Women activists rally in support of their right to exercise activities, outside the National Assembly in Kuwait City on…
ناشطات كويتيات في تظاهرة أمام مجلس الأمة دعما لحقوق المرأة مطلع هذا الشهر.

رغم التشابه الكبير والمشتركات الكثيرة بين الكويت ودول الخليج العربية الأخرى، إلا أن الكويت تنفرد بالعديد من الأمور، ويستطيع الزائر أو المقيم أن يلاحظ ذلك بوضوح. وأهم اختلاف باعتقادي هو الطبيعة التشاركية والتوافقية للحكم.

فمنذ بدايات تأسيس الكويت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بني هذا الحكم على التوافق بين آل صباح وحلفائهم من القبائل وباقي العائلات التي كانت تسكن الكويت حينها أو وفدت إليها فيما بعد لممارسة التجارة أو العمل بمهنة الغوص. ويقال إن آل صباح اكتفوا بممارسة شؤون الحكم والأمن في الإمارة وتركوا مسائل التجارة والأعمال لتلك العائلات، ضمن اتفاق غير مكتوب.

واللافت أن التقليد التوافقي قد استمر حتى يومنا هذا، حيث يمكن رصده واضحا في تعاطي الأسرة الحاكمة مع آراء ومصالح مختلف الفئات والشرائح والجماعات السكانية ومحاولات استرضائها وتجنب الصدام معها.

بالطبع جنّب ذلك الكويت الكثير من القلاقل والصدامات السياسية والاضطرابات المجتمعية عبر السنين، كما لم يتعرض حكم آل صباح يوما للطعن في شرعيته أو أحقيته من قبل الكويتيين.

لكنه في المقابل حوّل الكويت إلى دولة محافظة من الدرجة الأولى وبطيئة التغيير، وفي بلد ينشط فيها العديد من التيارات السياسية والدينية والمجتمعية المتباينة تصبح إدارة هذه الاختلافات عملية بالغة الصعوبة. وهوما يتجلى في التغير المستمر للحكومات وفي الطابع التناحري والصدامي الذي يسيطر على البرلمان (مجلس الأمة).

وقد تمتعت الكويت قبل الغزو العراقي بقدر من الانفتاح، والبحبوحة الثقافية، والفنية، والسياسية. وكان ذلك مدعوما بتنوع سكاني غني جذبته العوائد النفطية الكبيرة والاستقرار السياسي.

لكن الغزو العراقي وما أعقبه خلق تحولات عميقة في المجتمع الكويتي لا يزال يعاني منها حتى اليوم، فقد نقل مركز الثقل في المجتمع من المدن الداخلية (داخل السور) التي كانت قبلها مزدهرة إلى الأطراف أو المدن الخارجية (المجتمعات القبلية).

وقد رافق ذلك أيضا عملية أدلجة ونشر لأنماط من التدين السلفي القبلي في أوساط الغالبية السنية وكذلك التدين الحوزوي على مستوى الأقلية الشيعية التي يدين غالبيتها بالولاء تاريخيا لآل صباح.

وهذا الخليط من التدين والقبلية والمساومات المجتمعية كان بمثابة الكابح الذي أوقف عجلة الانفتاح والتحديث في المجتمع الكويتي وعمل على تآكل العديد من المكتسبات التي تحققت طوال العقود الماضية. وبالمحصلة فقد تراجع المجتمع الكويتي خطوات إلى الوراء مقارنة حتى بالمجتمعات الخليجية الأخرى.

فالكويت هي من الدول القليلة في العالم التي تفتقر كليا إلى بنية سياحية عصرية، ولا تزال الحقوق الأساسية للإنسان في التعبير والاعتقاد والفكر تواجه مشكلات حقيقية.

ورغم مظاهر العمران الحديثة المنتشرة، إلا أنها تخفي خلفها بنية ثقافية واجتماعية ودينية محافظة جدا تدعمها تشريعات وقوانين فصلت بطريقة تضمن استمرار عمل هذه البنية أطول فترة ممكنة.

ويستغل النواب المحافظون والسلفيون (والإخوان) وجودهم في مجلس الأمة لفرض المزيد من القيود والتشديدات الدينية على الحريات العامة.

وفي أحدث خطوة على هذا الصعيد أذعنت وزارة الداخلية الكويتية لطلب من النائب حمدان العازمي وقامت بمنع جلسة يوغا نسائية كان مقررا تنظيمها في الصحراء الكويتية (4 فبراير 2022).

وكان النائب قد كتب في تغريدة على تويتر: "نشدد على وزير الداخلية سرعة التحرك ووقف هذه الممارسات الدخيلة على مجتمعنا المحافظ، ومحاسبة من منح لها التراخيص فورا.. هذا أمر خطير".

وسبق للنائب العازمي أن أثار سجالا عندما استجوب وزير الدفاع في يناير بشأن قرار السماح للنساء بالانضمام إلى الجيش في الأدوار القتالية لأول مرة.

وبعد ذلك، فرضت وزارة الدفاع قواعد جديدة على النساء الملتحقات بالجيش، بما في ذلك ضرورة ارتداء الحجاب، والحصول على إذن من ولي الأمر للانضمام، وعدم السماح لهنّ بحمل السلاح.

وخلال ديسمبر الماضي أثار وضع مجسم لشجرة الكريسماس في أحد المولات "الأفنيوز" جدلا في البلاد ما حدا بالسلطات إلى إزالة المجسم " بعد شكاوى عدد من المواطنين بسبب مخالفته الشريعة الإسلامية والعادات الكويتية".

وسبق ذلك قيام وزارة التجارة الكويتية بإزالة تماثيل من أحد المحلات التجارية في مجمع 360، اعتبرت مخالفة للشريعة الإسلامية.

وقد لا تبدو هذه الإجراءات مهمة في حد ذاتها، وقد لا تغير من قناعات وسلوكيات الكثيرين، لكنها مع ذلك تعطي مؤشرا على الاتجاه العام الذي تسير إليه البلاد.

من الواضح أن التشدد وإغلاق منافذ الحرية على الكويتيين، حتى في أبسط صورها، آخذ في التزايد. وهناك مخاوف في أوساط الكثير من الناشطين من أن التساهل الحكومي والاستجابة السريعة إلى ضغوط الإسلاميين والمحافظين قد تغريهم بالذهاب أبعد وخاصة في القضايا المتعلقة بالمرأة والحريات العامة.

الغريب أن ذلك يأتي في وقت تسعى فيه دول الخليج المجاورة إلى تحقيق المزيد من الانفتاح الاجتماعي وإطلاق الحريات وتحديث تشريعاتها وقوانينها كي تتماشى مع الحداثة وقيم العصر، الأمر الذي يثير علامات استفهام بشأن ما يحدث في الكويت وما إذا كانت وجهتها قد تحددت إلى الخلف در.. بدلا من السير نحو الأمام!

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.