Ukrainian servicemen load a truck with the FGM-148 Javelin, American man-portable anti-tank missile provided by US to Ukraine…
أسلحة أميركية مضادة للدروع تصل إلى أوكرانيا اليوم الجمعة 11 فبراير

هل هي فعلاً كذلك، إذ لم يبق أمام  الدبلوماسية إلا القليل، قبل أن تشتعل النار الأوكرانية التي قد لا تبقى محصورة داخل أوكرانيا، لذلك تكثف الأطراف المعنية بقرار الحرب والسلم جهودها في اللحظات الأخيرة  بالرغم من انعدام الفرص بالتوصل إلى  تسوية مؤقتة أو حل دائم.  فموسكو التي فاوضت الغرب وفقاً لمعادلة تُنسب لأشهر الدبلوماسيين السوفيات "غروميكو" الذي عبر عن دبلوماسية القوة السوفياتية بشعار "صافح بيد واحمل الحجر باليد الأخرى"، وقد نفذتها موسكو ميدانيا عندما عملت مؤسسات الدولة الروسية على خطين متوازيين، حيث كثفت حركتها السياسية والدبلوماسية بالتزامن مع أكبر حشد عسكري على حدود أوكرانيا.

ولكن بعد فشل التوصل حتى إلى تفاهمات مبدئية، ورد واشنطن وبروكسل السلبي على ورقة الشروط الروسية التعجيزية، تكثفت الحركة الدبلوماسية المكوكية من موسكو وإليها مرورا بعواصم القرار الأوروبي وصولا إلى  واشنطن، دبلوماسية تظهر أن الكرملين المقتنع أساسا بعدم جدوى الحوار مع الغرب قد تخلى عن دبلوماسية "غروميكو" وانتقل إلى الاعتماد على الدبلوماسية الخشنة التي برزت في التصرفات التي يتقنها الرئيس بوتين واللغة الحادة التي يعتمدها وزير خارجيته سيرغي لافروف.

كانت المسافة الفاصلة على طاولة المفاوضات ما بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي إيمانويل ماكرون لا تشير فقط إلى التباعد الاجتماعي، بل إلى التباعد السياسي، فترتيب شكل اللقاء في الكرملين وكيفية تحديد أماكن جلوس الرئيسين، والمسافة بين جانبي الطاولة، ليست إلا انعكاساً للتباين أو التباعد الحاد في المواقف، فالساعات الخمسة بين ماكرون وبوتين لم تدفع الأخير إلى إبداء أي ليونة، بل استمر بممارسة خشونته الدبلوماسية، ففي المؤتمر الصحفي المشترك أحرج بوتين زائره الفرنسي وجعله عرضة لانتقادات أوروبية وأميركية، حيث وصفت صحيفة بوليتيكو الأميركية مجرى الاجتماع بأن بوتين سحق ماكرون، وذلك بسبب أجوبة بوتين الحاسمة والتي تخلو من أي فرصة للتسوية أثناء المؤتمر الصحفي المشترك مع ماكرون. 

فعليا تعمد الكرملين إظهار فشل مساعي الرئيس الفرنسي ماكرون مستخدما كافة الأساليب الممكنة لإبراز تشدده، وقطع الطريق على من يريد بناء الأمل على هذه الزيارة  واعتبرها خطوة نحو التوصل إلى  تسوية، إذ أن الكرملين أفرغ  زيارة ماكرون من مضمونها  قبل وصوله بهدف قطع الطريق على طموحات باريس في اختراق الموقف الروسي وتليينه، وذلك وفقا لما قاله المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن "الوضع معقد للغاية، ولا ينبغي للمرء أن يتوقع أي تغييرات حاسمة بعد اجتماع واحد من هذا النوع".

من جهته أكمل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مواقف بلاده الخشنة، وتعمد أيضاً التعامل باستهتار مع مواقف نظيرته البريطانية إليزابيث تراس التي زارت موسكو قبل أيام، فمما لا شك فيه أن ريبة موسكو الدائمة من مواقف لندن دفعت لافروف إلى  التقليل من أهمية الزيارة، لكن ضيق الأفق الدبلوماسي دفعه هذه المرة إلى وصف اللقاء بحوار الطرشان، فأثناء مؤتمر صحفي مشترك عقده مع تراس يوم الخميس في موسكو قال لافروف "بصراحة، أشعر بخيبة أمل لأن حوارنا بمثابة حوار الطرشان. نتحدث لكننا لا نسمع بعضنا البعض".

عمليا تبدو الولايات المتحدة الأكثر صرامة في الرد على الدبلوماسية الروسية الخشنة، ففي آخر تصريح لوزير خارجيتها أنطوني بلينكن يوم الجمعة الفائت والذي يمكن اعتباره رداً خشنا على ما اعتبره لافروف مزاعم غربية تتحدث عن أن روسيا تنتظر أن تتجمد الأرض في فصل الشتاء كي تدخل دباباتها أراضي أوكرانيا، حيث استمر بلينكن في التشكيك بنوايا موسكو وقال إن "غزو أوكرانيا قد يبدأ في أي وقت بما في ذلك خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، التي تجري حالياً في بكين".

وبناء على ما تقدم، لم تعد فرص الدبلوماسية الناعمة ممكنة مع تصاعد حدة المواقف وفشل الدبلوماسية الأوروبية الثقيلة أمام  تعنت موسكو التي من المستحيل أن تساوم في الربع ساعة الأخيرة،  حيث حصرت خياراتها ما بين التوغل أو الغزو.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.