الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - اجتماع الحكومة الروسية - العلم الروسي
"اجتياح أوكرانيا هذه المرة سوف يكون مكلفا أكثر من الاجتياح الأول في 2014 "

يواصل المسؤولون الأميركيون البارزون تحذيراتهم اليومية من اجتياح عسكري روسي وشيك لأوكرانيا وتجديد التزامهم بفرض عقوبات اقتصادية ومالية مؤلمة على الاقتصاد الروسي، بينما يواصل المسؤولون الروس احتجاجاتهم اليومية ورفض مضمون التحذيرات الأميركية واعتبارها جزءا من حملة إعلامية تضليلية، وهيستيرية، تهدف من جملة ما تهدف إليه استفزاز الاجتياح الروسي الذي تحذر منه.

المفارقة أن التحذيرات الأميركية أقلقت وأزعجت القيادة الأوكرانية التي سارعت عبر الرئيس، فلوديمير زيلينسكي، إلى انتقادها لأنها تخلق حالة "رعب" تؤثر سياسيا واقتصاديا على أوكرانيا وتحرمها من الاستثمارات الغربية. 

التسريبات من المصادر السياسية والاستخباراتية في واشنطن تقول إن الرئيس جو بايدن وكبار مساعديه يعتمدون في تحذيراتهم على معلومات استخباراتية حول جهوزية القوات الروسية التي تحيط بأوكرانيا من ثلاث جبهات وخططها الميدانية وأنها تريد من تحذيراتها استباق الرئيس فلاديمير بوتين و "فضح" خططه قبل اللجوء إلى تطبيقها ووضعه في موقع دفاعي، ما يفسر استياءه واحتجاجاته العلنية. 

أي مراجعة موضوعية للتحركات والإجراءات والمواقف الروسية وردود الفعل الإميركية والأطلسية عليها تبين التالي : 

الرئيس بوتين نجح في إرغام حلف شمال الأطلسي (الناتو) على التفاوض معه عبر القمم الافتراضية والاتصالات الهاتفية مع الرئيس بايدن، أو زيارات قادة الدول الرئيسية في الناتو مثل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، أولاف شولتز، إلى موسكو حول مطالبه وشروطه لحل الأزمة بغض النظر عن مضمون هذه المطالب وما إذا كانت تعجيزية أو نهائية أو مجرد مٌطالب أولية متشددة كمدخل للمفاوضات.

بوتين طالب بوقف رسمي لتوسع الناتو شرقا، وتجميد البنية التحتية العسكرية للحلف (عدم بناء قواعد عسكرية أو إدخال منظومات عسكرية جديدة) في الدول التي كانت سابقا جزءا من الاتحاد السوفيتي، وإنهاء الدعم العسكري المقدم من الناتو إلى أوكرانيا، والالتزام بعدم ضم أوكرانيا إلى الحلف، وعدم نشر صواريخ متوسطة المدى في أوروبا. رسالة بوتين من خلال حشوده العسكرية، هي إما القبول بهذه المطالب سياسيا، وإلا فإننا مستعدون للجوء إلى الخيار العسكري.

صحيح أن الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو لم يقبلوا بشروط بوتين، إلا أنهم ألمحوا إلى استعدادهم لاعتماد إجراءات لبناء الثقة من بينها اعتماد الشفافية في مجال المناورات العسكرية، وإبعاد هذه المناورات عن المناطق الحساسة، وضبط نشر الصواريخ المتوسطة المدى في أوروبا.

ولكن ربما ما حصل عليه بوتين بشكل ضمني هو إجماع الدول الرئيسية في الناتو بعدم التفكير بانضمام أوكرانيا إلى الحلف في أي وقت قريب، وربما عدم انضمامها في أي وقت في المستقبل. الرئيس الفرنسي ماكرون ألمح إلى أن أوكرانيا يمكن أن تعتمد مبدأ الحياد بين الشرق والغرب كما فعلت فنلندا منذ زمن.

نجح بوتين أيضا في تذكير الأوروبيين باعتمادهم الكبير على الغاز والنفط الروسيين وهو اعتماد يصل إلى حوالي 40 بالمئة من احتياجات بعض الدول من الغاز الطبيعي، ومن بينها ألمانيا، الدولة الأهم اقتصاديا في أوروبا الغربية.

وتزامنت الأزمة الأوكرانية مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وقبل البدء بتشغيل أنبوب الغاز المعروف باسم "نورد ستريم-2" الذي سينقل الغاز الطبيعي الروسي لألمانيا تحت مياه الأطلسي متفاديا الأراضي اأاوكرانية.

صادرات روسيا من الغاز والنفط أعطتها احتياطا ضخما بقيمة 630 مليار دولار، ما يعني أن روسيا، تتمتع بمناعة، في المدى المنظور على الأقل، ضد أي ضربة لعائداتها المالية جراء مبيعات الطاقة إلى الأسواق الأوروبية.

أي غزو روسي لأوكرانيا سيؤدي إلى حظر مبيعات النفط والغاز، ما يعني أن روسيا، وأيضا الدول الأوروبية التي تعتمد على الطاقة الروسية، سوف تتضرر اقتصاديا في حال عبور الدبابات الروسية لحدود أوكرانيا.

هذا الاعتماد الاقتصادي المتبادل في مجال الطاقة بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي هو من الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية التي برزت في القارة الأوروبية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي.

أخيرا نجح بوتين، مؤقتا على الأقل، في حرمان الرئيس بايدن من تركيز اهتمامه وطاقات الولايات المتحدة في منطقة شرق آسيا للتصدي سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا للنفوذ الصيني المتنامي في تلك المنطقة الأكثر أهمية اقتصاديا لأميركا من أي منطقة أخرى في العالم.

وفي بداية سنته الثانية في البيت الأبيض وجد الرئيس بايدن نفسه مشغولا بمواجهة تحديات في وسط القارة الأوروبية القديمة ومن مخلفات انهيار الإمبراطورية السوفيتية في القرن العشرين، بدلا من مواجهة الصين التي تشكل التحدي الأبرز لأميركا في القرن الحادي والعشرين.

في المقابل، رد الرئيس بايدن والحلفاء في أوروبا، على إجراءات واستفزازات بوتين بجبهة موحدة إلى حد كبير على الرغم من التردد الأولي لألمانيا، كما فاجأ بايدن نظيره الروسي بتحذيرات واضحة بأن أي اجتياح لأوكرانيا سوف يعرض روسيا إلى عقوبات اقتصادية ومالية وتقنية غير معهودة من الولايات المتحدة وحلفائها. 

وصاحب هذه الإنذارات بنشر قوات عسكرية أميركية في دول الحلف في شرق أوروبا مثل رومانيا وبولندا، وأيضا في دول بحر البلطيق، في سياق تنسيق سياسي وعسكري على مختلف المستويات، ليس فقط بين دول الحلف، ولكن أيضا بين واشنطن والحلفاء من جهة وبين أوكرانيا من جهة أخرى وفقا لشعار: لا شيء يتعلق بأوكرانيا يمكن أن يناقش دون أوكرانيا.

العقوبات المتوقعة سوف تشمل حرمان روسيا من المشاركة في النظام المالي الدولي، وحرمانها من الاستفادة من أي تقنيات تشارك الولايات المتحدة في تصنيعها أو تصميمها.

جهود إدارة بايدن في هذا المجال نجحت في إقناع ألمانيا بوقف العمل في أنبوب الغاز "نورد ستريم – 2" في حال غزت روسيا أوكرانيا، وهذا ما أوضحه المستشار شولتز خلال اجتماعه بقادة مجلس الشيوخ خلال زيارته الأخيرة لواشنطن. رسالة واشنطن لموسكو هي: أن مصادر الطاقة الروسية لأوروبا يجب أن تعتبر سيفاً ذو حدين.

بعد أكثر من ثلاثة أشهر من التوتر والتهديدات المتبادلة، يجد بوتين نفسه في مواجهة حلف موحد أكثر من أي وقت مضى، وبعد حقبة الرئيس السابق، دونالد ترامب، التي بدا فيها الناتو وكأنه وصل إلى طريق مسدود، بسبب تشكيك ترامب العلني بجدواه.

وبدلا من أن تؤدي تهديدات بوتين إلى تعميق الاستقطابات في أوكرانيا، فإنها ساهمت في توحيد البلاد ورفضها لمطالب بوتين، وهو رفض عبّر عنه أوكرانيون من أصل روسي.

في هذا السياق، ادعاءات بوتين أن سكان روسيا وأوكرانيا (وأيضا روسيا البيضاء) يشكلون شعبا واحدا له جذور ثقافية ولغوية ودينية واحدة، وإن كانوا يعيشون في دول مستقلة، أدت إلى ردود عكسية في أوكرانيا.

تهديدات واستفزازات بوتين جددت الجدل السياسي في الغرب، والذي لم يتوقف نهائيا، وإن بقي في الخلفية منذ غزوه لأوكرانيا وضمه لشبه جزيرة القرم في 2014: هل بوتين متهور وينتمي إلى عصر بائد، أم أنه يتمتع بعقل استراتيجي ويخطط بعقلانية قبل أي مبادرة هامة.

محللون كثر يقولون إن بوتين يريد إحياء الإمبراطورية السوفيتية (التي يراها بالعمق إمبراطورية روسيا السلافية) ولو بالقوة . هؤلاء يشيرون إلى تدخله العسكري وضمه لأراض تابعة لجيرانه في جورجيا وأوكرانيا، وأيضا تدخله العسكري المباشر في سوريا، وغير المباشر وعبر قوات المرتزقة في ليبيا وغيرها من المناطق في أفريقيا.

ولكن هناك أقلية من المحللين ترى أن بوتين يقامر، ولكن بعد حسابات دقيقة كما فعل في حالات جورجيا وأوكرانيا (2014) وسوريا، إلا أن هدفه الاستراتيجي الرئيسي في أوروبا الوسطى والشرقية هو وقف تمدد حلف الناتو شرقا باتجاه الحدود الروسية، وليس بالضرورة ضم أراض جديدة في أوكرانيا أو غيرها من الجمهوريات السوفيتية السابقة. 

حتى الآن لا يزال بوتين في موقع الطرف الذي يبادر، والغرب في موقع الطرف الذي يرد على مبادراته. ولكن الوضع الراهن لا يمكن أن يبقى مفتوحا إلى ما لا نهاية.

خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة سوف يضطر بوتين إلى إصدار الأوامر لقواته إما بالتقدم إلى الأمام واجتياح أوكرانيا، أو التراجع إلى الوراء باتجاه ثكناتها.

اجتياح أوكرانيا هذه المرة سوف يكون مكلفا أكثر من الاجتياح الأول، في 2014، وقد يورط روسيا في حرب استنزاف طويلة. ويفترض أن يكون بوتين مدركا لهذه الحقيقة حتى ولو لم يفكر بها عندما بدأ بحشوده حول أوكرانيا وقبل أن يوحد الناتو ويوحد أوكرانيا. بعد أشهر من المناورات العسكرية والسياسية  يجد فلاديمير بوتين نفسه أمام خيارين كلاهما صعب. 

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.