جامع
"إن كان الموت مدعاة للشماتة، فما رأي هؤلاء في موت الرسول نفسه؟"- الصورة تعبيرية

قد لا يدرك البعض أو كثيرون أن عنوان المقالة  هو جزء من آية قرآنية في سورة الأحقاف ونص الآية هو "قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ". 

وما دعاني اليوم لكتابة المقالة بهذا العنوان هو ما يحدث في الآونة الأخيرة من تهجم وإهانات وشماتة  من يدعون بالإسلاميين ومن يدعمونهم في من يختلفون فكرياً معهم. 

وأود في بداية المقالة أن أفرق بين "الإسلاميين" الذين يريدون أن يحكموا الناس بإسم الدين ويفرضوا فكرهم الديني عليهم، وبين "المسلمين" الذين يريدون أن يتعبدوا إلى خالقهم دون أن يفرضوا فكرهم على الآخرين.  

ونعود إلى موضوعنا اليوم لأقول أن الشماتة في إنسان قد مات هي صفة الضباع التي افتقدت كل معاني الإنسانية، وانزلقت إلى درجة من الانحطاط تعجز الكلمات عن وصفها.  

وإن كان الموت مدعاة للشماتة، فما رأي هؤلاء في موت الرسول نفسه؟ فكما قال القرآن له "إنك ميت وإنهم ميتون". فهل موت الرسول مدعاة للشماتة به؟ 

وللأسف فإن حملات الشماتة في الموت على أيدي الإسلاميين طالت كثيرين مثل الإعلامي الرائع والراحل وائل الإبراشي والكاتب والمفكر سيد  القمني والكاتبة نوال السعداوي، وغيرهم ممن لا يرضى عنهم الإسلاميون. 

وللأسف الشديد فقد وصلت الغلظة والقسوة عند الإسلاميين أنهم يهاجمون أبناء أو بنات المتوفى بعد الوفاة مباشرة، وهم لا يزالون يعتصرون في آلامهم كما حدث مع بنت المفكر الراحل سيد القمني. ولا أدري كيف أصف هذه الخسة والنذالة والحقارة، ولكن هذا ما تعودنا عليه من "الإسلاميين" الذين يتسابقون كل يوم في البشاعة والانحطاط والتجرد من كل معاني الإنسانية. 

لقد قال القرآن بوضوح أن النبي نفسه لا يعرف ماذا سيفعل به أو بالآخرين، فهل يعرف هؤلاء الضباع ماذا سيحدث لهم أو لغيرهم من البشر؟ إذا كان الرسول نفسه بنص القرآن لايعرف " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ " فهل هم يعرفون؟ 

لقد جاءوا بفيديوهات مفبركة تظهر ثعابين حول قبر سيد القمني رحمه الله. وقد فعلوا نفس الشيء بقبر أم كلثوم رائدة الغناء العربي. وما أسهل أن يقوم البعض أيضاً بفبركة فيديوا لثعابيين حول قبر الرسول عليه السلام ويحكوا بصوتهم كيف أن الثعابين تهاجمه في قبره - ليردوا عليهم الصاع صاعين حتى لا يكرروا  الكذب والاختلاق. فالأمر لا يحتاج أكثر من برامج خاصة مثل فوتوشوب وغيرها. 

والغريب في الأمر أن الشماتين في الموت يتصرفون من منظور ديني ويتهمون الآخرين بالكفر وكأنهم وضعوا أنفسهم مكان الخالق سبحانه وتعالى وهو وحده صاحب الحق في حساب البشر "إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ" (سورة الغاشية آية 25 و26 ). فمن الذي أعطاهم الحق في أن يحاسبوا هم غيرهم ويحكموا عليهم بدخول الجنة أو النار. 

ولو كان أمر حساب البشر بهذه السهولة، لما قال الله لنبيه " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ " كما جاء عنوان المقالة. 

وعامة فإن تصرفات وشماتة "الإسلاميين" في الموت لا تخدم قضيتهم بل على العكس من ذلك تماماً فهي - أي قسوتهم وغلظتهم - من أسباب إلحاد كثيرين بعد أن رأو درجة من  القسوة والوحشية غير مسبوقة  تأتي - وللأسف - ممن يتكلمون باسم الدين. 

ولكم كنت أتمنى أن يتم تجريم هذا الأمر والزج بمثل هؤلاء في السجون لسنين عديدة حتى يكفوا عن إهانة غيرهم من البشر والافتراء عليهم.  

وأتقدم بيد مملوءة بالخير والمحبة لكل ضحايا شماتة الإسلاميين وأقول لهم أنه ليس لأحد أن يحكم على بشر آخر. 

وأخيراً أذكر ما كان يقوله المصريون قبل ما يطلق عليه بالـ"الصحوة الإسلامية" أو بمعنى آخر أيام ما كانت ضمائر الناس لم تزل حيّة - وكان هو أن "الميت لا يجوز عليه إلا الرحمة". فأين نحن الآن من أخلاق وقيم ورقي ما قبل "الصحوة الإسلامية"؟. 

وللحديث بقية!  

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.