أنصار ميشال عون يحتفون بفوزه في الانتخابات عام 2008
"يعيدون ما قالوه في الانتخابات السابقة، وكأن السنوات الأربع الفائتة لم تشهد كل هذه المصائب"

اللبنانيون أمام استحقاق كبير. إنه الانتخابات النيابية التي سيدلون فيها بما في أنفسهم حيال النظام الذي تولى إذلالهم وقتلهم وإخضاعهم. هذا النظام، بكل أطرافه وقواه ووجوهه، يعرض عليهم الاقتراع له والتجديد لقواه، وبالتالي يعرض عليهم أن يواصل ما بدأه من سرقة وفشل وارتهان.

وهذا النظام، على ما يبدو، منافس قوي في الانتخابات، لا بل هو المنافس الأقوى فيها! ألا يبدو ذلك غريباً وقاسياً وعدمياً؟

فاللبنانيون يعرفون أن القوى التي يتشكل منها النظام مسؤولة عن المأساة التي حلت بهم، وهم يعايشون عن قرب ما يتنعم به المسؤولون المنتخبون من ثروات، وهم أيضاً من جرى السطو على مدخرات ثلاثة أجيال منهم، وهم من زلزل انفجار مرفأ بيروت حياتهم وبيوتهم وقتل معارفهم وأقاربهم وأهلهم. والطبقة السياسية هي من ارتكب كل هذه الجرائم.

الطبقة السياسية، اسماً اسماً وحزباً حزباً، هي من فعل ذلك، وهي إلى اليوم ما زالت المنافس الأقوى في الانتخابات النيابية.

إذا ما عرضنا هذه المعادلة على أي عاقل في العالم، فسيحل اليأس عليه، وسيشير على من يعرضها عليه بأن يغادر بقعة الظلام هذه إلى بلاد الله الواسعة!

المشهد عبثي فعلاً. السراق يتصدرون اللوائح الانتخابية، والمفارقات شديدة القسوة والوضوح. فمن يتهمهم قاضي التحقيق بالتسبب بانفجار المرفأ مرشحون أقوياء للانتخابات النيابية، وحاكم المصرف المركزي الذي ادعت عليه خمس دول بشبهات الفساد هو الرجل الأقوى في موقعه، ورئيس أكبر تكتل نيابي في مجلس النواب أصابته عقوبات أميركية، وزعيم أكبر طائفة غادر قصره مخلفاً عشرات الآلاف من الدائنين ومن الموظفين غير المستوفين حقوقهم.

ناهيك عن أن أكبر حزب في لبنان يجاهر بسلاحه ويتوجه مسؤول فيه إلى قصر العدل ويهدد قاضٍ أمام وسائل الإعلام! كل هذا والطبقة السياسية، هي المرشح الأقوى في الانتخابات.

تستحق هذه الحقيقة أن نتوقف بفعلها أمام أنفسنا. من نحن؟ وما كل هذه المازوشية؟ ذاك أننا نقترع ضد أنفسنا، ونقترع أيضاً لتواصل المصارف سطوها على مدخراتنا.  هل سنفعل ذلك حقاً؟

هؤلاء الحمقى، رجال الإحصاءات، الذين يظهرون على الشاشات ليكشفوا أن استطلاعات الرأي تعطي حزب الله تقدماً كاسحاً عند الشيعة ووليد جنبلاط تصدراً عند الدروز والمسيحيون سينقسمون بين القوات اللبنانية والتيار العوني، ألا يشعرون بأن ثمة مصيبة حلت، وأن الناس ربما تغيرت وأن من عاش من دون كهرباء في ذروة الحر وفي ذروة البرد لن يقترع لمن أنار قصره وأطفأ منازل الناس؟

لكن المذهل أن رجال الإحصاءات يتحدثون بثقة عن أرقامهم. يعيدون ما قالوه في الانتخابات السابقة، وكأن السنوات الأربع الفائتة لم تشهد كل هذه المصائب. إذا كان ما يقولونه صحيحاً، فهذا سيكون درساً بالغ القسوة.

سيعني أن الفساد هو الأصل، وأن الفشل يجب أن يصبح جزءاً من مناهج التعليم بوصفه شرطاً للتقدم، وسيادة الدولة عبارة يجب محوها من الدستور. فوز السلطة في لبنان بالانتخابات يعني ذلك، وإذا أردت لابنك غير قيمها فعليك إرساله إلى دولة أخرى.

ثلاثة أشهر تفصلنا عن موعد الانتخابات. كل ما علينا فعله في التسعين يوماً هذه، هو ألا نصدق أهل الإحصاءات. أرقامهم التي يكشفونها أشبه برصاصات في رؤوسنا، وتعاميهم عن أثر موبقات أهل السلطة على خيارات الناخب فيه قدر من انعدام الحساسية، ناهيك أنه ينطوي على ترحيب بالتجديد لمجرمين.

المشهد الانتخابي اللبناني مزدحم بوقائع تدفع إلى اليأس. نواب يرشحون أبناءهم، وأحزاب عادت لتأتلف بعد أن فرقت بينها نزاعات على الغنائم، وإعلام باشر الاستثمار وعرض خدمات مقابل رشاوى، وانهيار العملة جعل المال الانتخابي في متناول مرشحين من صغار الفاسدين.

وفي مقابل كل هذا السوء جرى اختراع عدوٍ اسمه "المجتمع المدني" تولت آلة حزب الله الأيديولوجية إحلاله محل العدو المذهبي، وحولته إلى "شيطان أكبر"، مستعيضة فيه عن أعدائها التقليديين بعد أن انسحب سعد الحريري، وما عاد في الإمكان التعويض مسيحياً في ظل تراجع مؤشرات ميشال عون الانتخابية.

أي ثقب في جسم النظام يمكن أن تحدثه الانتخابات سيكون نافذة من الأوكسجين تعين على أن نبني عليها أفقاً ومستقبلاً. لا خيار أمامنا سوى أن نراهن على ذلك، من دون أن نبني قصوراً من الأوهام.

لا معنى للأرقام طالما أن ثمة متغير اسمه الانهيار لم نختبر بعد مفاعيله على خيارات الناخب. ليس أمامنا سوى أن نقول "كذبت جماعة الإحصاءات وإن صدقت".           

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.