فيلم "أصحاب ولا أعز" - نتفليكس الشرق الأوسط
"ما أثاره فيلم "أصحاب ولا أعز" باعتقادي يمثل الواقع الخفي، وغير المكشوف في حياتنا"

الجنس أكثر "تابو" يحرم مناقشته في العلن، وقد يكون أكثر ما يشغل مساحة في الحوار، والبحث في الجلسات المغلقة، والخاصة في المجتمعات العربية.

ثلاثة تابوهات معروفة (الدين، الجنس، والسياسة) تُقسّم العالم العربي، وتُثير الفتن والتناحر فيه أحيانا كثيرة، وعلى مدار العقود الماضية كانت مُحرّكا للصراعات، وحتى يومنا هذا تظل كالجمر تحت الرماد.

فيلم "أصحاب ولا أعز" الذي عرضته شبكة نتفليكس كان باعثا لمناقشات، ومكاسرات صاخبة في الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، واتسمت في غالبها بالنقد، والهجوم على ممثلي وممثلات الفيلم، وتحديدا الفنانة المبدعة، منى زكي.

ودائما الاتهامات المُعلّبة جاهزة، تبدأ ولا تنتهي، فالفيلم على ذمة أصحاب الفضيلة يُروج لأفكار هدّامة، وللعلاقات الجنسية قبل الزواج، ويمتدح المثلية، وفي آخر المطاف كليشيهات عابرة على غرار فيلم لا يُشبهنا، ولا يروي قصصنا، وكل ما يطرحه دخيل علينا.

"السروال الداخلي" لمنى زكي أشعل حرب "داحس والغبراء" في عالم العرب، وشبكة نتفليكس حسب هواجسهم داست على كرامتنا، وشوهت صورتنا وسمعتنا، وطوال أسابيع كان الفيلم يحقق أعلى نسب مشاهدة على نتفليكس، والجدل المليء بالشتائم يحكي عن مدن الفضيلة في عالمنا العربي التي لم أرها، ولم أسمع بها إلا على فضاء السوشال ميديا، وواقع الحال "الأمور خربانة".
 
ما تعرض له فيلم "أصحاب ولا أعز" حدث من قبل حين عرضت نتفليكس مسلسل "جن" أول إنتاج عربي لها في الأردن، والمُثير للدهشة أن أكثر الذين انهالوا على مسلسل "جن"، أو مسلسل "مدرسة الروابي" بعدها، أو حتى فيلم "أصحاب ولا أعز"، لم يحضروه، فالشبكة لا يستطيع مشاهدتها إلا مشتركيها حصرا الذين يزيدون عن 200 مليون في العالم.

وحسب معلوماتي فإن المشتركين بها في العالم العربي محدود، ولا توجد أرقام موثقة بذلك، ولهذا فإن المتصدرين للحملات يقومون بالقرصنة لمشاهدة الأعمال، هذا إن فعلوا، وكان الأحرى بهم أن يصمتوا، ويديروا ظهورهم، ولا يتكبدوا مشقة المشاهدة، فـ "الريموت كنترول" أصبح سيد الموقف في هذا العالم الفضائي، وأنت من يقرر مشاهدة ما يُعجبك، ولا أحد يفرض عليك خياراتك، أما أن تذهب طوعا لملاحقة أعمال نتفليكس، وتدّعي أنها تريد تدمير العالم العربي وقيم الفضيلة به، فهو ما يحتاج إلى دراسة ومراجعة.

ما أثاره فيلم "أصحاب ولا أعز" باعتقادي يمثل الواقع الخفي، وغير المكشوف في حياتنا، ولو فعلا عُرضت "بضاعة" موبايلاتنا في العلن لأظهرت "عفن" منظومة العلاقات في مجتمعاتنا، وكشفت عن عوالم السرية التي لا نجرؤ على الإعلان عنها.

فالإنسان العربي مُستلب، ويعيش في الواقع حياتين، أو شخصيتين، واحدة مرئية علنية، نمطية، يطغى عليها كل أنواع النفاق والمجاملات، وإظهار ما يريده المجتمع، لا ما نريده نحن، وفي الخفاء عالم موازٍ، مستور لا يعرفه الناس، ولا تعرفه العائلة، أو الزوجة، ويمارس فيه المرء ما يشاء، وما يحب، يُرتكب فيه المجون، وتُشبع النزوات، وتتصالح النفوس، وتتبدى الحقائق دون لبوس، وتمظهر كاذب.

السيناريو الذي اتبعه الفيلم في كشف أسرار أبطاله في ليلة خسوف القمر عبر عرض اتصالاتهم، أو رسائلهم دون رقيب، هو الحقيقة غير المُعلنة لما يقع في حياتنا ونداريه، ونتكتم عليه، وتذكرت عبارة الفنان المرحوم، أحمد زكي: "أنا لا أكذب ولكنني أتجمل".

لا أفهم الضجة المُفتعلة إزاء ما طرحه الفيلم، فهل نحن مجتمع "الأنبياء" الصالحين الذين لا يرتكبون المعاصي، إن اعتبرنا ما يقومون به فعلا مُشينا، وهل حياتنا تمضي وتمشي دون أقنعة؟

العالم العربي الذي يريدون أن يُفصّلوه على مقاسهم مُزيف ومصنع، والحقيقة أننا من لحم ودم، نشتم إذا غضبنا، والبعض يفعل ذلك بصوت مكتوم حتى لا تُجرح صورته، ولكنه يفعل، وهذا تقوم به المرأة مثلما يفعله الرجل، ونكذب بعض الوقت لأننا أضعف من أن نبقى صامتين طوال الوقت في مجتمع مُخادع، ونخون أحيانا لنُثبت أننا مرغوبون، ونتباهى بنرجسيتنا، ونتوق لدق عنق محرمات كبلتنا، ولم تكن لنا، بل ولدت معنا.

العالم العربي الذي يُصورونه ليس أكثر من وهم كعذرية عشيقة "شمشون" التي أبقاها حبيسة طوال الوقت، وكانت تخونه وهي لا تبارح ذراعيه.
 
"أصحاب ولا أعز" ليست صورة مُغايرة لواقع العالم العربي الذي ينهشه الفقر والتخلف، وتحدث فيه جرائم زنا المحارم، وتكثر به جرائم ما تُسمى "الشرف"، وتشيع فيه سلوكيات التحرش، ويطغى فيه الفساد.

فيلم "أصحاب ولا أعز" لم يقل كل شيء عنا، وما هو مسكوت عنه أكثر بكثير، والذين ينافحون عن قدسية هذه المجتمعات عليهم أن يراجعوا حساباتهم، ويطلعوا على إحصائيات محرك "غوغل" ليعرفوا عدد زوار مواقع "البورنو" من الدول العربية والإسلامية، والوقت الذي يمضونه في تصفحها.

القصة باعتقادي بجب أن تبدأ باحترام حرية التعبير، والإبداع، والإنتاج الفني، ورفض مبدأ الرقابة، والوصاية على فكر الناس، وحقهم بمشاهدة ما يرونه مناسبا لأذواقهم، فنحن لسنا نسخا كربونية، وموقفنا من "الأخلاق" مختلف، والمعايير نسبية، وليست مُطلقة.

مشكلتنا الأزلية أن الاختلاف قيمة مفقودة، وإذا قلت رأيك بحرية خارج المنظومة السائدة، فأنت خائن وعميل، وحريتك الشخصية آخر ما يهم السلطة السائدة، فأنت في نظرهم لست سوى رقم، يريدون أن تطيع، وأن تسود ثقافة القطيع، وتتباهى وتُنظر لمدن الفضيلة التي لم تعرفها، أو تعش فيها أبدا.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.