الملك عبدالله الثاني زار حدود بلاده مع سوريا، الإثنين
"تجلى التغيير بمصطلح "العين الحمراء"" | Source: twitter/@RHCJO

أي قراءة لتحرك عسكري على أي حدود بين بلدين، لا يمكن قراءته كتحرك روتيني هادئ، وعليه فإن العالم المشغول بحرب متوقعة و"مدمرة" يمكن قراءة حضورها الوشيك على الحدود الروسية - الأوكرانية لم ينتبه لحرب وقعت فعلا " تستهدف دمارا نوعيا" هناك في "شرق المتوسط"، تلك المنطقة الحبلى بالأزمات، هي حرب لم يعلن عنها أحد، لكنها قائمة بكل تفاصيلها العسكرية وقواعد الاشتباك التي قرر الطرف الأردني أن يغيرها منذ ديسمبر الماضي.

الملك الأردني بكامل ملابسه العسكرية الميدانية كان يوم الإثنين على الحدود الشمالية من بلاده، وقد تحولت إلى جبهة مواجهة شرسة ودموية في مواجهة أكبر عملية إنتاج وتهريب مخدرات يشهدها العالم ومدعومة بقوة عسكرية "نظامية" من خلال الفرقة الرابعة السورية التي ترعى رسميا لا عمليات التهريب وحسب، بل عمليات الإنتاج والتصنيع للمخدرات في العمق السوري.

الدعم الإيراني، وحزب الله بالضرورة الممتدة، لا يخفي نفسه في أخطر عملية إغراق مخدرات للمنطقة برمتها يديرها، ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري وشريكه في إدارة النظام الدموي في دمشق.

ومع نفي سوري "مستمر" لكل الحكاية، فإن التسريبات التي حصلنا عليها من مصادر أردنية وأكدتها مصادر عسكرية غربية فإن يوم الأحد السابق لزيارة الملك إلى الجبهة الشمالية لحربه ضد المخدرات، كشفت أن المواجهة الدموية الأخيرة كانت اشتباكا عسكريا بين الجيش الأردني وقوات عسكرية كاملة التأهيل تقوم بعمليات التهريب المكثف عبر الحدود الأردنية.

وقد أسفرت المواجهات التي لم يعلن عنها أحد رسميا عن مقتل سبعة أشخاص من الجانب السوري، منهم خمسة، حسب مصادر موثوقة، تفحموا في سيارتهم في العمق السوري، مع حضور معلومات لم يتم التوثق منها لحساسيتها، أن الجيش الأردني دخل العمق السوري في مطاردة المهربين المجهزين بجاهزية عسكرية كاملة، وأن البحث في الجثث المتفحمة أسفر عن وضع اليد "الأردنية" على هويات عسكرية سورية تابعة للفرقة الرابعة، ومعلومات إضافية من مصادر أخرى أكدت أن الجيش الأردني أسر بعض المهربين الذين اعترفوا بهوياتهم العسكرية وقد تم تسجيل تلك الاعترافات، وإرسالها للجانب الرسمي السوري بحثا عن إجابات، وكانت الإجابة، حسب نفس المصادر، بالصمت التام في دمشق.

هي الحرب إذاً، حرب واضح أنها تبحث عن حل سياسي "حذر" مع النظام السوري في دمشق، لكن الحلول الحذرة تحمل "بندقية" في اليد الأخرى كعملية ردع للتمادي السافر و"خارج السيطرة" الذي تمارسه الفرقة الرابعة السورية بقيادة شقيق الرئيس السوري وبدعم إيراني لوجستي.

يبدو أن الأردن الرسمي لا يريد مواجهة معلنة، ويبحث عن خارطة طريق أمنية وإنسانية - تتعلق باللاجئين- غير ملف المياه العالق إلى أجل غير مسمى، وهو ما أعلنه الأردن عبر رأس الدولة في زيارته لواشنطن، الصيف الماضي، حيث لم يتردد بطرح الملف السوري أمام طاولة بايدن وإدارته، ليخرج بما يشبه "غض الطرف" عن اختراق لقانون قيصر.

الفرقة الرابعة، التي تحولت مع سنوات الأزمة إلى أكثر من فرقة عسكرية نظامية لتنتهي اليوم إلى كارتيل "مخدرات" هو الأكبر في العالم، هذا غير البلطجة التي تديرها الفرقة العسكرية بالتعاون مع رجال أعمال محسوبين شخصيا على ماهر الأسد في صناعات النحاس والمعادن، صارت خطرا "إقليميا" لا بد من إزالته مع ترتيبات إقليمية تسعى لخلق جغرافيا سياسية جديدة قائمة على التعاون والتنمية الاقتصادية كعنوان لشرق أوسط جديد تغيرت مفاتيحه مع التغيرات العالمية.

الملف السوري، هو الملف الشائك الذي تلقفته عمّان في حضنها سواء من ناحية اللجوء الإنساني الذي يكلفها كثيرا أو من ناحية الخطر الإيراني الذي يطل عبر نوافذ الحدود الشمالية، غير ملف القضايا العالقة مع السوريين وعلى رأسها ملف المياه.

الحضور العسكري للملك الأردني على حدوده الشمالية، وقد تحولت إلى جبهة قتال بامتياز تحديدا في الليلة السابقة لحضوره، جبهة قتال، كما علمنا، كان قائد الجيش الأردني على رأسها يقود قواته العسكرية في اشتباك تغيرت قواعده، وتجلى التغيير بمصطلح "العين الحمراء"، وهي التي أطلقها الملك وهو يخاطب قواته العسكرية كتنبيه مفتوح على احتمالات التوسع أكثر في الأيام القادمة، مسلحا بتفويض ضمني "إقليمي" فاض به الكيل من انتشار المخدرات "السورية- الإيرانية" في كل دول الإقليم.

يبدو أن الكرة الآن في الملعب السوري، لكبح جماح القوات المنفلتة عن أي سيطرة "رسمية ونظامية" والتي يقودها شقيق الرئيس السوري، ماهر الأسد، وقد كرس نفسه "إسكوبار" الشرق الأوسط وبرتبة عسكرية وقوات مسلحة.

التسوية، في حدودها الدنيا، مع النظام في دمشق معلقة على قدرة النظام السوري نفسه في ضبط مشتقاته العسكرية والأمنية، وهو ما يراهن عليه الأردن حتى اللحظة الأخيرة، وهي لحظة تكاد تكون وشيكة لإعلان حرب يحاول الأردن تجنبها، دون أن يتنازل عن "العين الحمراء" التي أعلنها رأس دولته هناك من شمال الأردن، جنوب سوريا، في رسالة لا يمكن قراءتها أنها موجهة لجنوده وعسكر جيشه، بل تتجاوزهم لتصل أذن رأس النظام في دمشق.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.