البعض لديه إيمان راسخ بأن أميركا ودول الغرب يتآمرون على الدول العربية
البعض لديه إيمان راسخ بأن أميركا ودول الغرب يتآمرون على الدول العربية

قد يكون من الصعب إقناع بعض العرب والمسلمين التخلي عن الاعتقاد الراسخ لديهم بأن العالم ولا سيما الغرب يتآمر عليهم وعلى دولهم. ومع ذلك فإن الأمر يستحق عناء المحاولة.

سبب ذلك الاعتقاد على أية حال ليس وجود أدلة وبينات على هذا التآمر المزعوم، بل على العكس فإن انتشاره ورسوخه يعود تحديدا إلى غياب مثل هذه الأدلة – لذلك تصعب، من بين أمور أخرى، مناقشته ومجادلته. 

لكن وككل اعتقاد فإنه ينبع من رغبة ذاتية واستعداد نفسي للتصديق به بصرف النظر عن الحيثيات والوقائع، لأنه يخدم غرضا أهم بالنسبة للمؤمن به، وفي حالتنا هذه هو الحاجة لتبرير الوضع الراهن المتردي الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية. ولأن ثقافتنا وتراثنا الديني والاجتماعي تسهّل التنصل من المسؤولية الذاتية وتشجع على تحميل الآخرين مسؤولية كل ما يحدث لنا، لذلك فإن لسان حالها يقول إن هذا التردي لا بد أن سببه تكالب الأمم علينا وعملها ليل نهار من أجل أن نظل في موقع المتخلف والضعيف والخاضع للسيطرة!

هذه العقلية أو هذا النمط من التفكير يغفل الزمان والمكان ويغفل الأحداث والأرقام والشواهد، ولا يكترث قليلا أو كثيرا للبداهة أو المنطق السليم للأشياء.  

فإضافة إلى أنه لا يوجد أي سبب منطقي يجعل الغرب يتآمر على العرب والمسلمين (فهم لا يشكلون اليوم خطرا سوى على أنفسهم)، فإن الواقع على الأرض أيضا يسير على طول الخط عكس نظريات التآمر الغربي المزعوم.

فما هي مصلحة الغرب هنا؟
هل مصلحته في بقاء الدول العربية والإسلامية في حالة التأخر والتخلف والحروب والانقسامات المجتمعية؟
هذه الحالة تضر الدول الغربية وتسبب لها العديد من المشكلات الجدية. أول هذه المشكلات هي تصدير هذا الكم الهائل من البشر على هيئة لاجئين ومهاجرين. وكان لافتا كيف أن هذه القضية بمفردها أصبحت (وستظل إلى زمن غير قليل) هاجسا مقلقا للعديد من الدول الأوروبية.

عدم الاستقرار والحروب والنزاعات في المنطقة، أيضا له تداعيات أمنية وسياسية على دول الجوار، ومن هذه التداعيات انتشار الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية والاتجار بالبشر وما إلى ذلك من مشكلات.

لذلك تتدخل الأمم المتحدة وتتدخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية في محاولة لإقناع الفرقاء بالتوصل إلى حلول سياسية للأزمات الناشبة. وتقدم بعض هذه الدول مساعدات اقتصادية وتعقد المؤتمرات لجمع الأموال والتبرعات بهدف مساعدة الحكومات القائمة أو السلطات المعنية على خلق قدر من الاستقرار في هذه الدول أو على الأقل إدارة الأزمة بصورة أقل عنفا، لكن للأسف من دون فائدة تذكر في كثير من الحالات.

المشكلة الواضحة هي أن هذه الدول لا تحتاج لمن يتآمر عليها، فهي تتآمر على نفسها بنفسها. فالأزمات في ليبيا وسورية واليمن ولبنان والجزائر وغيرها هي أزمات محلية أو إقليمية المنشأ.

وهي أزمات يعرف المتابعون والدارسون لهذه المجتمعات أسبابها وظروفها وسياقاتها.
بالطبع هناك من يجادل في مسؤولية الحكومات والسلطات الحاكمة هنا وهناك عن هذا الفشل. وهذا قد يبدو صحيحا من الناحية الظاهرية، ولكن الحقيقة هي أننا إزاء فشل مجتمعي عام، فالقيم والعادات والمفاهيم والثقافة العامة هي مشتركة بين الحكومات والشعوب، وبالتالي فالمسؤولية عامة.

أما محاولات إزاحة المسؤولية عن الشعوب والأفراد والقيم والثقافة ورميها فقط على عاتق الحكومات، فهو يعيدنا من جديد إلى نفس المشكلة أعلاه، أي نظرية المؤامرة التي تقول إن الغرب يتآمر على الدول العربية والإسلامية عبر وكلائه من الحكام المحليين المفروضين على شعوبهم وغيرها من التهم والخزعبلات التي تطرب لها آذان بعض العرب والمسلمين.

ويفترض مثل هذا المنطق أن إزالة هؤلاء الحكام سوف يحل المشكلة. لكن الحكام يتغيرون بالفعل، لسبب أو لآخر، والوزراء والمسؤولون يتغيرون، وحتى الدول الغربية تغير من استراتيجياتها وخططها، ولكن مشاكل الدول العربية والإسلامية تبقى وتتفاقم. ومعها تبقى أيضا نظريات المؤامرة وعقلية التآمر المزعومة! 

والواقع أن هذا الحال لن يتغير حتى نعترف بمسؤولياتنا كمجتمعات وأفراد ونتصرف على هذا الأساس. وحين نفعل ذلك لن نكون بحاجة إلى نظريات المؤامرة. المؤسف أننا لا نزال نبدو بعيدين جدا عن هذا الهدف والمحاولات التي تبذل في هذا الصدد تتراوح ما بين خجولة ومتواضعة جدا. مع ذلك فإن الأمر يستحق عناء المحاولة.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.