A general view taken on September 5, 2016 shows the As-Sounna mosque in the Moroccan capital Rabat. - Two months before it…
انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا

في نهاية الأسبوع الماضي، تواصلت معي عبر الواتساب السيدة سعاد بومهدي، رفيقة حياة الكاتب المغربي إدريس الخوري. كانت سعاد ترغب في استشارتي بأمر يخص العائلة، ما يعكس مدى الصلة الإنسانية العميقة التي تربطني منذ عقود بإدريس وأسرته. فطلبتُ منها بعض التريث إلى يوم غد، لعلِّي أجد صيغة أقترحها عليها.  

وجاء الغد، لكن أُرْغِمْتُ على تأجيل الاتصال لانشغالات غير منتظرة. وصباح يوم الثلاثاء 15 فبراير الجاري، فتحتُ تليفوني على مكالمة صوتية مسجلة للسيدة سعاد، تقول فيها بصوت باكٍ: 

- "خوكْ ماتْ يا عبد الرحيم.. خوكْ مْشى عند الله...". 

كان خبرا صادما.. "على الريق". لم أصدق ما سمعته، فاتصلت لأتأكد من الخبر الفاجع. سألت سعاد عن اللحظات الأخيرة لـ"بادريس" قبل مفارقته الحياة، كيف أسلم هذا الكائن الاستثنائي الروح لباريها؟ 

- لكن احكِ لي.. كيف يموت "بّادريس".. وقد مات؟ 

تقول سعاد، إنها كانت إلى جانبه حتى اللحظات الأخيرة، وكانا يتسليان بالحديث في أمور عادية.  

عند حوالي الساعة التاسعة وربع مساء، انطلق صوت الآذان من مسجد قريب، معلنا موعد صلاة العشاء. فنهضت سعاد وسألت إدريس هل تقدم له شوربة حساء الخضار أعدتها من أجله، لكنه لم يرغب فيها.  

ثم استأذنته: 

- سأذهب لأداء الصلاة، وبعدها ما رأيك في أن أناولك كوب "يوغورت"؟ 

ابتسم إدريس ابتسامة غامضة، ووافق بإشارة من رأسه.  

لم تمض دقائق معدودة، عادت بعدها سعاد مسرعة وبيدها "دانون"، لتفاجأ برفيق حياتها وهو مستلقٍ على الأرض، فاغرا فاه، فاتحا عينيه. 

صرخت غير مصدقة. صاحت: 

- إدريس.. إدريس.. أجبني.. هل تسمعني؟! 

اعتقدت الأمر مجرد دوخة أصابته أو ضيقا في التنفس. فلجأت إلى ما تختزنه ذاكرتها حول ما يجب عمله في مثل هذه الحالة الطارئة، محاولة إنعاش قلب ورئتي زوجها، لعل القلب يعود إلى نبضاته. ضغطت وضغطت بقوة كأنها تصارع الموت لتطرده. 

لكن بادريس ساعتها لم يكن فاقدا للوعي، كما ظنت المرأة وتمنت، بل كان قد رحل عن الدنيا وانسلّت روحه من جسده الواهن، هو الذي كان يحب كثيرا الكلام والكتابة عن لغة الجسد، ها هو جسده الآن مسجى يتكلم اللغة السرمدية، لغة الصمت الأبدي، وهي لغة لا تتكلم الموت كما قد يتوهم البعض.  

لقد انسحب إدريس بهدوء. غافل الجميع وراح، ولم يخبر أحدا، حتى من كانت قبل برهة جالسة بجانبه. فجاء احتضاره سريعا وسكرات موته "مريحة". 

علق صديق أن صاحب"مدينة التراب".. "يليق به مثل هذا الموت الهادئ" الذي يتمناه كثيرون حين تصل ساعتهم. مستنكرا "كيف يعيش "بّادريس" حياة صعبة ويتلقى في نهايته موتا صعبا".  

إنه الموت يا صاحب، يفرق بين الأحبة ولا يستجيب لولولة ولوعة ولا لحسرة مفارق. 

هو "الموت هادم اللذات ومفرق الجماعات"، وقد أقبل بّادريس على "لذات الحياة" القليلة المتاحة أمامه ما استطاع إليها سبيلا، وظل "لصيقا بالحياة وذهب معها إلى مداها الأقصى".

وكان حضوره يزين الجماعات بجلوسه بين الأصدقاء في الفضاءات التي أحب ارتيادها، بمسقط رأسه بالدار البيضاء أو بمدن الرباط والقنيطرة وفاس ومراكش وطنجة، وغيرها من المناطق المغربية التي عشقها، وكان له في كل موطئ أصدقاء كثْر وخلان. 

غضبت من نفسي ولمتها، كيف تراخيت وأرجأت اتصالي ببّادريس.  

حكت لي سعاد أنها أخبرته بمكالمتها معي، وأنه كان بانتظار مهاتفتي. ومما قاله:  "هذا صديق عزيز علي".  

وأنا أيضا أعز إدريس، ومع الأعوام و"الأيام والليالي" صرت أعزه أكثر. وقد عرفت علاقتنا، مدا وجزرا، كما حدث له مع آخرين، ما بين الاقتراب والابتعاد، والخصام والصلح.

وفي الأخير رست صداقتنا على شطها الهادئ، فلا عاصفة ولا أمواج، وقد هدأ بّادريس مع تقدم العمر، فتحول إلى الوداعة واللطف وكرم التسامح بامتياز... أضحى إنسانا حكيما، لانت عريكته، خف مزاجه الحاد والمتقلب وتخلى عن "عدوانيته" وجرأته.

حتى أني قلت مرة في سري وأنا أجالسه برفقة ابنه الشاب يوسف، في مطعم وحانة "لابريس" بالمعاريف، "لا.. يا بّادريس.. مثل هذه اللينة لا تليق بك.. دعك من هذا التأدب، وأنت كنت دائما تمجّه، بل تسخر من أصحابه. دعك من التأنق في الكلمات والعبارات المنتقاة من قاموس الإتيكيت المنذور للبرجوازية والفئات المتمثله بها. وأنت ونحن لسنا منها، ولن نكون." 

لكن بّادريس كان صادقا في أسلوبه وفي مشاعره وكلماته، ولم يكن يمثل. 

في الأيام الأخيرة، فكرت سعاد في تغيير المسكن الذي تقيم به العائلة. قالت لي: "أنت تعرف أن العمارة التي نقطن بها من دون مصعد. وصحة إدريس لم تعد تساعده على الطلوع والهبوط في "الدروج". لذا نفكر في البحث عن سكن سفلي.  

وقد وافق إدريس على اقتراح سعاد، ورد عليها: واعْلاشْ لّا... (لماذا لا). 

ثم أضاف مازحا:  تكلمي عن نفسك فقط، أما أنا فما زلت قادرا على استعمال "الدروج" صعودا وهبوطا مرات في اليوم، من دون أن أشعر بتعب... 

وإدريس من أبناء الطبقات السفلى. سكن دائما في "بيوت واطئة"، سواء في منزل أسرته بحي درب غلف العتيق في الدار البيضاء، أو منزل أخيه الأكبر في حي "قْطع ولد عيشة" المجاور، ثم بالبيت الذي أقام به لسنوات طويلة في زنقة نابولي بحي المحيط الرباطي، لما وصل إلى العاصمة وعمل بصحيفة "العلم"، قبل أن يغير السكن وينتقل إلى شقة بحي حسّان.

وفي الأعوام الأخيرة انتهى به المطاف للإقامة بـ"السكن في الأدوار العليا"، بموطن الموريسكيين، في حي السلام بمدينة سلا المتاخمة.. 

لكن بدل الدار الجديدة اختار القدر أن ينتقل "بّادريس" إلى "الدار الأخرى" الموعودة، لتتوقف دقات قلب خافق، طالما ظل ينبض مشتعلا بحب الحياة، متقدا بالانتماء للهامش وللمهمشين من فئات الشعب المغربي.

لذلك نعاه صديقه الكاتب أحمد بوزفور بالقول إن الخوري "علمنا أن نرتبط ببلدنا وشعبنا وآلام شعبنا ولغاته، وعلمنا كيف نحيا وكيف نضحك وكيف نكتب. لقد كان نسيج وحده كاتبا متفردا لا يضاهى". 

ما أن انتشر نعي إدريس الخوري، حتى غطت صوره وسيرته الصحف والمواقع ومنتديات التواصل الاجتماعي. تحدث كثيرون عن سيرة "بّادريس" وأدبه وعن شخصيته المتفردة. من بينهم من عرفوه عن قرب، ومنهم من قرأوا له أو سمعوا به فقط.

ومن بينهم أيضا أشخاص عدموا الخلق الإنساني والحضاري، من وجدوها فرصة لتصفية حسابات خاسرة، فجهروا بالحقد وبالسوء شامتين، محاولين عبثا الإساءة إلى ميت لم يعد اليوم بيننا. 

جعلني رحيل صديقي أكتشف كيف كنت أستثني من الموت هذا الكائن المسمى إدريس بن علال الداودي الكص الخوري.  

رجعت بي الذاكرة إلى سنوت وأعوام خلت، نسجنا فيها الكثير من الذكريات. تشهد على بعضها صورنا ورسائلنا المتبادلة.

ومنها  ذكرى مؤرخة قبل عامين، في مارس من 2020، عند اكتساح الجائحة وانتشار فيروس "كوفيد 19"، وفرض الحجر الصحي. فقد خصصت صديقي إدريس برسالة بعثتها إليه من بيروت، حيث كنت أقيم. 

وأمام هذه الموقف الحزين والموجع، أعيد الآن قراءة رسالتي الأخيرة عليك يا بّادريس بصوت مسموع، لعلي أستعيد بعضا من ردة أفعالك الساخرة بلا حدود، وأسمع رنّات ضحكاتك الصاخبة مرة أخرى، الضحكات نفسها التي طالما ملأت بها الأسماع في كل مكان حللت به وزرعت به ضجة الحياة.  

الرسالة: 

"بيروت، 4 مارس 2020، 

صباح الخير بَّادْريسْ... 

بلغني أنك تهدد الفيروس "الحقير" بالقضاء عليه سريعا إذا لم يستجب و"يخوي السّيكتور" le secteur.. فالعالم يحتاج لشرب "كاس نقي"... يؤكد الخلان... 

أتساءل كيف تقضي يومك في الحجر الصحي، وقد خلقت كائنا محبا للفضاءات المليئة بالناس وبالحياة والضحك.. حتى وأنت تحكي للعالم قصصا من معين "حزن في الرأس وفي القلب".. 

وأنت"بالفعل" يا بّادريس كائن فضائي جميل! 

تشتاق الآن إلى فضاء "الشاربان" قبالة كلية الآداب.. إلى "ماكس" في حي "لوسيان".. إلى حانات شارعي علال بنعبد الله وباتريس لومومبا في العاصمة..  

إلى "لابريس" و"مرس السلطان" و"الأطوميك" و"الزيادي" و"الكارتيي لاتان"  Quartier latin في كازا..  

إلى بارات ومقاهي القنيطرة وطنجة وفاس والعرائش ومكناس... 

أعرف أن المرض لم يستطع أن يغلبك وينهيك عن الخروج إلى الأصدقاء، ولا أن يعزلك عن أماكنك المفضلة والمحببة... فما أن تحس بأنك قادرعلى الوقوف حتى تجد نفسك أمام باب الشقة، تنزل خفيفا إلا من محفظتك الجلدية الصغيرة على كتفك، ومن نواياك الجميلة و"تخطيطاتك الحديثة في هندسة الفقر"، على قول صديقنا العزيز الشاعر السي أحمد بنميمون.. 

تركب "الترامواي" لتنزل في محطة الكنيسة، أمام كاتدرائية القديس بطرس بساحة الجولان.. تنادي على تاكسي، تسأله بلطف زائد أن يأخذك إلى "هنريس بار"، كمحطة ترانزيت قبل الإقلاع إلى بلاد "الشاربان" (نادي الكرة الحديدية)، وبعد إقفال "هنريس بار" أصبحت تتوجه مباشرة إلى أدغال "الشاربان"، حيث الهواء الطلق والأشجار والطبيعة المساعدة على الحرية والانطلاق.. و"هاتوا الخوابي.. يا أولاد سيدي موسى.. إن رأسي يريد المعجون..".. كما وثقتها في أول كتاب لك، وقد اقتبستها من صاحبها، صديقنا الشاعر الزجال والممثل حميد الهواضري، وكان الشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي نشرها في الطبعة العربية من "أنفاس" في سنوات الجمر والرصاص.. 

لا أعرف لماذا لم تخرج يا بّادريس على القراء بحكاياتك وسيرتك عن تلك السنوات العصيبة، ألم تكن ثوريا ويساريا من دون بطاقة انتساب، ولم تعر كتفيك لحمل راية أي حزب أو جماعة أو تيار، بل بقيت أنت هو أنت.. المنحاز دائما إلى الفقراء و"الطّابِية" Tapis. 

ربما انغمارك في الكأس والضحك، وجولاتك عبر خرائط الحانات هو من أفلتك من السجن وملاقاة المصير الأسوء، وقد كتبوا في تقاريرهم أنك رجل "نْشَايْطِي زَهْوَانٍي.. يُسرف في الكلام والقهقهات.. وفي شرب "الفيوباب" و"الكابيرني" (من أنواع النبيذ المغربي)... 

أتذكر ما حكيته مرة لمحمد زفزاف ولأحمد الجوماري ولي في المعاريف، عن مشاركتك في فرقة موسيقية وأنت شاب صغير، كنت تعزف على "الدربوكة"، وغنيت عند عودة السلطان محمد الخامس من المنفى أغنية أنت مؤلفها، تقول كلماتها: 

- "يا َرَبِّي حبِّيتيهْ فِ القمر بَيَّنْتِيهْ".. (يا ربي إنك أحببته وفي القمر أظهرته). 

والله أحبَّك يا بَّادريس.. ويُحبُّك دائما.. وأنت الآن في "منفاك الصحي الطوعي". 

ونحن أصدقاؤك أيضا نُحبُّك في الله... 

أتمنى أن تكون بخير، فالفرج قريب... 

سلامي ليوسف ومروان ولسعاد". 

*  

سلاما لروحك صديقي. 

وختاما، ونحن نحيي اليوم الذكرى الثامنة لرحيل الشاعر اللبناني الكبير أنسي الحاج، أرى صاحب الـ"خواتم" ينشد على لسان إدريس الخوري: 

"قولوا هذا موعدي وامنحوني الوقت. 

سوف يكون للجميع وقت، فاصبروا. 

اصبروا عليَّ لأجمعِ نثري. 

زيارتُكم عاجلة وسَفَري طويل 

نظرُكم خاطف وورقي مُبعْثَر 

محبّتُكم صيف وحُبّيَ الأرض. 

مَن أُخبر فيلدني ناسياً 

إلى مَن أصرخ فيُعطيني المُحيط؟ 

صار جسدي كالخزف ونزلتُ أوديتي 

صارت لغتي كالشمع وأشعلتُ لغتي...".

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.