أنباء عن اختراق الهواتف المحمولة لشخصيات رفيعة في الأردن
أنباء عن اختراق 200 هاتف لشخصيات رفيعة في الأردن

تلوذ الحكومة الأردنية حتى الآن بالصمت بعد شيوع أخبار عن تعرض مؤسسات سيادية، وشخصيات سياسية، وإعلامية، وحقوقية، للتجسس، والمراقبة عبر برنامج بيغاسوس الإسرائيلي.

أخر المعلومات التي نشرها موقع عمون الإخباري بالاستناد إلى تقرير لوكالة رويترز للأنباء، أن 200 هاتف أردني تعرضت للاختراق والتجسس من بينها الديوان الملكي، واللجنة الأولمبية، بالإضافة إلى العين والسياسي، الرئيس التنفيذي لمعهد الإعلام الأردني، د. مصطفى حمارنة، والحقوقية والمحامية هالة عاهد، والناشطة الإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي، ديما علم فراج.

أكثر الأسماء الأردنية التي خضعت للتجسس لم تُكشف، والواضح أن جميع الهواتف مُستباحة، وبالتأكيد فإن كل الحديث عن الخصوصية في مهب الريح.

وكالة رويترز التي كشفت هذه المعلومات لا تعلم مصادرها إن كانت هناك جهة محلية وداخلية في الأردن قد تعاونت مع شركة أن أس أو (NSO) في عمليات الاختراق.

القصة بدأت مع تحقيق نشر تحت عنوان "لا مكان آمن: مدافعات عن حقوق الإنسان يتحدثن عن هجمات بيغاسوس"، وهو تحقيق عملت عليه منظمتا أكسس ناو، وفرونت لاين ديفندرز يكشف النقاب عن تعرض مدافعات لحقوق الإنسان في الأردن والبحرين لاختراق موبايلاتهن باستخدام برنامج التجسس بيغاسوس التابع للشركة الإسرائيلية "أن أس أو".

فرونت لاين ديفندرز مع أكسس ناو عملت في شهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي عبر برنامج الأمن الرقمي بإخضاع أجهزة الاتصال لبعض المدافعات الحقوقيات وبالتعاون مع منظمة سيتزن لاب، ومختبر الأمن الرقمي التابع لمنظمة العفو الدولية "أمنستي" للتأكد من سلامتها، وهو ما أدى إلى كشف العديد من الاختراقات، ولهذا تخلُص المؤسستان الحقوقيتان للقول في تحقيقهما المنشور "للمراقبة تأثير مروع ومؤلم على النساء نظرا لإقدام الحكومات على استغلال المعلومات الشخصية كسلاح للمضايقة وتشويه السمعة". 

الحقوقية هالة عاهد التي تعرض هاتفها للمراقبة، وفي شهادة قدمتها في تحقيق فرونت لاين ديفندرز وأكسس ناو، تعترف "لأول مرة أن مشيت بالشارع أشعر بالخوف إن اقترب مني أحد، أو صادف أنه يسير خلفي، بت أقل تواصلا مع الناس، وأقل حركة، وأتساءل هل هناك رقابة في منزلي، وفي مكتبي، وفي سيارتي؟، أشعر أن لا مساحة خاصة بي".

وتتابع في شهادتها "قلقي اليوم هو كيفية استخدام هذا الاختراق، هل سيكون وسيلة لتهديد أخرين من خلال ما تم تحصيله من هاتفي؟، هل سيُمارس الابتزاز ضدي؟، أو مشاركة معلومات مع جهات أخرى؟".

د. حمارنة وفي تصريحات لمنظمة "ميديا لاين" يطالب الحكومة الأردنية بتشكيل لجنة تحقيق في عمليات اختراق الهواتف، ويعتبر هذه القصة مُثيرة للقلق، وهناك حاجة لإجابات، ويُشير إلى أن الحكومة يمكنها أن تطلب من شركة "أبل" قائمة بالأسماء، ويُكمل "قيل لي أن الحكومة لم تشترِ هذا البرنامج"، ويتوقع أن هذا جهد خارجي، وهو الرأي الذي تشاركه فيه ديما فراج، وتقول "اتصلت بي وكالة رويترز، وأبلغوني أن اسمي مُدرج ضمن قوائم المراقبة، وهذا كان صادما لي، ما كان غريبا أنني لم أكن أعتقد أن أحدا سيضيع الوقت، والمال، والجهد لاختراق هاتفي".

الأرجح أن السلطات الأردنية لن تُعلن موقفا مالم تتلقَ شكاية رسمية، على الرغم من أن مجموعة من النواب دعوا الحكومة للإفصاح عمّا جرى، ووجه النائب محمد أبو صعيليك سؤالا للحكومة يستفسر إن كانت أي جهة حكومية (مدنية أو أمنية)، أو خاصة اشترت برامج للتنصت على المكالمات الهاتفية؟، وهل يوجد أي جهة تمتلك الصلاحية والتفويض بالتنصت على المكالمات الهاتفية في الأردن دون إذن قضائي؟، وما هي صحة الأنباء التي تتحدث عن مفاوضات جهات رسمية حكومية مع شركات دولية لشراء برنامج "بيغاسوس" التابع لمجموعة (NSO) الإسرائيلية لغايات التجسس على الهواتف المحمولة واختراقها؟

وذهب أبو صعيليك للتساؤل إن كانت الجهات الأمنية قد أجرت فحصا لهواتف رئيس الحكومة، والوزراء، والمسؤولين الأمنيين، والعسكريين، لاكتشاف إن كانت هناك أي محاولات لاختراق هواتفهم والتجسس عليها، وانتهى إلى مساءلة الحكومة عن الإجراءات التي ستتخذها إن ثبت التجسس على شخصيات أردنية؟

برنامج بيغاسوس أصبح خطرا عالميا يهدد كل الدول، والواضح أن الأردن ليس استثناء من "الفضائح" التي تنتشر كل يوم في دول العالم، والمؤكد أن الحكومة الإسرائيلية متورطة في بيع هذا البرنامج الذي يُستخدم لتقويض الديمقراطية، وانتهاك الخصوصية، والحق في حرية التعبير، وحقوق الإنسان عامة، فالمعروف أن الشركات الإسرائيلية لا تبيع هذه البرامج دون موافقة وزارة الدفاع.

المعلومات الخطيرة التي يجري تداولها على نطاق واسع أن برنامج بيغاسوس استُخدم للتجسس والمراقبة لـ 50 ألف هاتف في العالم، وهي أكبر عملية اختراق في التاريخ، وحدودها غير معروفة، ولم يسلم من الانتهاكات رؤساء دول، وإعلاميون، ومعارضون سياسيون، ونشطاء وناشطات حقوقيات، وكل الدلائل تُشير إلى أن المجموعة الإسرائيلية تعلم أن برنامجها يُستخدم للنيل من الحقوقيين، والضغط عليهم، وابتزازهم.

المؤسسات التي تهتم بالأمن الرقمي لا تُفشِ سرا حين تؤكد أنه بمجرد زرع البرنامج في الموبايل، فإن كل المعلومات والصور والبيانات تصبح في حوزة الجهة التي تُراقب، ويتم التحكم بها بشكل كامل، ويجري فك كل المعلومات المُشفرة والتي تُستخدم في تطبيقات الاتصال.

شركة "أبل" و"واتساب" أقامتا دعاوى ضد الشركة الإسرائيلية، وطالبتها بالتعويض عن الضرر لانتهاك شروط الاستخدام والخدمات، وقررت الإدارة الأميركية في عهد بايدن وضع شركة NSO على القائمة السوداء، في حين طالب ثلاثة خبراء في الأمم المتحدة من بينهم المقررة الخاصة لحرية الرأي والتعبير بحظر مؤقت لهذه البرامج.

شركات المراقبة والتجسس الإسرائيلية تُبرر ما تفعله بالقول إنها تقوم ببيع هذه التكنولوجيا لمساعدة الحكومات في إحباط أخطار مُحدقة بالأمن الوطني، ونفى شاليف هوليو، الرئيس التنفيذي لشركة أن أس أو، لصحيفة تايمز أوف الإسرائيلية أن غرض برنامج بيغاسوس خنق الحريات، وانتهاك حقوق الإنسان، مُدعيا أن شركته قامت بقطع الخدمة 7 مرات عن حكومات أساءت استخدامه.

تكشف "هيومن رايتس ووتش" الجانب الخفي، والمظلم لأجهزة التجسس التي تعتبرها أدوات مراقبة يصعب كشفها أو منعها حين توضع على أجهزة الهاتف المحمول، مما يُشكل خطرا مُحدقا بمن يتم ملاحقتهم واختراقهم، والكثير من التفاصيل تابعتها جريدتي نيويورك تايمز، وواشنطن بوست في تحقيقاتهما عن تفاصيل استخدام برنامج بيغاسوس عام 2020، ومن أكثر المعلومات إثارة تعاون إدارة الرئيس الأميركي السابق ترامب مع شركة NSO، وسعية لوضع هذا البرنامج مع تعديلات ما سُميّ "فانتوم" في مبنى المباحث الفيدرالية للتجسس على أرقام أميركية، وهو ما اعتبر تقويضا للديمقراطية الأميركية، وانتهاكا لقوانينها.

تجاهل الحكومة الأردنية لاختراق الهواتف من شركة إسرائيلية لا يُنهي المشكلة، ولن يطوي أو يوقف تداعياتها، فالأسئلة التي تُطرح خطيرة، وأهمها: ما هي الضمانات لحماية الأمن في البلاد، ومنع تسرب المعلومات التي تتعلق بالأمن الوطني للإسرائيليين؟

لا تتوفر حتى الآن حقائق، والقضية بدأت بالكشف عن التجسس ومراقبة ناشطة حقوقية، ولكن الدائرة اتسعت كثيرا، وما الذي يمنع كما يقول د. مصطفى حمارنة أن يكون هاتف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مراقبا ومخترقا، ما دامت هواتف الديوان الملكي تعرضت للاختراق؟

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.