تظاهرات سودانية رافضة للاتفاق السياسي المبرم بين حمدوك والبرهان
تصريحات كثير من الزعماء السياسيين العرب متشابهة حد التطابق

المستبدون 

ملّة الاستبداد واحدة، قول قديم – جديد – متجدد 

يأتي المستبدّ غير العادل، فلا مستبدّ عادلاً، على ظهر دبابة، أو في لحظة "غفلة" من الزمن...لا شرعية شعبية له، ثم يبدأ بإطلاق الوعود والتعهدات، التي يعرف هو أكثر من غيره، بأنه لن يفي بها، أو على الأقل، لن يفي بها طائعاً، تارة بالقول أنه سينهي مهمته الإنقاذية ويمضي، وأخرى، بأن أحداً غير منتخبٍ، أو حاصل على الإجماع الوطني، لا يستحق أن يحل محله، ويتسلم الراية من بعده. 

الجنرال عبد الفتاح البرهان، يؤكد ليل نهار، أنه باقٍ في السلطة، إلى أن يحظى السودان برئيس (أو حكومة) منتخب/ة...فهو وحده المؤتمن على ثورة الشعب السوداني، وهو الوصي عليه، والمؤتمن على المرحلة الانتقالية، لا أحد غيره، يحمل "رسالة" كهذه ... مع أن الرجل، وحليفه في "حكم العسكر"، جنرال "الجنجويد"، هم من "فلول" نظام البشير، وجاءوا إلى الحكم على صهوة ثورة شعب مباركة، اختطفوها قبل أن ينقلبوا عليها قبل بضعة أشهر. 

المفارقة، أن "زعيماً" مدنياً في دولة مجاورة، ليبيا، يكرر قولاً مشابهاً، عبد الحميد الدبيبة، الذي جاء إلى رئاسة الحكومة لأداء مهمة محددة، الإشراف على انتخابات عامة، فشلت المهمة، وباتت في غياهب المجهول، لكن الرجل ظل في موقعه، رصيده في عالم "البيزنيس" جيد، وعلاقاته بأنقرة متميزة، لكن أحداً لم يظن يوماً، أن الرجل سينظر لنفسه على أنه "المخلّص" لليبيا و"المنقذ" لشعبها. 

الدبيبة هذا، لن يغادر موقعه، هكذا قال قبل تعرضه لمحاولة اغتيال فاشلة، ولا ندري ما الذي سيكون عليه موقفه بعد المحاولة ... الرجل لن يسلم السلطة، إلا لحكومة منتخبة، في عملية "قص ولصق" لتصريحات البرهان، مع أنه جاء في لحظة "غفلة" و"استقطاب"، لا تجعل منه "مهدي ليبيا المنتظر". 

المطبعون 

دولٌ عربية وإسلامية، اختارت تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، لأسباب تتصل بحساباتها ومصالحها، مصالح الدول أو الحكام، لا فرق، ضاربة عرض الحائط بمبادرة السلام العربية المقرّة بإجماع إسلامي، لكنها وهي تفعل ذلك، تحرص على الزعم بأن ما تقوم يمثل خدمةً جليلةً للشعب الفلسطيني وقضيته...في المقاطعة يخدمون فلسطين وفي التطبيع يخدمونها كذلك، ودائماً باستخدام أسلوب قص الخطاب القديم ولصقه من جديد... أية مفارقة هذه؟ 

مولود جاويش أوغلو، وزير خارجية تركيا، قال إن موقف بلاده من القضية الفلسطينية لن يتغير جرّاء "هرولتها" للتطبيع مع إسرائيل، بعد عقد من المناكفات، ظلت خلاله التجارة بين البلدين في أوجها ... هذا ليس بالأمر الغريب أو الجديد ... لكن أوغلو رأى أن عودة الروح للعلاقة التركية مع إسرائيل، سيساعد أنقرة على بذل جهود مخلصة ومكثفة، لإحياء مسار تفاوضي ينتهي بتجسيد "حل الدولتين"...أي أنهم يقدمون على التطبيع وفي صدارة أولوياتهم، تمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الوطنية المشروعة. 

قوٌل كهذا، استمعنا لمثله قبل أزيد من عام، عندما خرج نظيره الإماراتي بتصريحات مماثلة: لا تغيير في الموقف الإماراتي من القضية الفلسطينية، وأنهم يقدمون على التطبيع بهدف وقف الضم والزحف الاستيطاني ... التطبيع يتواصل فصولاً بين الدولتين، فيما الزحف الاستيطاني يتقدم كذلك على مختلف الجبهات: القدس، بيت لحم ونابلس...والأهم أن "وقف الاستيطان" لم يعد مدرجاً أبداً، على جدول أعمال علاقاتهما الثنائية، ولم يكن يوماً. 

ناصر بوريطة، وزير خارجية الدولة التي تقود لجنة القدس في منظمة التعاون الإسلامي، كان الأقل "ثرثرة"، وتلويحاً بـ"قميص عثمان" الفلسطيني ... لكن الأمر لم يخلُ من تجديد الالتزامات اللفظية القديمة بالحفاظ على الطابع التاريخي والقانوني للمدينة، فيما المستوطنون والمتطرفون، يكثفون هجماتهم على الشيخ جراح وسلوان، الحيين المقدسيين، ويزداد عدد وعديد الانتهاكات والمنتهكين لحرمة المسجد الأقصى. 

القضية الفلسطينية لطالما استخدمت كـ "قميص عثمان" في السجالات العربية والإقليمية البينية، لكنها اليوم، تتحول إلى "ورقة توت" للتغطية على "هرولة" إقليمية متسارعة، للنزول عن قمم الأشجار التي صعد إليها مهرجون وديماغوجيون وشعبويون ومستبدون. 

المهزومون 

أصحاب المشاريع الوطنية والقومية، الذين ألحقوا أفدح الضرر و"الإعاقة" بمشاريعهم، ما زالت لديهم القدرة على استخدام الخطاب "الثوري" القديم، في التغطية على الواقع "المتهافت" الجديد، وغالباً باستخدام "القص واللصق"، فهم كسالى لا يأبهون كثيراً لتجديد خطابهم ليتوافق مع خصائص المرحلة الجديدة وحساباتها 

نظام الرئيس السوري بشار الأسد، كفّ عن "القص واللصق" لفرط ما فعل، وبعد أن أصاب الأعياء الناطقين باسمه...في إثر كل ضربة جوية أو صاروخية إسرائيلية في العمق السوري، تخرج علينا البيانات المتهددة والمتوعدة، مصحوبة بعبارة: نحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين...كثرة الضربات الإسرائيلية وتلاحقها السريع، جعل من الصعب الاستمرار في عمليات "القص واللصق" فتوقف القوم عنها. 

السلطة الفلسطينية، ومرجعيتها وحاضنتها، منظمة التحرير الفلسطينية في وضعية "هزيمة" ... مشروعها الوطني يتآكل ويتقهقر، شعبيتها بلغت دركاً سُفلياً غير مسبوق، "متوالية" انقساماتها لا تنتهي، فبعد الانقسام الأخطر والأطول بين فتح وحماس، ها هي المنظمة تنقسم على نفسها، وتتبادل "حرب الشرعيات" على خلفية الاجتماع الأخير للمجلس المركزي، فيما حال فتح، العمود الفقري، ليس أفضل عشية المؤتمر الثامن للحركة، المقرر في الأسبوع الرابع من الشهر الثالث. 

بيانات هيئاتها القيادية منذ العام 2015، تكاد تكون "قص ولصق"، بعضها عن بعض، تماماً مثل تصريحات المستبدين والمطبعين، التي تتناسخ وتتناسل، أحدها من الآخر ... يكفي فقط أن تستحدث تغييراً طفيفاً على تاريخ صدور البيان، حتى يصبح صالحاً لكل زمان ومكان. 

"تعليق" الاعتراف بإسرائيل، التحلل من الاتفاقات المسبقة، وقف التنسيق الأمني، الخروج من عباءتي أوسلو وباريس، مع الجملة "اللازمة" في كل بيان: تفويض اللجنة التنفيذية بفعل ما يلزم، وبلورة ما يقتضي من إجراءات وآليات لتنفيذ هذه القرارات، على أن تكون في خدمة "الصالح العامل". 

سبع سنوات على صدور أول نسخة من هذه البيانات، لم يُعلّق الاعتراف ولم تنسحب السلطة من الاتفاقات المسبقة، فيما التنسيق الأمني يبلغ مديات جديدة، غير مسبوقة من قبل. 

سبع سنوات من عمليات "القص واللصق"، لم تكن كافية لبلورة الإجراءات والآليات المطلوبة لتنفيذ قرارات "أعلى جسم قيادي" في النظام السياسي الفلسطيني ... سبع سنوات عجاف، لم تمكّن "القيادة الفلسطينية" من تعريف "الصالح العام"، فهو صبحاً بالالتزام بقرارات المجلسين الوطني والمركزي، ومساءً بالتحلل منها، فلماذا يفاجأ من تقاطر إلى رام الله لحضور الاجتماعات، بهذا التجاهل الشعبي (الفلسطيني) والسياسي، الإسرائيلي والإقليمي والدولي، لنتائج اجتماعاتهم والقرارات المنسوخة الصادرة عنها؟ 

قبل بضعة أشهر، وفي خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، "منح" الرئيس عباس إسرائيل مهلة عام واحد لإنهاء احتلالها وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة ...الاحتلال يتكرس يوماً إثر آخر، وإسرائيل ترفض الانخراط حتى في "مفاوضات عبثية" كتلك التي امتدت لأكثر من ربع قرن.... لا ندري إن كان سيعمد إلى "قص ولصق" خطابه ووعيده في الجمعية العام القادمة بعد سبعة أو ثمانية أشهر، (إن ظل في العمر بقية)...يبدو أن الأمر مرجحاً فمن "قص ولصق" قراراته أكثر من خمس مرات، لن يجد عنتاً ومشقة، في "قص ولصق" خطاب آخر. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.