لا تُشكِّل الأزمة الأوكرانية الراهنة قلقا أوكرانيا خاصا، ولا قلقا إقليميا أوراسيا فحسب، وإنما تُشكِّل قلقا عالميا واسع النطاق؛ حتى وإن كانت بؤرته في مجالها الاستقطابي ترسم حدودها على مسار صراع المصالح المادية المباشرة بين أهم القوى النافذة في عالم اليوم: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، الصين.
لكن، إذا كان القلق الأوكراني الخاص، والقلق الإقليمي، لا يتعديان مجال المصالح المباشرة في الغالب، فإن القلق العالمي يُخفي وراءه قلقا ثقافيا (أي صراع حضارات أو ثقافات)؛ حتى وإن كان الاعتبار السياسي للمصالح المباشرة حاضرا على الدوام، وفي كل مجالات الصراع.
فالولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، وحلفاؤهما (بصفتهم غَرْبًا ليبراليًا أو مُتَغرِّبين مُتَلَبْرِلِين) يقفون على الضفة أو الجبهة المقابلة، حضاريا كان أم ثقافيا أو أيديولوجيا، لروسيا والصين ولواحقهما (بوصفهم: جَمَعانِيين شموليين).
ومع وجود الاختلافات، بل والصراعات المَصالحية أحيانا، داخل كل جبهة؛ إلا أن المشترك الثقافي الذي يعكس نمطَ وَعْي مُتَماثل أو مُتقارب، يحكم كثيرا من الخيارات الكبرى، خاصة تلك الخيارات الحاسمة التي يُتَوقَّع لها أن تمتدَّ بآثارها إلى ما وراء حدود اللحظة الراهنة.
يحدث هذا على مستويين: واعٍ وغير واعٍ، وفي كلا الحالين، تدعم الخياراتُ الأيديولوجيةُ أو الثقافيةُ حراكَ المصالح وتَضْمَن استمراريتها؛ بقدر ما تدعم المصالحُ حراكَ الخياراتِ الأيديولوجية التي تُرْوي بعضَ عُرُوق الظمأ الروحي أو المعنوي للجبهة الشرقية، أقصد: الظمأ الحقيقي للمعنى أو القيمة الرمزية، أو ذاك المفتعل؛ بإرادة سياسية تستثمر في هذا المجال.
هل يعني كل هذا أن صراع الحرب الباردة الذي شَطَرَ العالمَ في النصف الثاني من القرن العشرين لم يَنْتهِ بَعد، أو أنه استأنف نشاطَه بعودة بعض مُكَوّنات ذلك الصراع؟ الجواب: نعم، ولا.
فمن ناحية الصراع بين كيانات مُحَدَّدة أيديولوجيا على نحو صريح وحاسم، نؤكد أن هذا صراع لم يعد له وجود.
وأما من ناحية أن ثمة رُوحًا غربية ليبرالية متطورة على مدى سبعة قرون سابقة، مُقابِل رُوحٍ شرقية جَمَعانيّة ثابتة، أو شبه ثابتة، على إرثها التقليدي الضارب في أعماق التاريخ، فهذا تَقابل أو صِراع موجود على الدوام، صراع ثابت، قد يتوارى وراء بعض الأقنعة، وقد يَتَلبّس بعضَ الأيديولوجيات المُتوائِمة مع مُرْتكزاته الروحية الأصيلة، وقد يتجلّى عبر وَسِيطٍ شِعاراتي مُرَاوِغ، ولكن تبقى حقيقة الصراع بين "غرب" و"شرق" مكتوبة على جَبين القَدَر لكل منهما، لا بوصفهما تمايزا جغرافيا مُجرّدا، بل بوصفهما جغرافيا الصورة لمضمون ثقافي أو روحي يُقَرِّر ما وراء الجغرافيا.
إن صراع الشرق مع الغرب أيا كانت صورته، ليس صراعا مع الجغرافيا، ليس صراعا مع الوجود المادي، بل هو، في الحقيقة، صراع مع تراث التنوير، بالصراع المباشر مع مُتَعَيِّنات التنوير الواقعية في أرقى تجلياتها.
لا يزال الشرق الثقافي (لا الجغرافي؛ فاليابان، بدرجة ما، هي غرب ثقافي) أسير بدائية تاريخية لم يتجاوزها بعد، لا يزال يرسف في قيود تخلفه، بينما الغرب هو "غرب الحضارة" حصرا.
لم تَستوفِ الحضارات السابقة اشتراطات صفة "الحضارة"، بل ولم تستوفِ اسمها؛ إلا على سبيل المجاز، لا الحقيقة. ما يعني الشرق الذي لم يتطور بعد بما يكفي؛ ليندرج في سياق استيعاب (والاستيعاب مرحلة ما بعد مرحلتي: "المعرفة" و"الفهم") مرحلةَ الفردانية الليبرالية التي هي التعبير الأسمى عن المُتَحَقِّق الإيجابي من تراث التنوير العظيم.
ليس من السهل أن "تتحضّر" حقا. روسيا لم تتحضّر حتى الآن، الصين لم تتحضّر حتى الآن. الحضارة المعيارية هي حضارة الغرب، والحضارة الغربية الرائدة ليست مصادفة تاريخية، بل هي مسار تطوّر خاص، تطور متفرّد.
وعن هذه الخصوصية يقول هنتنغتون: "إن الأسباب التي أدّت إلى هذا التطور المتفرد الخطر تتضمن: التركيبة الاجتماعية والعلاقات الطبقية في الغرب، ظهور المدن التجارية، التوزيع النسبي للسلطة داخل المجتمعات الغربية وبين الطبقات الاجتماعية والملوك، بين السلطات الدينية والدنيوية، نمو الشعور القومي بين الشعوب الأوروبية، وتطور بيروقراطيات الدولة" (صدام الحضارات، ص118)
إن كل هذه المُتَضمّنات، كمتغيرات حاسمة، في مسار التطور المتفرد للغرب ليس لها من حضور، أدنى حضور فاعل، في الجبهة الشرقية المضادة للغرب: الروسية والصينية. وإذا كانت روسيا منذ قرنين وأكثر تُحَاول أن "تتحضّر"؛ بأن تَتَمثّل حضارةَ الغربِ بـ"الاستلهام الخاص"، فإن نمطَ الوعي أو المُكوّنات الثقافية الراسخة لم تسمح لها بالتقدم إلا بضعَ خطوات هزيلة خائرة القوى في هذا المضمار.
والمعنى أنها (روسيا) لا تزال مُتَخَلِّفة، لا تزال بعيدة عن أي مسار حضاري حقيقي؛ لا لشيء، إلا لأنها لم تستطع أن تكون "غَرْبا تنويريا" بحق، أو لم ترد أن تكون غربا؛ إلا بعد "تشريق" نموذجها الذي تراه جديرا بالاستلهام !
هكذا يبدو التحضّر الروسي مُتَعثرا بخطواته ذاتها. وباختصار معالم المأساة، نقول: أوروبّيته تتعثر بآسيويته.
وفي هذا السياق يقول هنتنغتون عن روسيا تحديدا: "رغم كل الإصلاحات، العمق الثقافي آسيوي"، يقول ديمستر: "اخدِش روسيا وستجد أنك جرحت تتاريا"، كما يشير هنتنغتون أيضا إلى أن الجدال داخل روسيا بين دعاة الانفتاح ودعاة الانغلاق كان يدور دائما حول مسألة: إمكانية أن تكون روسيا مُخْتَلِفة عن الغرب؛ دون أن تكون مُتَخَلِّفة عن الغرب (صدام الحضارات ص265و266)
هنا "العُقدة الحَرِجة": التقدم بـ"الاختلاف مع الغرب" أو بـ" الاختلاف عن الغرب". هنا "إرادة الحضارة" مع "كراهية الحضارة"؛ بالتحيّز المُسْبَق (التحيّز الحاقد، التحيّز المجروح بحقيقة صَغاره ودوام انكساره)، ضد رُوّاد الحضارة الحقيقية وصانعيها ومُطَوِّريها والأمناء عليها.
فكأن هذه الدعوى شبه المجنونة تُطَالِب بحضارة دون حضارة، بحرية دون حرية، بتقدّم دون تقدّم. والسبب في كل ذلك أن الحضارة الأصل، والحرية بحق، والتقدم المُتَضَمِّن تقدمَ الوعي بالإنسان، ليس إلا حضارة الغرب وحرية الغرب وتقدّم الغرب !
لا حضارة أو لا تحضّر بحق إلا بمواجهة واسعة النطاق ومستدامة وجذرية مع الذات، بتعرية الذات، بالكشف عن التشوهات الثقافية العميقة التي تحكم عالم اللاّوعي الجمعي. وهذا ما لم يحدث في الشرق بالقدر المطلوب.
يقول فرنسيس فوكوياما: "كان كثير من المحللين يعتقدون بأن فعالية التوتاليتارية السوفيتية تتقوّى من خلال تقاليد الشعب الروسي التسلطية السابقة للبلشفية"، ثم يذكر، مُدَعِّمًا هذا الرأي، أن الرحالة الفرنسي كوستين وصف الروس بأنهم عرق "معتاد على العبودية، وهو لا يحترم جديا إلا الرعب والطموح"(نهاية التاريخ، ص54).
هكذا، لا يبدو الصراع الدائر بين الغرب (أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهم) والشرق (أي روسيا والصين وغيرهما) إلا صراعا بين الحضارة واللاّحضارة، بين الحرية والعبودية، بل بين الإنسان واللاّإنسان.
ما يعني أن الأزمة الأوكرانية ليست مجرد صراع على المصالح المادية المباشرة، أو لا يجوز أن نراها كذلك. نعم قد تكون كذلك بالنسبة للدول، قد تكون كذلك لمن ينظر بمنظار سياسي خالص، ولكنها، في سياق الاستشعار الثقافي أو الحضاري، هي مسألة تتجاوز تجاذبات السياسية في اشتباكها مع الآني، والمباشر، والمحدود بما دون الإنسان.
بناءً على كل ما سبق، وبعيدا عن الصراع السياسي الآني ودوافعه المعلنة وغير المعلنة، لا يصبح خيار المثقف العربي في هذا السياق إلا خيارا مطروحا على مختبر التنوير، أي في الموقف من التنوير، وفي الوفاء للموقف إن كان ثمة موقف مُعلن سلفا.
فما يُحَقِّقه الغربُ (أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ مثلا) من تقدّم على حساب الشرق (روسيا والصين؛ مثلا) يجب أن يكون محل احتفاء تنويري عربي، لا باعتبار أن مثل هذا الموقف سيكون له أثر في مجريات ذلك الصراع البعيد عنهم، وإنما باعتبار أن هذا الموقف يعكس خيارا ثقافيا أو حضاريا لمثقفين يُريدون أن يكونوا مؤثرين في نمط الوعي العام.
قد تبدو هذه رؤية تغريبية. لكن، وبالنظر بعيدا، يجب أن نعي أن الغرب لم يعد مُلْكا للغرب، حضارة الغرب وإن أبدعها وطوّرها الغرب، هي حضارة الإنسان الموعود، الإنسان في أرقى صور تمثّله الإنساني. وبالتالي، فكل شبر من الأرض تكسبه هذه الحضارة (بواسطة أي من قواها الفاعلة ماديا وأيديولوجيا)، هو في المُؤَدى النهائي مكسب للإنسان، الإنسان أيا كان، وفي كل مكان.

