على قدر من التباعد في استعمالاتها ولفظها ومخزونها المعرفي، دون خسارة التفاهم بينها.

في حين تشغل المستويات الدنيا لغات تعود في العديد من أصولها إلى المشترك اللغوي التاريخي العربي، على مستوى البنى والمصطلح والاستعمال، ولكن مع بلوغ درجة من الخصوصية تضعف التفاهم المتبادل بينها أو تنفيه.

ويغلب ضمن هذه المنظومة تصور قِيَمي للّغة، وهو الذي يصرّح عنه المنهج القواعدي، وصولاً إلى ما يقارب استئثار اللغة الفصيحة بالتعبير الأدبي المكتوب، وإن تمكنت "اللهجات"، أي لغات المستويات الدنيا، من الغلبة في الغناء والمسرح والبرامج الإذاعية والإعلانات وغيرها.

عند اعتبار التديّن في المحيط العربي، بل على مدى العالم الإسلامي، يكاد الأمر أن ينحصر بما يقابل المنهج القواعدي لغوياً.

يتّفق علماء الدين (أي "الكهنوت" الرسمي للإسلام، دون أن يكون في التسمية طعناً بل إقرار وحسب بالدور الفعلي) والإسلاميون، والعديد من الإصلاحيين، على أن الإسلام نظام قائم ثابت كامل، بل هو "دين ودولة".

وقد يختلفون بالتفاصيل، وصولاً إلى إقصار جانب "الدولة" على المبادئ العامة بالنسبة للإصلاحيين. ويلتقون على أن التديّن الواجب على المسلمين يقتضي التزامهم به، بكافة أوجهه، سواء ضاقت هذه الأوجه أو اتسعت.

أي أن عالم الدين والإسلامي قد يعتبران إطلاق اللحية من الواجب، وينكرون حلقها، فيما قد يرى المصلح أن السنّة ليست ملزمة، أي أن الإسلام يبيح الإطلاق والحلق على حد سواء. فهم كلّهم يؤيدون النظرة التي ترى في الإسلام هيكلية تامة متجانسة، وإن رأى بعضهم اللين غالباً على الشدة فيها.

بل يشترك معهم التنويريون والعلمانيون والملحدون بقناعة أنه ثمة بنية متناسقة، وإن لم تكن بالنسبة لهم هي الإسلام، يكمن الصلاح (والمنطق والرقي ربما) بالامتثال لها.

العوام، بالنسبة لهؤلاء جميعاً، مقصرّون. علماء الدين والإسلاميون يعتبرونهم عصاة لتركهم أوجهاً من الفرض، وضالين لفعلهم أقداراً من البدع والمحرّمات. وينال العوام من سائر النخب صفات ونعوتاً تبخيسية متنوعة.

النتيجة المترتبة عن التطبيق الضمني للمنهج القواعدي على التديّن في الإطار الإسلامي، على مدى الزمان والمكان، هي توجّب اللطميات: مع هذا التطبيق، التاريخ الإسلامي برمّته فشل يليه الفشل، وكذلك الواقع الإسلامي. الإسلام تخلّف عن تأطير المسلمين، إذ هم عصاة، الأمس واليوم وغداً. ودعوات الإصلاح والتنوير والعقلانية عجزت عن اختراق أذهان عوام المسلمين، الغائصين في الخرافات والتناقضات والغباء. تباً لهم.

بل تباً للتسطيح. ربما أن الإشكالية ليست في "عوام المسلمين"، بل في المقاربة إليهم. لا بد أولاً من فضّ الجوهر والعَرَض. هم ناس في جوهرهم، والإسلام، حين هو حاصل، عَرَض ضمن غيره، وإن قدّموه. وإذا ما جرى تطبيق المقاربة الوقائعية المقابلة للمنهج الألسني لغوياً، فإن إسلام عامة الناس هو كما يمارسونه، لا كما يقرّره لهم علماء الدين، وإن جاهروا بالتزامهم بما يقرّره علماء الدين.

بدلاً عن القراءة "القواعدية"، بما تتضمنه من هيكلية ثابتة كاملة وفشل ذريع في الاندراج بها، من شأن المقاربة الوقائعية، الشبيهة بالمنهج الألسني لغوياً، أن تقدّم قراءة ترى أنه، على مدى التاريخ، منذ ظهور الإسلام، بل حتى قبل ظهوره إزاء الأديان المتعاقبة والمتجاورة، حياة الناس كانت ولا تزال "دين ودنيا"، تأخذ من المعيارية الدينية ما يتناسب ويطيب، وتترك ما دونه، وتضيف من هو من خارج هذه المعيارية، بما يرضي الفرد ومجتمعه، وإن امتعض رجل دين أو مثقّف تنويري من غياب الوضوح والتجانس عنها.

والحصيلة الفعلية، من خلال مراجعة التاريخ، هي أن هذه المقاربة التوفيقية، بل ربما التلفيقية، قد أثبتت قدرتها على البقاء.

من حقّ المؤمن بطبيعة الحال أن يعترض على هذه المقاربة قِيَمياً لقناعته الإيمانية بأن ما تتتبعه من تبدّل لا يتوافق مع كمال الدين ووجوب عدم تبديله. واقع الأمر بأنه قد يجوز استيعاب جدلية التبدل ضمن الإرادة الإلهية، من وجهة نظر إيمانية.

غير أن ذلك شأن ديني داخلي، فيما المقاربة الوقائعية قابلة للمراجعة والتمحيص من المؤمن وغير المؤمن. وهي على أي حال ليست مطروحة كبديل قِيَمي، بل كأداة إضافية لتفنيد واقع مأزوم.

من شأن هذه القراءة أن تساهم في إعادة اعتبار موطن التأزم، في موضوع التدين كما فعلت نظيرتها في موضوع اللغة.

لغوياً، المسألة "قواعدياً" كانت في كيفية تغليب اللغة "الفصحى" على "اللهجات العامية". المقاربة الألسنية أعادت عملياً طرح المسألة،  فتوجهت نحو توضيح وسائل التعبير للمتكلم بالعربية، والذي قد يقتصر على لغته المحكية، أو يزاوجها صيغة فصيحة، كما قد يشاطرها لغات محلية وعالمية أخرى. فالغرض هو تمكينه، لا تكبيله بمواجهة لغوية مفترضة خارج حاجته واهتمامه.

وكذلك الأمر في موضوع التديّن. التعارض بين "دين ودولة"، و"دين ودنيا"، ليس بين كلمة وأخرى، ولكن هو في اعتبار المركزية.

في العبارة الأولى المركزية للإسلام، بالمعنى الشمولي المتجرد كما هو إثباتاً ونفياً في سجالات المفكرين. في العبارة الثانية، المركزية هي للحياة بما تتضمنه من الأهمية العالية للدين كما يعيشه أهله. والتاريخ يشير إلى أن تغليب الناس كان ولا يزال للعبارة الثانية. وربما أنه على العقائديين من مختلف الألوان تعديل مقارباتهم.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.