A handout picture provided by the office of Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei on January 9, 2022, shows him…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي

أسابيع مفصلية تواكب مفاوضات فيينا بين إيران والدول الكبرى وستقرر مسار الديبلوماسية أو المواجهة في الملف النووي الإيراني والتي سيحسم مصيرها المرشد الأعلى في طهران علي خامنئي.

المفاوضات التي بدأت منذ عام هي في شوطها الأخير وإدارة جوزيف بايدن أبلغت الكونغرس بوقائع ”صادمة“ هذا الأسبوع حول التقدم الذي قطعته طهران في تسريع برنامجها والذي يضعها اليوم على عتبة شهر أو أقل من امتلاك القدرة على تطوير سلاح نووي. المفاوض الأميركي يرى أيضا فترة ”أسابيع“ متبقية للمفاوضات في فيينا والتي ستحسم نتائجها قبل نهاية الشهر الجاري. 

الا أن الجانب الأميركي يدرك أن كلمة الحسم في المفاوضات النووية ليست في فيينا بل في طهران وبيد خامنئي والنخبة العسكرية في إيران وليس الوجوه التي تحمل محفظة الأوراق وجدول التخصيب في أوروبا. 

خامنئي كعادته لن يحشر إيران في خيار محدود ومنفرد، فهو يريد الاتفاق ولو بصيغة مرحلية لقبض الأموال ورفع العقوبات وفي الوقت نفسه هو يريد أن يلوح بالمظلة العسكرية لبرنامجه النووي والصاروخي وليستمر هذا التهديد حتى في حال العودة للاتفاق.

اليوم المفاوضات لا تجري حصرا حول العودة الى اتفاق ٢٠١٥ والذي لم تعد بنوده قابلة للتطبيق مثل المسافة التي قطعتها إيران في امتلاك قدرة تطوير سلاح نووي. فهذه المسافة كانت عاما منذ ستة أعوام وهي اليوم شهر على الأكثر. وبالتالي فعلى الغرب واسرائيل التعامل مع خيارين: عودة ايران إلى اتفاق مرحلي يضبط قدرتها التخصيبية، فشل الوصول الى اتفاق والتحضير لتصعيد بكافة الوسائل يوقف طهران من تطوير قدرة التسلح النووي. 

من دون شك فإن ادارة بايدن تفضل الخيار الأول أي الوصول الى اتفاق مرحلي مع إيران، وحتى النخبة الأمنية الاسرائيلية تدرك اليوم خطأ الانسحاب من الاتفاق السابق وخطورة المنعطف الحالي. الخلافات هي حول تفاصيل الاتفاق المرحلي وأي من الحسابات المالية المجمدة يتم فتحها أمام إيران وأي عقوبات يتم رفعها. 

هناك أيضا حديث عن دور دولة خليجية مستعدة لدفع غرامة مالية كبيرة لإيران في حال افراجها عن الرهائن الأميركيين ولإحراز نقاط مع البيت الأبيض الغير قادر سياسيا على دفع هكذا غرامة لإيران إنما يرى في خطوة الإفراج عن الرهائن غطاء جيدا للدفع باتفاق. 

إيران اليوم تفاوض حول المال لتجميد البرنامج انما ليس لتعديل استراتيجيتها السياسية وهي تمسك بالغرب والمنطقة كرهائن من خلال تخصيبها اليورانيوم بنسب قياسية وتهديد أمن المنطقة من هرمز الى المتوسط عبر ميليشيات وعصابات تهريب محترفة. 

في نفس الوقت تحاول طهران ابراز وجه ألطف للخارج بإرسال موفد الى الامارات، آخر الى السعودية والعراق والقيام بزيارات لموسكو والصين والابتسام للكاميرات في فيينا. 

المشكلة في هذه الاستراتيجية المزدوجة أنها تتضارب مع بعضها. فكيف يفاوض وزير الصناعة الايراني رضا فاطمي أمين في دبي وصواريخ الحوثي الايرانية الصنع تستهدف أبو ظبي؟ 

لا اميركا ولا المنطقة تغيب عنها نوايا إيران والازدواجية في استراتيجية والتي عمرها أكثر من أربعة عقود وتريد اقتناص أموال الغرب وفي نفس الوقت زعزعة وابتزاز أمن الشرق. 

أي اتفاق مرحلي يمضي به خامنئي وهو أمر مرجح نظرا لحاجة ايران للمال وعدم استعجالها القنبلة النووية، سيحفظ هذه الازدواجية في دور إيران ومقاربتها الخارجية، إنما سيواجه هذه المرة مقاومة أشرس أميركيا وإقليميا في باقي الملفات. 

أما الفشل في الوصول الى الاتفاق فسيشرع باب التصعيد الاقتصادي والاستخباراتي والعسكري إقليميا وقد يأخذ طهران الى منعطف مختلف عن ما شهدته العقود السابقة وباتجاه معارك ضيقة المساحة إنما مفتوحة لمنع تطويرها قدرة السلاح النووي. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.