In this Wednesday, June 28, 2017 photo, a trainee chefs revises French vocabulary during a class at Agape association, an…
متدرب يراجع تمارين اللغة في مدرسة فرنسية بالمغرب

في مارس من سنة 2021، انتشر على مواقع التواصل في المغرب اختبار قدمته إحدى مدارس البعثة الفرنسية في مدينة الدار البيضاء، وكان الاختبار يقدم محتوى عنصريا رهيبا يُشَبّه فيه امرأة سوداءَ البشرة بالقِرَدَة. بعد انتفاض آباء وأمهات الأطفال وانتشار الخبر على مواقع التواصل وعدد من وسائل الإعلام، أرسلت المؤسسة التعليمية رسالة اعتذار لآباء وأمهات التلاميذ. الرسالة التي وقعها المدير حينها لم تعتبر الأمر عنصرية، بل اعتبرت أن التمرين كان "خلطا في المفاهيم" (amalgam).

أتذكر هذا الحادث كلما وجدتني في حضرة عدد من الأشخاص في المغرب ممن يؤمنون بأن اللغات الغربية وحدها تستطيع أن تترجم قيم الحداثة والحرية؛ وبأن كل خطاب بالعربية هو بالضرورة خطاب تقليدي محافظ موجه لشعوب محافظة متدينة ضد النساء والحقوق والأقليات والحريات.

في الحقيقة، هم لا يختلفون كثيرا عن الإسلاميين والمحافظين الذي يقدسون اللغة العربية لأنهم يعتبرونها لغة القرآن. هؤلاء يعتبرونها مقدسة رائعة جميلة لأنها لغة القرآن، وأولئك يعتبرونها متخلفة تقليدية ميزوجينية لأنها لغة الإسلام والمسلمين. بينما الحقيقة أن اللغة العربية، مثلها مثل أي لغة، لا تترجم في حد ذاتها قيما محافظة أو حداثية. عنصرية أو منفتحة على الاختلاف.

الحداثة والعقلانية والمنطق والحرية هي قيم، هي منظومة، هي أسلوب كتابة وخطاب وعيش وتفكير وممارسات. لذلك، فإن كنت تؤمن بهذه المنظومة وتطبقها في حياتك اليومية، فأنت ستفعل بالعربية أو الإنجليزية أو الأمازيغية أو الصينية، وإن كنت شخصا ميزوجينيا أو عنصريا أو محافظا أو متطرفا، فقد تفعل أيضا بالإنجليزية والفرنسية والاسبانية وغيرها من اللغات العالمية.

الذي يحدث أن منظومة التعليم قد تنقل قيما سلبية، لكن هذا غير مرتبط باللغة في حد ذاتها بل بالقيم التي ننقلها عبر تلك اللغة. وقد تابعنا في بداية هذا المقال واقعة حقيقية تم فيها طرح أفكار عنصرية باللغة الفرنسية. كما قد نجد في بعض كتابات مشاهير المفكرين في الغرب خطابات شديدة الميزوجينية (فرويد، فولتير، إلخ)؛ لأنها ربما عكست تصوراتهم الخاصة أو قيم زمنهم. كما قد نجد نصوصا في قمة الحداثة كتبها مفكرون عرب أو فارسيون منذ مئات السنين (أبو نواس، أبو الهندي، عمر الخيام، ولادة بنت المستكفي، حفصة الركونية، إلخ).

أحب اللغة العربية وأعشق الكتابة بها ليس لأنها أروع وأجمل اللغات. هي لغة كغيرها. لكني ارتبطت بها عاطفيا. تعلمت أن أقرأ وأكتب بها قبل أن أتعلم بغيرها. لدي مع اللغة العربية ارتباط عاطفي. لكني لا أعتبرها لغة مقدسة. هناك تفاصيل قد أعبر عنها بشكل أفضل بالفرنسية وأخرى بالعربية. أعترف ببعض صعوباتها وتعقيداتها كما أجد حاليا بعض الصعوبات والتعقيدات في اللغة الإنجليزية التي أحاول إتقانها، وكما أجد تعقيدات غير ذات معنى في اللغة الفرنسية التي أتقنها وأحبها أيضا. ليست هناك لغة أرقى وأكثر حداثة من غيرها. ولا هناك لغة حداثية أو عنصرية في المطلق. في كل لغات العالم، هناك عبارات ونصوص وكتب ومقالات عنصرية أو ميزوجينية أو رافضة لبعض الأقليات.

لذلك، يزعجني كثيرا أن أجد حولي، في المغرب، بعض حملة الخطاب الحداثي ممن يربطون الحداثة باللغة الفرنسية، والمحافظة والتقليدانية باللغة العربية. كيف يمكنك أن تنشر قيم الحداثة في مجتمع لا تفهم لغته، بل وتحتقرها في أعماقك؟ ثم، منذ متى كان إتقان لغة أجنبية دليلا على حداثة القيم والسلوكيات والممارسات؟ بل أن الحداثة تبدأ من هنا: أن تفهم وتستوعب أن اللغة وسيلة تواصل قد تختلف من شخص لآخر، وأن علينا أن نتقبل حق الآخر في الاختلاف لغويا أيضا، وأن الحداثة سلوك وقيم ومنظومة تفكير وعيش، قبل أن تكون إتقانا للغة دون غيرها.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.