لم تفلح زيارة وفد أميركي إلى الرياض هذا الأسبوع بإقناع السعودية بضخ أقصى طاقتها في السوق النفطي ولاحتواء انعكاسات أي هجوم روسي على أوكرانيا، بما سيزيد من حالة الفتور الاستراتيجي بين الجانبين.
الزيارة التي قام بها منسق البيت الأبيض للشرق الأوسط، بريت ماكغورك، ومستشار الخارجية لشؤون الطاقة، آموس هوشستين، كانت "لمناقشة نهج تعاوني للتعامل مع ضغوط السوق المحتملة الناجمة عن الغزو الروسي المحتمل لأوكرانيا"، بحسب البيت الأبيض. إلا أن المعطيات الاقتصادية والمتغيرات في العلاقة السعودية-الأميركية أعادت الوفد إلى واشنطن من دون اختراق ملموس.
اجتماعات الرياض جاءت بعد أسبوع من اتصال الرئيس الأميركي، جو بايدن، بالملك سلمان بن عبد العزيز والتي، بحسب البيت الأبيض، كان فيها التزام ثنائي باستقرار السوق النفطي. إلا أن هذه العبارات والالتزامات اليوم تصطدم بواقع وصول أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من 7 سنوات واحتمال تخطيها عتبة الـ100 دولار للبرميل خلال الأشهر القليلة المقبلة وبشكل يؤذي شعبية بايدن والديمقراطيين في الداخل الأميركي.
مع ذلك، فإن السعودية غير متلهفة وغير مستعجلة على التعاون مع واشنطن لخفض سعر النفط لأسباب سياسية وتجارية وأمنية.
تجاريا، الرياض تربح فقط من ارتفاع سعر النفط ومن أزمة روسيا وأوكرانيا، وكونها المصدر العالمي الأول له، وكون التشنج والمخاوف العالمية من قطع فلاديمير بوتين أنابيب النفط إلى أوروبا يفيد السعودية، ويجعلها شريك الضرورة للغرب والشرق. إذ بحسب موقع بلومبرغ الإخباري ستصل إيرادات السعودية من النفط 375 مليار دولار هذا العام، أي أكثر من ضعف الـ 145 مليار دولار في عام 2020.
ثانيا، المملكة تختلف مقاربتها السياسية والأمنية اليوم مع واشنطن. فتحول أميركا بعيداً عن الاعتماد على النفط وانعطافها عن الشرق الأوسط وأزماته باتجاه آسيا غير شكل المعادلة بالنسبة للرياض. فأميركا منذ فرانكلين روزفلت وحتى جورج بوش الابن مضت بمعادلة النفط مقابل الأمن في التعاطي مع الخليج، وجاءت قطيعة النفط بعد حرب 1973 ثم حروب الخليج وتحرير الكويت لتكرس هذه المقايضة.
هذا المشهد تغير في السنوات الأخيرة، ورأينا أن انتهاكات إيران وميليشياتها لأمن الخليج والاعتداء على مصاف نفطية في السعودية أيام دونالد ترامب، لم يأت برد أميركي حازم. أما الرئيس جو بايدن، فجاء رفعه للحوثيين عن لائحة الارهاب وانسحابه من أفغانستان، ليعطي صورة مختلفة للرياض عن أولويات أميركا.
ورغم الضغوط اليوم لإعادة إدراج الحوثيين، فإن البيت الأبيض متردد أمام ضغوط القاعدة اليسارية للديمقراطيين ومنظمات غير حكومية تتخوف من انعكاسات إنسانية للقرار على الأزمة في اليمن.
هذا كله يجعل السعودية مترددة بتغيير سياستها النفطية، وخصوصا أن لها علاقات استراتيجية جديدة مع بوتين وانفتحت على الصين والهند.
في الوقت نفسه، قد تؤدي هذه المعضلة والتباعد السعودي-الأميركي النفطي إلى تعجيل الاتفاق النووي المحتمل بين القوى الكبرى مع إيران، وإدخال النفط الإيراني للسوق العالمي لتخفيض سعر البرميل قبل انتخابات أميركا النصفية في نوفمبر المقبل. فحتى الأنباء عن اتفاق وشيك بين الغرب وإيران أدى إلى تراجع أسعار النفط الخام في التعاملات المبكرة يوم الخميس.
اليوم، من المرجح أن يقوم بوتين بعمل عسكري محدود في شرق أوكرانيا، كما من المرجح أن تصل واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي، وهاتان النقطتان ستدفعان السعودية وأميركا نحو تباعد أكبر تفرضه رؤى وتوجهات سياسية واقتصادية مختلفة للبلدين أبعد من سعر البرميل.

