صورة لواحدة من الحملات الانتخابية في لبنان
صورة لواحدة من الحملات الانتخابية في لبنان

جورج أورويل: "الشعب الذي ينتخب الفاسدين ليس ضحية، بل شريكا في الجريمة".

تعد الانتخابات عادة فرصة لتداول السلطة، وتسمح للمواطنين بمساءلة من انتخبوهم ومحاسبتهم في صناديق الاقتراع، خصوصاً عندما تفشل سياساتهم في الحكم الرشيد. وذلك لإنتاج سلطة بديلة.

لكنها في لبنان، كانت دائماً مناسبة لإعادة انتاج منظومة السلطة نفسها، تقريباً، التي بنت شبكات زبائنية متنوعة ومتجذرة في الدولة. لكن انهيار الدولة الشامل باقتصادها ومؤسساتها وإداراتها، صار يشكل حاجزاً موضوعياً أمام إجراء هذه الانتخابات. فانهيار العملة يعرقل حتى انتقال المواطنين إلى حد يكاد أن يوقف الموظفين عن الدوام لأكثر من يوم واحد في الاسبوع. إضافة لفقدان الورق والحبر وجميع اللوازم وانقطاع التيار الكهربائي. كل ذلك بات يشكل تحدياً كبيراً للجميع ويصعّب عملية المشاركة الفعالة في الاقتراع. لكنه في نفس الوقت يسهّل على المنظومة عملية شراء الأصوات، في حال لم يعطّل الانتخابات حادث أمني ما، من قبل جهة لن يناسبها أي تغيير ولو طفيف. خصوصاً بعد أن طمأننا الشيخ نعيم قاسم في مطلع العام من إن "الانتخابات ليست سباقاً على الأغلبية النيابية، لأن التوازنات في البلد لا تبنى من خلال ميزان القوى في المجلس النيابي، بل ترتبط بموازين داخلية وخارجية ستؤثر على نحو مباشر في هوية الرئيس المقبل". والموازين هذه أخبرنا السيد نصرالله انها 100 ألف مقاتل، وأنه صار بإمكانه بيع مسيرات لمن يرغب هذا الأسبوع.

لذا، إن أي انتخابات مهما كانت مراقبة، في ظل السلاح الذي استكمل هيمنته على السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ولديه سلطة على بعض القضاء، لن يسمح للمواطنين بممارسة إرادتهم الحرة ولا بالطعن بالمخالفات التي تحصل؛ وبالتالي ستعطي مثل هذه الانتخابات شرعية إضافية لمن يحتل الدولة ويهيمن على قراراتها ويعرقل أي إصلاح. هذا ولم نأخذ بعد بعين الاعتبار قانون الانتخاب المشوّه والذي فُصِّل على قياس المنظومة الحاكمة، التي زرعت محاسيبها في الدوائر الانتخابية على مستوى المحافظات والأقضية والاقلام، ما يسمح لها بالتحكم بعملية التصويت والتلاعب بنتائجها. فالمنظومة راكمت خبرات هائلة في تركيب وتشغيل الماكينات الانتخابية التي تمكّنها من ضبط الجمهور بواسطة المال والعرقلة الإدارية والتخويف والتخجيل الى جانب البروباغندا التي تتقنها وسائل الاعلام التي تملكها للتأثير على الرأي العام. في المقابل تتشتت القوى المعارضة متنافسة ومتناحرة. فإما تفتقر للخبرة وإما تخضع لأنانيات فردية او لعدم الاتفاق على برنامج.

مع كل ذلك، يبدو أن المنظومة تخشى الانتخابات وهناك تخوف من أنها تعمل على تعطيلها، فليس من صالحها احتمال أي تغيير ولو طفيف، لأنه سيظهر تضعضع مكانتها لدى الجمهور الذي أفقرته ونهبت مدخراته وتمعن في قهره وحرمانه من حقوقه البديهية. إذ لا شك أن قفزة كبيرة حصلت في الوعي لدى الرأي العام منذ ثورة 2019 عند شرائح كبيرة من المجتمع اللبناني الذي انكشفت أمامه ألاعيب المنظومة الحاكمة وأدواتها التسلطية. والمحفز كان انفجار 4 آب وما تبعه من عرقلة للتحقيق القضائي عن إجرامها خوفاً من الانكشاف العلني ومن حكم القضاء.

في المقابل، هناك تراجع كبير في تفاعل الأوساط الشعبية، بسبب هرطقات السلطة، كالانسحاب والاحباط الوبائي واليأس، فلم تعد معارك أطراف السلطة ضد بعضهم تثير أحداً. وبذا تكون فقدت وسيلتها لشد عصب الجماهير بإثارتها العصبيات والنعرات الطائفية والغرائز المذهبية.

من غير الواضح إذن كيف سينعكس كل ذلك على الانتخابات، في حال نجح المجتمع الغربي في إلزام المنظومة على إجرائها مع رقابة مشدّدة.

لذا نجد أننا أمام مشهد انتخابي معقد ومرتبك أمام المواطن العاجز أو القاصر عن مواجهة المنظومة الفاسدة التي انكشفت أمامه بتحالفها وحمايتها للسلاح غير الشرعي الذي أوصلته الى السلطة المطلقة، وصارت تحتمي به وتعمل بالتكافل والتضامن معه على تعطيل الدولة حرصاً على بقائها.

لكن ولأن الانتخابات تشكل محطة أساسية في العملية الديموقراطية ولا بد من خوضها، نجد أن سلوك مجموعات الحراك لا يوحي بالأمل في أن تتمكن من تكوين جبهة معارضة وازنة ولا أن تتوحد على عناوين سياسية يمكنها ان تستجيب لتحديات المرحلة التي لن يجدي فيها سوى التجمع تحت شعار السيادة والدستور وتطبيق القرارات الدولية بالاستناد إلى الشرعيات العربية والدولية، لتحرير لبنان من السلاح غير الشرعي وممن يحمله أو يحميه. وذلك في ظل تعذّر قيام الأمم المتحدة ومجلس الأمن بفرض تطبيق قرارات الشرعية الدولية التي تساعد على استعادة السيادة.

يصبح السؤال الأساسي، لمن عليّ أن أقترع في حال حصول رقابة دولية لتأمين الشروط الضرورية لكفالة النزاهة والشفافية؟ 

شخصياً أفضل الاقتراع لشخصية قوية ومستقلة بآرائها، لا تتبع لأي مكون طائفي أو مذهبي أو عقائدي وغير مرتبطة عضوياً بأي خارج، تؤمن بالحريات العامة والشخصية، وتعمل خصوصاً على الاصلاح الإداري والضريبي والاقتصادي، نزيهة ومهنية في عملها وتاريخها ولم تشارك في أي مركز نافذ في منظومة السلطة الحاكمة ولم تكن من أذنابها؛ وأن تكون مع سيادة واستقلال وحرية لبنان وتخليصه من الاحتلال.

لكن هذه المواصفات لا تنطبق إلا على القلة القليلة من اللبنانيين وخصوصاً المعروفين منهم للجمهور. وبالتالي فإن الاكتفاء باختيار شخصيات مماثلة سيقلل من إمكانية نجاح كتلة وازنة يمكنها فعلاً أن تضعف المنظومة الحاكمة التي أخضعتنا لسيطرة حزب الله الخاضع لأوامر دولة أجنبية.
لذا تتطلب البراغماتية والواقع على الأرض تشكيل أكبر تحالف من السياديين الحقيقيين الذين يرفعون شعار رفع الاحتلال الإيراني أو الهيمنة او خطف الدولة، أو أي تسمية يختارونها، من أجل استعادة لبنان ونظامه، الذي سيحتاج بعد التحرر من النفوذ الخارجي، إلى الكثير من الاصلاح.

لذا يجدر بالاستقلالي الجدي اختيار من هو سيادي حقاً ولديه فرصة بالنجاح. ولنتذكر قول ابراهام لينكولن: ورقة الاقتراع، كالرصاصة في البندقية.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.