مأساة الصبي فتحت الباب على جملة من الأولويات المفترض إعادة تأهيلها
مأساة الصبي فتحت الباب على جملة من الأولويات المفترض إعادة تأهيلها

خمسة أيام مريرة ستستوطن في ذاكرة العالم بثقلها العاطفي والنفسي إلى أمد طويل. 

خمسة أيام بدا فيها تخيل ما يمر به الطفل ريان في حفرته الضيقة من خوف وألم ورغبات، معصرة حقيقية للروح تعجز الكلمات عن توصيف قسوتها. ربما تمنى كأي طفل مريض أن تكافئه أمه بقطعة من البسكويت تنسيه مافيه، وربما تذكر كرته وعجز أن يأتي بها، فبكى. لكن الحقيقة أثبتت لاحقاً إنه كان مصاباً إثر سقوطه، لم يع كطفل أنه يواجه حتفه، خاف من الخوف، فأغمض عينيه ليحجبه عنه، ثم استسلم لسباته الأبدي.  

ليست هذه المحنة الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة التي تحبس فيها أنفاس العالم وينفطر قلبه. وفي الوقت الذي كان فيه الصغير يقاسي هول ما يقاسيه تحت مرأى ومسمع العالم، كانت مئات التعليقات والعديد من ردود الفعل على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بالعدالة والمساواة فيما يخص قضاياها المنسية (وهي قضايا محقة)، وتطرح تساؤلاتها حول أسباب وأفضلية الاهتمام الإعلامي لحدث ما دون غيره، الأمر الذي يعيد البعض إلى مربعه الأول وأهمية التذكير بالأولويات الوجودية.   

تفترض كل المبادىء الإنسانية والأخلاقية والدينية أن الرحمة زرعٌ كامل في النفس لايتجزأ ولا يُفصَّل بحسب الطلب. كل كائن حيّ على هذه الأرض، إنساناً أو حيواناً أو شجرة أو نهراً، يستحق الإنقاذ حين يواجه محنة ما، دون أي تردد، ودون أي تفكير في جنسه وهويته وعرقه وأحقيته، ودون كثير من اللغو أو إثارة قضايا جانبية في تلك اللحظات العصيبة، كأن يتساءل البعض في ذروة مأساة الصبي بأسباب هذه الحظوة فيما لايهتم العالم بمعاناة آلاف الأطفال في أماكن أخرى؟. 

أو أن يفتح أحدهم السجلات ويذكّر بأن الدولة التي وقعت فيها الحادثة لم تتعاطف سابقاً مع زلزال حدث قبل عامين في  شرق آسيا، وبناء عليه يحشد كي لا يتعاطف الآسيويون مع مأساة الصبي المسكين. بحيث يشبه طرح مثل هذه المسائل العالقة (على أهميتها) في مثل هذا التوقيت الحرج، كأن يرى أحدهم إنساناً يغرق ويستنجد لإنقاذه، فيتذكر في تلك اللحظة أن المشرف على الغرق لم يسدد له ديناً سابقاً، بالتالي يتردد في مساعدته أو التعاطف معه، مما يتطلب إعادة التذكير كل حين بأهمية تفقد الجاهزية الإنسانية حقيقة، خشيةً من تغول الآتي الذي لن ينضب من آلاف الحوادث، والتي قد تكون أكثر فجائعية.  

من ناحية أخرى، فتحت مأساة الصبي الباب على جملة من الأولويات المفترض إعادة تأهيلها وتفعيلها، وفي مقدمها تفقد الجاهزية الإعلامية ومدى رحابة اهتماماتها وعدم تحزباتها، وكذلك تدعيم الجاهزية التقنية والإنقاذية الدولية لتفادي عدم اكتراث العالم بالعديد من القضايا الأخرى الملحة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أطفال يعانون البرد والجوع، أو شعوب بأكملها تحت تهديد المجاعات، أو بلاد معرضة لأخطار بيئية كارثية، أو غيرها من آلاف القضايا التي تستوجب تدخلات إنقاذية فورية. 

كما يمكن البناء على مأساة ريان تربوياً، من خلال أهمية التشديد على الآباء لمتابعة أبنائهم كظلهم وتفقدهم، والتخفيف ما أمكن من حجم الضرر وتكرار الحوادث التي قد تنجم بسبب عدم الحرص الكافي أو تحمل المسؤولية أو الإهمال الأسري، والمساءلة الملحة في ما يخص الإهمال الحكومي المتعلق بعدد متفلت من النقاط الضعيفة في البنى التحية، والتشدد في القوانين الخاصة من حيث تهرب الأفراد من تحمل مسؤولياتهم، كمثل معرفة أصحاب المنطقة بوجود بئر وإهمال ردمه أو تغطيته.  

الاندفاع نحو مهمة إنقاذية، دافع غريزي ستكتشف عظمة خلقه حين تشاهد كلباً يندفع لإنقاذ إنسان دون تفكير أو تساؤل حول هوية الرجل. ويفترض أن هذا الدافع أكثر سمواً ووعياً داخل الإنسان العاقل، سبق للمخرج ستيفن سبيلبيرغ أن قارب موضوعته النبيلة ضمن فيلم "إنقاذ الجندي رايان- 1998". 

وهو فيلم من صنف الملحمة الحربية، يعتبر واحداً من روائع السينما العالمية وملهماً للشعوب، استندت قصته في عمقها على واحدة من النصوص الدينية التي وردت في الإنجيل على لسان السيد المسيح، والتي تؤكد معنى حرص الجماعة على عدم التفريط بفرد وقع في محنة أو ضلَّ  وضرورة استعادته، كمثل ضياع خروف عن القطيع، والمسؤولية المناطة بالراعي الذي يقع على عاتقه البحث عنه واستعادته حتى لو غاب عن القطيع بأكمله. 

هي مجرد مصادفة قدرية أعادت التذكير بالفيلم بسبب تشابه اسم المجند رايان والطفل المغربي، كما بدت مصادفة قدرية مضاعفة أن "الريانيّن" وقعا في محنة وبحاجة للإنقاذ، حيث تتمحور قصة الفيلم حول ريان المجند بعد مقتل إخوته الثلاثة في الحرب العالمية الثانية، وضرورة إعادته لأسرته سليماً وسالماً، حتى لو كلف الأمر حيوات فريق الإنقاذ الذي تفانى في البحث عنه، بين الجبهات وداخل الخنادق، وخلف خطوط النار وأمامها. 

تضعنا الحياة كل حين في مواجهة امتحانات عسيرة، ومأساة الصبي ريان كانت واحدة من أقساها، ولعلها قاربت هذا الحد المفرط من الفجيعة، لتذكرنا بأهمية التخلي عن المشاعر السلبية ولجمها ساعة المواجهات الوجودية، لأجل توازن الفرد إنسانياً أولاً، ولأن الحياة تستحق تفاني الجماعة لأجل بعضها، دون تمييز أو عقد مقارنات أو خوض سجالات في غير وقتها، حتى وإن كانت محقة.  

في كلمة إنصاف، وبعيداً عن بعض ردود الفعل غير المناسبة التي رافقت عملية إنقاذ الطفل ريان المشار إليها أعلاه، لابد من القول إن العالم والإعلام والجهات المغربية التي أنيطت بها عمليات الإنقاذ، أبلوا جميعاً بلاء حسناً يؤمل تكراره مع جميع القضايا الملحة التي تتطلب هذا الحشد العاطفي والإنساني الكبير. 

جمع ريان العالم لأيام، وكم كان المرء يتمنى لو أن هذا الصغير الجميل أتيحت له فرصة ثانية للحياة، ليكتشف حجم نهر الدموع الذي فاض لأجله، وحجم الجهود التي بذلت وتفانت لإنقاذه، وأن يفخر حين يكبر أن جبالاً قاسية هُدَّت لأجله، وقد استحق. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.