إسرائيل - لبنان - ترسيم الحدود البحرية - البحرية الإسرائيلية - البحر الأبيض المتوسط
"السياسة "ملغاة" في لبنان لانتفاء وجود سياسيين فيه بالمعنى المتعارف عليه"

السياسة هي فن الممكن. ربما على هذا الأساس تسعى الولايات المتحدة منذ فترة غير وجيزة إلى الوساطة من أجل ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

غير أن السياسة "ملغاة" في لبنان لانتفاء وجود سياسيين فيه بالمعنى المتعارف عليه، أي أشخاص معنيين بالشأن العام وقادرين على الدفع باتجاه صالح الوطن. سياسيو لبنان الحاليين هم مزيج غير متجانس من معدومي القدرة على الفعل، وقادرين على بعضه، مع تجيير هذا القليل من القدرة لأغراض لا تبدو على انسجام مع الصالح العام.

ربما أن الصالح العام يتحقق بالتالي بعدم إتاحة المجال للطبقة السياسية الحالية العبث بالأمانة التي يشكلها المجال البحري وثرواته الباطنة، وعدم الإقدام على أي تسوية أو مقايضة أو صفقة بشأن الحدود البحرية، والتمسك وحسب بالشرعية الدولية.

اللجان التقنية في الجيش اللبناني أعدّت تقريراً يؤكد أحقية لبنان بمساحة بحرية أكبر بكثير من التي تفترضها له إسرائيل كما التي تدعو إلى التوافق عليها الاقتراحات الأميركية.

وتقرير الجيش اللبناني منسجم مع القراءة المحكمة التي أعدتها كبرى المؤسسات البريطانية المولجة بشأن الحدود البحرية قبل أعوام، ومتوافق مع القرار الصادر عن المحكمة الدولية والذي فصل في الخلاف حول الحدود البحرية بين الصومال وكينيا.

فالحالة بين هذين البلدين لها أوجه شبه مع ما بين لبنان وإسرائيل، إذ في كلتا الحالتين ثمة اختلاف يعود إلى ترسيمات متباينة في أخذها بعين الاعتبار جزيرات غير مأهولة.

إسرائيل، والتي باشرت منذ أمد استثمارها للحقول الواقعة ضمن المجال الخاص بها والذي جرى إقراره دولياً، تحبّذ ترسيم الحدود البحرية مع لبنان لطمأنة شركائها الدوليين، المستثمرين أولاً، إلى حقها في التنقيب في الحقول الواقعة في المناطق التي تبقى موضوع خلاف.

الحساب في إسرائيل، وكذلك في الولايات المتحدة هو أن النفط والغاز هما من مصادر الطاقة المقيّدة في أفقها الزمني، أو على الأقل في مردودها الاقتصادي، أمام تطور المصادر البديلة المستدامة.

فالصالح المشترك لكل من لبنان وإسرائيل يقضي بإيجاد صيغة ما، وإن لم تكن مثالية، لهذا الجانب أو ذاك، وذلك للاستفادة الفورية، أو ما يقارب، من هذه الثروة الكامنة تحت قعر البحر، إذ هي ثروة محدودة الصلاحية، تتضاءل قيمتها كلما تأخّر استخراجها.

هو منطق سليم، لو أن الفريق الآخر المعني يتسم بدوره بقدر من السلامة. غير أن هذا الفريق الآخر، أي لبنان، لا أثر للعافية فيه ولا للسلامة، بل هو في حالة أزمة فعلية، انتقلت من دور الانحدار، على مدى عقد ونيّف، إلى طور الانهيار، على مدى العامين الماضيين، دون أن يتبدّل سلوك المنظومة الحاكمة فيه.

سجل هذه المنظومة الحاكمة في لبنان، برمّتها، أي الأحزاب الطائفية الممثلة في السلطة الناهبة وشريكها الظاهر والمستتر، أي حزب السلاح الخارج عن القرار الوطني، لا ينضوي على ما ينبئ بالخير.

لا حاجة للغوص بالنوايا والمآرب. وليس هنا مقام تفصيل السجل بالأرقام والتواريخ. بل أن الجلي، والذي يعلو على المعطيات التفصيلية هو أن الطبقة السياسية في لبنان لم "تظلم" موضوع الحدود البحرية، وذلك من باب "من ساواك بنفسه ما ظلمك".

أي أن هذه الطبقة، والتي ثابرت في كافة المواضيع وعلى مدى ما يقارب العقدين المنصرمين على إساءة التقدير والوقوع بالأخطاء الفادحة والاستهتار بالمصلحة الوطنية والانشغال بالشؤون الهامشية، قد "أنصفت" موضوع الحدود البحرية إذ أتحفته بأدائها الرديء المعتاد المشهود.

الرداءة تتجسد في كافة المراحل والخطوات. المطالعة الأولى التي اعتمدها لبنان حول حقوقه في مياهه كانت خاطئة في اختيارها للخط الفاصل مع إسرائيل، لصالح إسرائيل، وفي اختيارها للخط الفاصل مع سوريا، لصالح سوريا.

قد لا يكون من المستغرب أنه لم ينبس أحد من سياسيي لبنان، بمن فيهم وجوه "المقاومة"، أي اعتراض على هذا الموضوع، ولسنوات طوال. الريبة في صفوف المتابعين من خارج الطبقة السياسية دفعت إلى طرح احتمال أن يكون هؤلاء السياسيين كلهم قد ارتشوا.

على أن التفسير الأقرب للمعقولية، دون تنزيههم عن أي فساد، أنهم لم يفقهوا الموضوع. ليس واضحاً أي الاحتمالين أكثر سوءاً للوطن، فسادهم أم جهلهم، غير أن المدهش هو أن عدم تقديم هذه القضية، الحدود البحرية وما تشمله من ثروات للمستقبل، مستمر إلى اليوم، ولا ترفع القضية إلا من باب الاستجابة للوسيط الأميركي، في سعيه إلى فضّ المسألة العالقة.

ثم أن سعي الحكومة اللبنانية للتوصل إلى اتفاقية مع قبرص عام 2006 سرعان ما توقّف، نتيجة المناورات غير المرتبطة بالأمر لوزراء "المقاومة" في فرض معادلات جديدة، من خلال استقالات عطّلت عمل الوزارات دون اعتبار للمصالح الحيوية، ومن هذه عَرَضياً، السعي إلى ترسيم الحدود البحرية مع قبرص.

واقع الأمر، هو أن المفاوضات مع قبرص كان يتوجب أن تشمل إسرائيل، كون المنطقة التي تحتاج إلى الترسيم تتجاور فيها الدول الثلاث، أي لبنان وإسرائيل وقبرص. غير أن الانشغال النظري، المنفصل عن الواقع، بالإصرار على "عدم الاعتراف" بإسرائيل والتصدي لأي مدخل للتطبيع معها، هو ما أسقط فكرة الحوار الثلاثي الهادف للتوصل إلى اتفاقية.

وبعد هذا الاستهتار، يأتي من سياسيي لبنان من يستهجن أن قبرص وإسرائيل قد توصلتا إلى اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما عام 2011، وأن الموقف الإسرائيلي في هذا الترسيم يستقطع مساحة كبيرة ممّا يعتبره لبنان جزءاًً من مجاله الاقتصادي.

من حقّ لبنان أن يطرح وجهة النظر التي تمنحه الحد الأقصى من المجال البحري كأساس لموقفه. ومن حقّ إسرائيل بدورها أن تعمد إلى المقابل. من واجب لبنان، إن شاء، تثبيت وجهة نظره إما الدخول بحوار مع الطرف الجار المعني، أي إسرائيل، أو رفع القضية إلى المراجع الدولية. لبنان لم يفعل لا هذا ولا ذاك، ولكنه يطيب لطبقته السياسية الحديث عن استيلاء "العدو الإسرائيلي" على حقوقه البحرية.

بل الظاهر أن اكتشاف إسرائيل لحقول الغاز الكبيرة في مجالها البحري القريب من لبنان هو ما ذكّر السياسيين اللبنانيين بأن بعض الانتباه إلى الحدود المائية مطلوب. ويكاد التشكي من إسرائيل في هذه الأوساط أن يكون أنها، خلافاً للبنان المدمن على الهدر والتسويف، قد باشرت الإنتاج.

موقف الوساطة الأميركي نابع من حاجة واشنطن إلى رفع ذرائع التوتير في عموم المنطقة، أي منع "المقاومة" من تطبيق غشاء مزارع شبعا جديدة على الحدود البحرية كمادة للتصعيد. وهو نابع أيضاً من رغبة إسرائيلية باستكمال التنقيب والاستثمار في الحقول البحرية.

والمقاربة الأميركية في مرحلتها الأولى قد حققت قدراً من التقدم في فرز المجال البحري المختلف عليه إلى قسمين، الأكبر منه للبنان والباقي لإسرائيل. وتأتي المرحلة الثانية للجهد الأميركي لتقترح تعريجاً للحدود البحرية بما يتوافق مع توزيع الحقول تحت قعر البحر، بشكل يمنع اشتراك لبنان وإسرائيل بأي منها، وهو مطلب لبناني في رفض التطبيع، ومطلب إسرائيلي لتجنب الرداءة الاقتصادية اللبنانية.

في حال اعتماد لبنان لهذا الحل، يكون فعلياً قد تنازل عن حقوق معلومة وأخرى مجهولة، مقابل تطبيق صيغة ترضي الأهواء السياسية فيه وتسرّع نظرياً بجني العائدات، سيما وأن ضائقته المالية كارثية بامتياز.

هذه هي النظرية. أما على أرض الواقع، فإن الطبقة السياسية اللبنانية، والتي تنعت عن جدارة بكافة العيوب والنواقص المذكورة أعلاه، قد أثبتت بالفعل عن قدرة وكفاءة منقطعتي النظير في مجال واحد: إيجاد السبل إلى الاستيلاء على المال العام بالجملة والتفصيل واستنزاف كل مشروع وكل دخل لأغراضها الخاصة والفئوية.

وما جرى على مدى العامين الماضيين من وقاحة في وضع اليد على أموال المودعين والاستيلاء على المساعدات القادمة من الخارج، مهما كبرت ومهما صغرت (مثل العار بأن تكون أكياس الشاي السيلاني الموجهة إلى ضحايا تفجير المرفأ قد وزّعها رئيس الجمهورية على حاشيته)، والهندسات المالية المستمرة، ومتابعة دعم السلع لسلب الأموال المرصودة للدعم، والتلاعب بأسعار صرف العملة الوطنية.

كل هذا ينبئ، بما يجاور اليقين، بأن نتيجة الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل إما أن تكون عجزاً وعبثاً وفوضى وانعدام إنتاج، أو أن تكون مصدر إثراء واستنزاف تستفيد منه الطبقة السياسية، مع توزيع الأدوار، دون أن تتحقق للمجتمع والمواطن في لبنان أي فائدة.

بعض السياسيين يطمح أن يجني من الموافقة على الاتفاقية بحد ذاتها ثمناً. كأن ترفع الولايات المتحدة عنه أو عن أتباعه العقوبات، أو أن تقبل به في موقع الرئاسة، وغير ذلك من النتائج التي لا تعني المصلحة الوطنية.

وعليه، فالأنسب للبنان، المواطن والمجتمع المدني، هو عدم القبول بالتسويات، بل بالسعي إلى تحقيق الحقوق وفق الاتفاقيات الدولية وفي المحافل العالمية. بل الإصرار على الحد الأقصى والسعي إلى المقاضاة في المحكمة الدولية.

وإذا كان قرار هذه المحكمة يقتضي تشارك لبنان وإسرائيل بحقول حدودية، فليكن، عندها يمكن التفاوض إما على الفرز، من موقع القوة والمعرفة، أو على التشارك في الإنتاج والاستثمار، من موقع الإقرار بواقع أن الجار هو إسرائيل في منطقة تحتاج إلى التطبيع في العقول وفي الممارسة السياسية بقدر ما تحتاج إلى التطبيع بين الدول.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.