FILE - The price-per-gallon sign is illuminated at a gasoline station, Feb. 11, 2022, in Denver, Colorado, USA. Saudi Arabia is…
تواصل ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة تزامنا مع عدم ضخ المملكة السعودية لمزيد من النفط. الصورة من مدينة دنفر، ولاية كولورادو

لم تفلح زيارة وفد أميركي إلى الرياض هذا الأسبوع بإقناع السعودية بضخ أقصى طاقتها في السوق النفطي ولاحتواء انعكاسات أي هجوم روسي على أوكرانيا، بما سيزيد من حالة الفتور الاستراتيجي بين الجانبين.

الزيارة التي قام بها منسق البيت الأبيض للشرق الأوسط، بريت ماكغورك، ومستشار الخارجية لشؤون الطاقة، آموس هوشستين، كانت "لمناقشة نهج تعاوني للتعامل مع ضغوط السوق المحتملة الناجمة عن الغزو الروسي المحتمل لأوكرانيا"، بحسب البيت الأبيض. إلا أن المعطيات الاقتصادية والمتغيرات في العلاقة السعودية-الأميركية أعادت الوفد إلى واشنطن من دون اختراق ملموس.

اجتماعات الرياض جاءت بعد أسبوع من اتصال الرئيس الأميركي، جو بايدن، بالملك سلمان بن عبد العزيز والتي، بحسب البيت الأبيض، كان فيها التزام ثنائي باستقرار السوق النفطي. إلا أن هذه العبارات والالتزامات اليوم تصطدم بواقع وصول أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من 7 سنوات واحتمال تخطيها عتبة الـ100 دولار للبرميل خلال الأشهر القليلة المقبلة وبشكل يؤذي شعبية بايدن والديمقراطيين في الداخل الأميركي.

مع ذلك، فإن السعودية غير متلهفة وغير مستعجلة على التعاون مع واشنطن لخفض سعر النفط لأسباب سياسية وتجارية وأمنية. 

تجاريا، الرياض تربح فقط من ارتفاع سعر النفط ومن أزمة روسيا وأوكرانيا، وكونها المصدر العالمي الأول له، وكون التشنج والمخاوف العالمية من قطع فلاديمير بوتين أنابيب النفط إلى أوروبا يفيد السعودية، ويجعلها شريك الضرورة للغرب والشرق. إذ بحسب موقع بلومبرغ الإخباري ستصل إيرادات السعودية من النفط 375 مليار دولار هذا العام، أي أكثر من ضعف الـ 145 مليار دولار في عام 2020. 

ثانيا، المملكة تختلف مقاربتها السياسية والأمنية اليوم مع واشنطن. فتحول أميركا بعيداً عن الاعتماد على النفط وانعطافها عن الشرق الأوسط وأزماته باتجاه آسيا غير شكل المعادلة بالنسبة للرياض. فأميركا منذ فرانكلين روزفلت وحتى جورج بوش الابن مضت بمعادلة النفط مقابل الأمن في التعاطي مع الخليج، وجاءت قطيعة النفط بعد حرب 1973 ثم حروب الخليج وتحرير الكويت لتكرس هذه المقايضة. 

هذا المشهد تغير في السنوات الأخيرة، ورأينا أن انتهاكات إيران وميليشياتها لأمن الخليج والاعتداء على مصاف نفطية في السعودية أيام دونالد ترامب، لم يأت برد أميركي حازم. أما الرئيس جو بايدن، فجاء رفعه للحوثيين عن لائحة الارهاب وانسحابه من أفغانستان، ليعطي صورة مختلفة للرياض عن أولويات أميركا.

ورغم الضغوط اليوم لإعادة إدراج الحوثيين، فإن البيت الأبيض متردد أمام ضغوط القاعدة اليسارية للديمقراطيين ومنظمات غير حكومية تتخوف من انعكاسات إنسانية للقرار على الأزمة في اليمن. 

هذا كله يجعل السعودية مترددة بتغيير سياستها النفطية، وخصوصا أن لها علاقات استراتيجية جديدة مع بوتين وانفتحت على الصين والهند.

في الوقت نفسه، قد تؤدي هذه المعضلة والتباعد السعودي-الأميركي النفطي إلى تعجيل الاتفاق النووي المحتمل بين القوى الكبرى مع إيران، وإدخال النفط الإيراني للسوق العالمي لتخفيض سعر البرميل قبل انتخابات أميركا النصفية في نوفمبر المقبل.  فحتى الأنباء عن اتفاق وشيك بين الغرب وإيران أدى إلى تراجع أسعار النفط الخام في التعاملات المبكرة يوم الخميس. 

اليوم، من المرجح أن يقوم بوتين بعمل عسكري محدود في شرق أوكرانيا، كما من المرجح أن تصل واشنطن وطهران إلى اتفاق نووي، وهاتان النقطتان ستدفعان السعودية وأميركا نحو تباعد أكبر تفرضه رؤى وتوجهات سياسية واقتصادية مختلفة للبلدين أبعد من سعر البرميل. 

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.